كتّاب المحبّة
السامري الصالح: "من هو الإنسان الذي وضعه الله اليوم على طريقي لكي أكون قريبًا منه"؟
تضع الكنيسة أمامنا اليوم ثلاث كلمات بسيطة، لكنها تختصر جوهر الحياة المسيحية: الحق، المحبة، والقرب.
النبي ميخا يسأل: ماذا يريد الله منا؟ القديس بولس يقول: ما هو الدين الذي يبقى علينا؟ ويسوع يروي لنا مثل السامري الصالح ليكشف لنا كيف تصبح المحبة حياةً لا كلامًا.
*أولًا: الله لا يريد منا المظاهر، بل قلبًا مستقيمًا.
يسأل النبي ميخا: «بماذا أتقدّم أمام الرب؟»
هل بالذبائح؟ هل بكثرة التقدمات؟ هل بأعمال دينية كثيرة؟ ويأتي الجواب واضحًا:«قد أخبرك أيها الإنسان ما هو صالح: أن تصنع الحق، وتحب الرحمة، وتسلك متواضعًا مع إلهك.»
لا يعني هذا أن الصلاة والقداس والأسرار والعبادة ليست مهمة. بالعكس، هي أساس حياتنا المسيحية. لكن المشكلة تبدأ عندما نفصل ما نحتفل به في الكنيسة عما نعيشه خارجها.
يمكن للإنسان أن يصلي كثيرًا، ويشارك في القداس، ويكرّم القديسين، ولكنه يبقى قاسيًا مع أخيه، أو ظالمًا في عمله، أو حاقدًا في قلبه.
يقول القديس يوحنا الذهبي الفم إننا لا نستطيع أن نكرّم المسيح في المذبح ونحتقره في الإنسان الذي يحتاج إلينا. فالمسيح الذي نلتقيه في الإفخارستيا هو نفسه الذي نلتقيه في وجه المحتاج والمجروح.
ولهذا تعلّمنا الكنيسة أن المحبة ليست أمرًا ثانويًا في الحياة المسيحية، بل هي قلب الحياة الأخلاقية كلها. فكما يقول التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية، المحبة هي الفضيلة التي تجعلنا نحب الله فوق كل شيء وقريبنا كأنفسنا. لذلك، السؤال ليس فقط: هل أصلي؟ بل أيضًا: هل تغيّرني صلاتي؟
إذا خرجنا من القداس ونحن أكثر تواضعًا، وأكثر غفرانًا، وأكثر رحمة، وأكثر استعدادًا لخدمة الآخر، عندها تكون الليتورجيا قد دخلت فعلًا إلى حياتنا.
*ثانيًا: «لا تكونوا مديونين لأحد بشيء إلا بمحبة بعضكم بعضًا».
يقول القديس بولس:«لا تكونوا مديونين لأحد بشيء إلا بمحبة بعضكم بعضًا.» هناك ديون يمكن أن نسددها وتنتهي. أما دين المحبة فلا ينتهي. لماذا؟
لأننا نحن أولًا مدينون لله. لقد أحبنا قبل أن نستحق، وغفر لنا قبل أن نطلب، ورحمنا عندما كنا بعيدين عنه. ولهذا يقول القديس يوحنا: «نحن نحب لأنه هو أحبنا أولًا.»
المسيحي لا يحب لكي يشتري محبة الله، بل يحب لأنه اكتشف أنه محبوب من الله. وهنا يقول لنا بولس شيئًا مهمًا جدًا: « قد حانت الساعة لتستيقظوا من النوم.»
قد لا يكون النوم الروحي هو أن نتوقف عن الصلاة. أحيانًا يكون الإنسان يصلي، لكنه لا يرى أخاه. يسمع الإنجيل، لكنه لا يسمح للإنجيل أن يغيّر حياته. يعرف ما هو الخير، لكنه يؤجله دائمًا. لذلك يقول بولس: «البسوا الرب يسوع المسيح.» أي لا تجعلوا المسيح مجرد شخص تؤمنون به، بل اجعلوه طريقة حياتكم.
