كتّاب المحبّة
الأحد الأول بعد الصليب: " العظمة كخدمة، القوة كنعمة، والمجد كطريق صليب"
تضعنا كلمة الله اليوم أمام سؤال بسيط وعميق في آن: ماذا يعني أن يكون الإنسان عظيماً؟
نحن نعيش في عالم يربط العظمة بالمركز، والسلطة بالنفوذ، والنجاح بما نملك وبعدد الذين يعرفوننا ويقدّروننا. حتى في حياتنا العائلية والكنسية، يمكن أن نتسلل أحيانًا إلى منطق المنافسة: من هو الأول؟ من صاحب الكلمة الأخيرة؟ من يستحق التقدير؟ من يجلس في المكان الأفضل؟
لكن يسوع يقلب هذا المنطق كله عندما يقول:
"من أراد أن يصير عظيماً فيكم فليكن لكم خادماً، ومن أراد أن يكون أولاً فيكم فليكن عبداً للجميع".
وفي الأحد الأول بعد الصليب، تأتي هذه الكلمة في مكانها: فالمسيح لا يدخل إلى مجده إلا عبر الصليب، ولا يكشف ملكه إلا من خلال الخدمة، ولا يعلن قوته إلا في بذل الذات.
-أولاً: العظمة ليست أن نكون فوق الآخرين، بل أن نكون بينهم ولأجلهم.
في سفر تثنية الاشتراع، عندما يتحدث الله عن الملك، لا يسمح له أن يرفع قلبه «فوق إخوته». فالملك، مهما كانت سلطته، يبقى أخًا بين إخوته، وتبقى كلمة الله فوقه.
يا لها من صورة إنجيلية!
فالإنسان الذي يحمل مسؤولية، في العائلة أو في الكنيسة أو في المجتمع، لا يصبح أكبر من الآخرين بسبب موقعه. بالعكس، كلما ارتفعت المسؤولية، وجب أن يزداد التواضع.
السلطة في منطق الإنجيل ليست امتيازًا، بل مسؤولية. والموقع ليس منصة نرتفع عليها، بل مكان ننحني منه لخدمة الآخرين.
ولهذا قال القديس يوحنا بولس الثاني، في بداية خدمته البطرسية، طالبًا من المسيح أن يجعله «خادمًا»، بل «خادم خدام الله». وكان يؤكد أن قوة المسيح ليست قوة تفرض نفسها بالعنف، بل قوة تعبّر عن نفسها بالمحبة والحق.
وهنا يمكن أن نسأل أنفسنا: في بيتنا، هل نستخدم موقعنا لنفرض رأينا أم لنخدم؟
في كنيستنا، هل نبحث عن المسؤولية لنخدم أم لنُعرف؟
في علاقاتنا، هل نريد أن يسمعنا الآخرون أم نحن مستعدون لأن نسمعهم؟
قد نملك سلطة، ولكن السؤال الأهم هو: ماذا نفعل بهذه السلطة؟
يسوع لا يطلب منا أن نتخلى عن المسؤولية، بل أن نطهّرها من الكبرياء. لا يطلب أن نصبح ضعفاء، بل أن تصبح قوتنا في خدمة المحبة. فالملك الحقيقي هو الذي يبقى أخًا. والأب الحقيقي هو الذي يخدم عائلته.
والكاهن الحقيقي هو الذي يبذل ذاته من أجل شعبه.
والمسؤول الحقيقي هو الذي لا يجعل الآخرين يدورون حوله، بل يجعل نفسه في خدمة الآخرين.
-ثانياً: «استمد قوتك من النعمة» — لا نستطيع أن نخدم بقوتنا وحدها.
يقول القديس بولس لتلميذه تيموثاوس:
"استمد قوتك من النعمة التي في المسيح يسوع".
