كتّاب المحبّة
بعد "Mutua Concordia" هل يستطيع السينودس عزل البطريرك؟
ما الذي تغيّر في قانون الكنائس الشرقية؟ ولماذا هذا التوقيت في الإصدار؟ هل المقصود فعلًا التغيير الآن؟ تغيير في كنيسة معينة أم في مختلف الكنائس الشرقية؟ أسئلة كثيرة يطرحها المؤمنون في الآونة الأخيرة، لم يكن عنوان الإرادة الرسولية الجديدة Mutua Concordia عابرًا، ولا اختيار عبارة «الوفاق المتبادل» صدفة. فخلف التعديلات التي طالت بعض مواد مجموعة قوانين الكنائس الشرقية، يبرز أيضًا سؤال حساس: ماذا يحدث عندما تصل العلاقة بين البطريرك وسينودس الأساقفة إلى أزمة عميقة؟ وهل أصبح السينودس قادرًا على عزل البطريرك؟
لفهم ما وراء النص القانوني، كان لنا حديث مع الخوري الدكتور عيد بو راشد، دكتور في الحق الكنسي من جامعة اللاتران في روما، كاهن في أبرشية صيدا المارونية، وأستاذ محاضر في كلية الشرع الكنسي الحبرية في جامعة الحكمة – بيروت. ومن خلال قراءته، يتضح أن اختصار الوثيقة في عبارة «إمكانية عزل البطريرك» قد يكون أكثر ما يسيء إلى فهمها.
*البداية ليست من العزل… بل من الشركة
قبل الحديث عن الصلاحيات والعزل، هناك نقطة أساسية يجب فهمها، يقول الخوري بو راشد: البطريرك في الكنائس الشرقية ذات الحق الخاص هو الأب والرأس – Pater et Caput.
ومن هنا، فإن دوره لا يختصر في ممارسة السلطة، بل إن من أولى مسؤولياته المحافظة على وحدة الكنيسة، وأن يكون عنصر جمع وشركة بين الأساقفة والكهنة والمؤمنين.
وفي الوقت نفسه، لا يعيش البطريرك خارج السينودس، ولا يمكن فهم سلطته بمعزل عن إخوته الأساقفة.
وهنا تحديدًا تكمن دلالة اسم الوثيقة Mutua Concordia أي الوفاق المتبادل.
فالوفاق المطلوب ليس بين أطراف متنافسة، بل بين البطريرك وسينودسه، باعتبارهما معًا في خدمة الكنيسة ووحدتها.
*ماذا تغيّر إذًا بعد «Mutua Concordia»؟
الجديد، والتغيير بحسب الخوري عيد، هو أن القانون أصبح يتضمن للمرة الأولى مسارًا واضحًا للتعامل مع حالة استثنائية جدًا: "أن تصل العلاقة بين البطريرك والسينودس إلى أزمة خطيرة وغير قابلة للإصلاح."
في السابق، لم تكن مجموعة قوانين الكنائس الشرقية تحدد إجراءً واضحًا لمعالجة هذه الحالة.
أما التعديل الجديد، فأوجد آلية قانونية تبدأ، في حال وجود سبب خطير يقرّه السينودس، بطلب تنحي البطريرك عن منصبه.
وإذا رفض البطريرك، يمكن الانتقال إلى مرحلة التصويت السّري، حيث يتطلب الأمر موافقة ثلثي أعضاء السينودس الذين يملكون حق التصويت، مع ضمان حق البطريرك في الدفاع عن نفسه أمام السينودس.
لكن هنا تظهر نقطة شديدة الأهمية: حتى تصويت الثلثين لا يعني أن البطريرك أصبح معزولًا فورًا.
فالقرار يحتاج في النهاية إلى موافقة الحبر الروماني، وهي الموافقة التي تجعل السدة البطريركية شاغرة.
بمعنى آخر، لا يستطيع السينودس أن يعزل البطريرك منفردًا.
* السؤال الأكثر حساسية: ما هو «السبب الخطير»؟
وبحسب ما أجابنا الخوري عيد عن هذا السؤال أنّ القانون لا يقدم لنا لائحة مغلقة ومفصّلة بالأسباب التي تستدعي العزل وتجعله واجبًا أو تلقائيًا، بل يتحدث عن سبب خطير "causa grave"
إذًا ليس مجرد الاختلاف في الرأي، أو الخلاف الإداري، أو اعتراض بعض الأساقفة على قرارات البطريرك، يمكن أن يُفهم تلقائيًا على أنه سبب لعزله.
الوضع يتعّلق بحالة استثنائية تمسّ بصورة عميقة شركة الكنيسة ووحدتها، وتصل فيها العلاقة بين البطريرك والسينودس إلى مستوى خطير يصعب معه إصلاحها.
لذلك، المقصود ليست آلية لمعاقبة البطريرك على خطأ أو قرار لم يعجب البعض، بل إجراء استثنائي لمعالجة أزمة كنسية استثنائية.
*هل أصبح البطريرك خاضعًا لأغلبية السينودس؟
الجواب وبإختصار: لا.
هذا الجواب الفصل، ولبّ القضية والنقطة الأساسية في فهم الوثيقة.
فزيادة دور السينودس لا تعني أن البطريرك فقد مكانته، أو أصبح مجرد رئيس يخضع لأغلبية الأصوات.
وفي المقابل، لا يعني موقع البطريرك «الأب والرأس» أنه يستطيع أن يدير الكنيسة بصورة منفصلة عن سينودسه.