أنظروا بعيني المسيح، سامحوا بقلب المسيح واخدموا بروح المسيح. اقتربوا من المتألم كما كان المسيح يقترب منه. القديس فرنسيس الأسيزي عاش هذه الحقيقة بطريقة بسيطة جدًا: لم يكن همه أن يتكلم كثيرًا عن الإنجيل، بل أن يجعل حياته نفسها إنجيلًا.
وهذا هو التحدي لنا أيضًا: أن يرى الناس المسيح ليس فقط في كلماتنا، بل في طريقة معاملتنا لهم.
*ثالثًا: السامري الصالح: لا تسأل فقط «من هو قريبي؟» بل «لمن أستطيع أن أكون قريبًا؟».
يسأل معلّم الشريعة يسوع: « ومن هو قريبي؟»
كان يريد تحديد حدود المحبة: من يجب أن أحب؟ ومن لا يدخل ضمن مسؤوليتي؟ لكن يسوع لا يعطيه تعريفًا، بل يعطيه إنسانًا مجروحًا على جانب الطريق.
يمرّ الكاهن، يراه، يمرّ اللاوي، يراه، أما السامري، فيراه ويتوقف. وهنا تكمن الرسالة.
الفرق ليس في أن الثلاثة رأوا الرجل. الثلاثة رأوه، لكن واحدًا فقط سمح لما رأى أن يغيّر مساره.
يقول الإنجيل إن السامري الصالح «تحنّن»، ثم اقترب منه، وضمد جراحه، وحمله، واعتنى به. المحبة في الإنجيل تبدأ بثلاث خطوات: أرى، أتأثر وأقترب.
كم من الناس نراهم كل يوم ولا نراهم حقًا!
نرى إنسانًا حزينًا ولا نسأل لماذا، نرى شخصًا وحيدًا ولا نزوره ونرى أحد أفراد عائلتنا متألمًا ونقول: «ليس لدي وقت». نرى شخصًا أخطأ فنحكم عليه بدل أن نساعده على النهوض. وقد يكون الإنسان الذي يحتاج إلى «سامري صالح» اليوم قريبًا منا جدًا.
القديس يوحنا بولس الثاني كان يذكّر بأن الإنسان لا يستطيع أن يجد ذاته إلا من خلال العطاء الصادق للآخر. فالحياة لا تصبح عظيمة بما نملكه لأنفسنا، بل بما نعطيه للآخرين. والأجمل أن آباء الكنيسة رأوا في السامري الصالح صورة للمسيح نفسه.
نحن ذلك الرجل الجريح على جانب الطريق، والمسيح هو الذي اقترب منا، حمل جراحنا، شفانا برحمته ولم يتركنا عندما كنا عاجزين عن إنقاذ أنفسنا.
لهذا، نحن لا نساعد الآخرين لأننا أفضل منهم، نساعدهم لأننا نحن أيضًا احتجنا إلى المسيح، وما زلنا نحتاج إليه كل يوم.
-في نهاية المثل، لا يقول لنا يسوع: «اذهب وفكّر في الأمر». ولا يقول: «اذهب واعرف من هو قريبك».
بل يقول بوضوح:«اذهب، وأنت أيضًا اصنع هكذا.»
ربما لا نستطيع اليوم أن نغيّر العالم كله، لكن يمكننا أن نغيّر حياة إنسان واحد.
كلمة طيبة، غفران، زيارة مريض، مساعدة محتاج، إصغاء لشخص وحيد، مصافحة من خاصمناه ووقت نعطيه لمن يحتاج إلينا. هذه أشياء صغيرة في نظر العالم، لكنها كبيرة في نظر الله.
فلنسأل أنفسنا اليوم، بدلًا من: «من هو قريبي؟»:
من هو الإنسان الذي وضعه الله اليوم على طريقي لكي أكون قريبًا منه؟
ولنطلب من المسيح، السامري الصالح الحقيقي، أن يفتح عيوننا لكي نرى، وقلوبنا لكي نتحنن، وأقدامنا لكي نقترب. عندها تصبح صلاتنا حياة، وإفخارستيتنا محبة، وإيماننا شهادة، ونستطيع أن نسمع في نهاية حياتنا كلمة الرب:«كنتُ جائعًا فأطعمتموني، وكنتُ مريضًا فزرتموني…» آمين
الخوري جوني التنوري
من الأبرشية البطريركية منطقة جونيه