إنها كلمة مهمة جدًا لكل واحد منا. فأحيانًا نريد أن نكون أقوياء وحدنا. نتحمل، ونعمل، ونخدم، ونحاول أن ننجح، ثم نكتشف أننا تعبنا من الداخل. لأننا اعتمدنا على قوتنا أكثر مما اعتمدنا على نعمة الله. بولس لا يقول لتيموثاوس: «كن قويًا بذاتك»، بل: استمد قوتك من النعمة. ثم يشبّه الحياة المسيحية بالجندي والرياضي والفلاح: الجندي يحتاج إلى الأمانة، والرياضي إلى الانضباط، والفلاح إلى الصبر. وهكذا هي حياتنا الروحية أيضًا. نحتاج إلى شجاعة الجندي عندما تصبح الأمانة صعبة. ونحتاج إلى انضباط الرياضي عندما نحارب أنانيتنا وكبرياءنا. ونحتاج إلى صبر الفلاح عندما لا نرى ثمار تعبنا بسرعة. لكن فوق كل ذلك، نحتاج إلى أن نتذكر يسوع المسيح القائم من بين الأموات.
وهذا ما يجعلنا نفهم معنى الصليب بطريقة مختلفة: الصليب ليس نهاية الطريق، بل طريق العبور إلى القيامة.
قد نتعب في خدمتنا. قد لا يشكرنا أحد. قد نعطي ونشعر أن عطاؤنا لم يُقدّر. قد نصلي وننتظر طويلاً قبل أن نرى الثمر. لكن بولس يقول: « كلمة الله ليست موثقة».
قد يُوثق الرسول، لكن الكلمة لا تُوثق. قد يضعف الإنسان، لكن نعمة الله لا تضعف.قد تنكسر خططنا، لكن قصد الله لا ينكسر.
وهنا نتذكر شهادة القديس كارلو أكوتيس، الذي عاش إيمانه ببساطة وسط عالم معاصر، وجعل الإفخارستيا مركز حياته، حتى قال عبارته الشهيرة: «الإفخارستيا هي طريقي السريع إلى السماء».
لم يكن كارلو يبحث عن عظمة أمام الناس. كانت عظمته في علاقة بسيطة وعميقة مع المسيح، وفي محبته للآخرين وفي أعمال الخير الصغيرة التي كان يقوم بها. وهذا يعطينا درسًا مهمًا: القداسة ليست دائمًا في الأعمال الكبيرة؛ أحيانًا تكون في أن نعيش الأشياء الصغيرة بمحبة كبيرة.
-ثالثاً: «أتستطيعان أن تشربا الكأس؟» — المجد الذي يريده المسيح يمرّ بالصليب.
في الإنجيل، يأتي يعقوب ويوحنا إلى يسوع ويطلبان مكانًا مميزًا: " أعطنا أن نجلس، واحد عن يمينك والآخر عن يسارك، في مجدك".
إنهما يريدان المجد، لكنهما لم يفهما بعد طريق المجد. يريدان العرش، ويسوع يتحدث عن الكأس.
يريدان المكان الأول، ويسوع يتحدث عن الخدمة.
يريدان أن يكونا فوق الآخرين، ويسوع يقول:
"أما أنتم فلا يكون فيكم هكذا"
ثم يكشف لهم سر حياته كله: " لأن ابن الإنسان لم يأتِ ليُخدم، بل ليَخدم ويبذل نفسه فداءً عن كثيرين".
هذه هي هوية المسيح. إنه الملك، لكنه يغسل الأرجل.
إنه الرب، لكنه يحمل الصليب. إنه السيد، لكنه يصبح خادمًا. إنه القدوس، لكنه يقترب من الخاطئ.
إنه القائم من الموت، لكنه يمر أولاً في ظلمة القبر.
ولهذا لا نستطيع أن نفصل الصليب عن القيامة. وهذا قريب جدًا من قلب روحانيتنا المارونية: المسيح الذي نعبده هو المسيح المصلوب والقائم، والعبور إلى المجد يمر بسرّ الفصح.