المعادلة والعلاقة هي التي تبرز من الوثيقة هي أن البطريرك والسينودس لا يقفان في مواجهة بعضهما، بل يعملان معًا من أجل شركة الكنيسة.
فالسلطة هنا ليست صراعًا بين «من يملك القرار؟»، بل مسؤولية مشتركة في خدمة الكنيسة.
*الرسالة الأهم: "هل السينودس هو برلمان؟"
هذه هي الرسالة التي ينبغي التوقف عندها.
فالسينودس، في المفهوم الكنسي، ليس برلمانًا، والبطريرك ليس رئيس حزب، والأساقفة ليسوا كتلًا سياسية تتنافس على السلطة.
التصويت موجود عندما يفرضه القانون، لكن السينودسية أوسع من عملية التصويت.
إنها، كما وصفها الخوري عيد، في جوهرها، تمييز مشترك، واستماع، وحوار، وبحث عن إرادة الله وخير الكنيسة.
ومن هنا يأتي التحذير من خطر إساءة استخدام الآلية الجديدة، بحيث تتحول إلى اصطفافات داخل السينودس: فريق "مع البطريرك" وفريق "ضد البطريرك".
عندها يمكن لأداة وُضعت لمعالجة أزمة أن تصبح سببًا لأزمة جديدة.
*لماذا يمكن أن تكون هذه الخطوة إيجابية؟
من وجهة نظر قانونية وكنسية، يمكن أن تسدّ الإرادة الرسولية فراغًا كان موجودًا في القانون.
فإذا وصلت كنيسة بطريركية إلى أزمة قيادة مستعصية، أصبح هناك الآن مسار قانوني واضح بدل بقاء الوضع من دون آلية محددة.
كما أنها تعزز مفهوم السينودسية الشرقية، وتؤكد أن مسؤولية الأساقفة لا تبدأ وتنتهي عند انتخاب البطريرك، بل تستمر في حياة الكنيسة اليومية.
وفي الوقت نفسه، يمكن أن تشكل الضمانات الموجودة في النص حماية للبطريرك أيضًا، إذ لا يمكن الوصول إلى عزله بسهولة، وهناك حق في الدفاع، واقتراع سري، وأغلبية موصوفة، ثم موافقة الحبر الروماني.
*لماذا الآن هذه التغييرات؟
بحسب النص الرسمي، يشير البابا إلى أنه استمع قبل تعديل القانونين إلى رأي دائرة النصوص التشريعية ودائرة الكنائس الشرقية، كما يذكر أن معالجة هذه المسألة طُلبت من عدد من الأساقفة الشرقيين.
وهذا يعني أن الحاجة إلى معالجة هذه المسألة القانونية لم تظهر من فراغ.
لكن، في الوقت نفسه، لا ينبغي الذهاب أبعد مما يقوله النص الرسمي أو تحويل ذلك إلى استنتاجات حول كنيسة بعينها أو أزمة محددة، ما لم تتوافر معلومات موثوقة تؤكد ذلك.
*"Mutua Concordia" ليست قانون عزل
بعد الاستماع إلى شرح الخوري الدكتور عيد، يصبح واضحًا أن قراءة الإرادة الرسولية من زاوية «هل يستطيع السينودس عزل البطريرك؟» وحدها، قراءة ناقصة.
فقد أصبح هناك مسار قانوني يمكن أن يؤدي، في ظروف استثنائية جدًا، إلى عزل البطريرك.
غير أن الوثيقة تقول شيئًا أعمق من ذلك.
إنها تذكّر بأن وحدة الكنيسة لا تُبنى على قوة طرف في مواجهة طرف آخر، بل على الشركة بين البطريرك وسينودسه.
البطريرك أب ورأس وراعٍ، والسينودس مساحة المسؤولية المشتركة للأساقفة. وكلما كانت هذه العلاقة قائمة على الثقة والحوار والاحترام والبحث المشترك عن خير الكنيسة، تصبح الآلية الاستثنائية التي وضعتها الوثيقة أمرًا لا حاجة إلى استعماله.
وربما هنا تكمن المفارقة الأجمل في الإرادة الرسولية: القانون الذي يضع اليوم آلية لمعالجة انهيار الشركة، يدعو في الوقت نفسه إلى الحفاظ على الشركة كي لا نصل أصلًا إلى مرحلة نحتاج فيها إلى استعمال هذا القانون.
فـ Mutua Concordia ليست، في جوهرها، قصة «بطريرك يمكن عزله»، بل قصة كنيسة تريد أن تحافظ على وحدتها، وسينودس يريد أن يمارس مسؤوليته، وبطريرك مدعو إلى أن يبقى أبًا ورأسًا في قلب هذه الشركة.
تكشف Mutua Concordia في جوهرها، أن الكنيسة ليست مؤسسة تُدار بالقوانين وحدها، بل جسد المسيح الحي الذي يقوده الروح القدس.السلطة خدمة، والقرار تعبير عن إرادة الله. إن القانون الجديد يذكّرنا أن الضمانة الحقيقية لوحدة الكنيسة ليست التصويت ولا العزل، بل سر الفداء "سر الإفخارستيا" الذي يجعلنا جسدًا واحدًا في المسيح.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأهم ليس: من ينتصر، البطريرك أم السينودس؟ بل: كيف ينتصر خير الكنيسة؟
لينا هاشم عرب
تلفزيون وإذاعة صوت المحبة