كتّاب المحبّة
"ليس كل تأخير غيابًا"
كم من مرّةٍ ظننّا أنّ الله تأخّر، فسمّينا صمته غيابًا، وانتظاره نسيانًا، والطريق الطويل علامةً على أنّنا نمشي وحدنا؟
نطلب، ونصلّي، ونرفع أعيننا نحو السماء، ثمّ نعود إلى حياتنا ولا شيء قد تغيّر. فنبدأ بالتعب؛ لا لأنّنا فقدنا الإيمان، بل لأنّنا تعبنا من الانتظار. نريد أن نفهم لماذا أُغلق هذا الباب، ولماذا لم تأتِ تلك الإجابة، ولماذا ترك الله بعض الأشياء معلّقةً في منتصف الطريق.
لكنّ الإيمان ينضج فينا حين نكتشف أنّ الله ليس حاضرًا فقط عندما يعطينا ما نطلب، بل حاضر أيضًا في المسافة التي تفصلنا عمّا نرجو. نحن نريد الله في النتيجة، بينما قد يكون هو معنا في الطريق.
وهنا تتغيّر نظرتنا إلى الانتظار. فالانتظار ليس دائمًا فراغًا؛ أحيانًا يكون المكان الذي يعمل فيه الله بصمت، حيث لا نرى شيئًا، لكنّ شيئًا في داخلنا يتغيّر.
كم من أمرٍ تمنّيناه، ثم اكتشفنا بعد سنوات أنّ تأخّره كان رحمة. وكم من بابٍ أردنا أن يُفتح، ثم شكرنا الله لأنّه أبقاه مغلقًا. وكم من صلاةٍ حسبناها بلا جواب، فإذا بنا نكتشف أنّ الجواب لم يكن ما طلبناه، بل ما كان الله يعرف أنّنا نحتاج إليه.
وفي قلب الإيمان المسيحي، لا نقيس حضور الله بما نراه. فالمسيح لا يكون حاضرًا في حياتنا فقط حين تتبدّل الظروف، بل يبقى معنا في الطريق، حتّى حين لا نفهم إلى أين يقودنا. لذلك، حين يطول الانتظار، لا أريد أن أسأل فقط: «أين الله؟» بل أن أتعلّم أن أسأل أيضًا: «أين يعمل الله فيَّ وأنا أنتظر؟»
ربّما لا يتأخّر الله كما نظن؛ ربّما نحن الذين نريد أن يصل قبل أن يحين الوقت. ولهذا، حين لا أفهم، أصلّي. وحين لا أرى، أثق. وحين يطول الليل، أترك في قلبي مكانًا للنور. فالإيمان ليس أن أعرف متى يأتي الله، بل أن أعرف أنّه لم يتركني وأنا أنتظر. قد يتأخّر ما نرجوه، وقد يطول الطريق، لكنّ الله لا يغيب عن الطريق.
وفي النهاية، ليس المهمّ أن يصل ما انتظرناه في الوقت الذي أردناه، بل أن نصل نحن إلى الله وقد صارت قلوبنا أكثر إيمانًا واتّساعًا، وأكثر قدرةً على القول:
يا ربّ، إن لم أفهم توقيتك، فأنا أثق بقلبك.
الخوري شربل الشمالي
الأبرشية البطريركية المارونية - منطقة جونيه