ومن أجمل الشهادات المعاصرة ما قاله القديس يوحنا بولس الثاني عن الصليب: إن الحب الحقيقي يتطلب التضحية، وإن صليب المسيح هو طريق الحياة والفرح والسلام.
وهنا نفهم أن الخدمة المسيحية ليست إذلالًا للإنسان، وليست قبولًا بالظلم أو إلغاءً للذات. الخدمة المسيحية هي أن أجعل حياتي عطية حب.
الأم التي تتعب من أجل أولادها تخدم. الأب الذي يحمل همّ عائلته يخدم. الابن الذي يعتني بوالديه يخدم.
الكاهن الذي يبذل وقته وقلبه من أجل رعيته يخدم.
المؤمن الذي يغفر ويصالح ويزور مريضًا ويقف إلى جانب المتألم يخدم.
وهنا نفهم أيضًا روح القديسة تريزا ليسوع الطفل: طريق القداسة يمكن أن يكون طريق الأشياء الصغيرة التي تُفعل بمحبة كبيرة؛ كلمة طيبة، ابتسامة، مساعدة بسيطة، احتمال، غفران، وصلاة من أجل الآخر. وقد أشار البابا فرنسيس إلى «طريقها الصغير» بوصفه ممارسة للحب في التفاصيل اليومية.
إذن، ليست المسألة أن نفعل أشياء عظيمة لكي نصبح عظماء؛ بل أن نحب في الأشياء التي بين أيدينا، وأن نخدم الأشخاص الذين وضعهم الله في طريقنا.
- أيّ عظمة نريد؟
اليوم لا يسألنا يسوع: كم حققت؟ كم ملكت؟ كم شخصًا يعرفك؟ كم سلطة لديك؟
بل يسألنا سؤالًا أعمق: كم أحببت؟ كم خدمت؟
كم غفرت؟ كم بذلت من ذاتك؟
ربما نحن جميعًا نحمل شيئًا من يعقوب ويوحنا: نريد أن نكون مقدَّرين، محبوبين، معروفين، وأن يكون لنا مكان. لكن المسيح لا يرفض رغبتنا في العظمة؛ إنما يطهّرها ويحوّل اتجاهها.
لا تطلب أن تكون الأول فوق الآخرين، بل الأول في المحبة. لا تطلب أن تكون صاحب السلطة، بل صاحب القلب الخادم. لا تطلب المجد من دون الصليب، بل سر في طريق المسيح حتى النهاية.
ولنتذكر اليوم ثلاث كلمات:
أولاً: لا ترفع قلبك فوق أخيك.
أنت مسؤول، لكنك أخ. أنت خادم، قبل أن تكون صاحب سلطة.
ثانيًا: استمد قوتك من النعمة.
عندما تتعب، لا تعتمد على نفسك وحدك. عُد إلى المسيح.
ثالثًا: لا تخف من طريق الصليب.
فالصليب الذي نحمله مع المسيح لا يقود إلى الموت، بل إلى القيامة.
فلنطلب من الرب أن يحوّل طموحنا إلى رسالة، وسلطتنا إلى خدمة، وتعبنا إلى أمانة، وآلامنا إلى شركة مع المسيح. ولنطلب منه نعمة أن نعيش ما قاله القديس بولس: « لست أنا الحي، بل المسيح حيّ فيّ». وحينها، لن تكون عظمتنا في أن يقول الناس عنا: «كم هو عظيم!»، بل في أن يروا في حياتنا شيئًا من المسيح.
فالأول في منطق الإنجيل هو من يحب أكثر.
والعظيم هو من يخدم أكثر.
والملك الحقيقي هو المسيح، الذي من على الصليب كشف لنا أن مجد الله هو محبة تبذل ذاتها حتى النهاية.
الخوري جوني التنوري
من الأبرشية البطريركية منطقة جونيه