كتّاب المحبّة
العقل والإيمان في خدمة الحقيقة والانسان – الجزء1
يمتلك الإنسان المعاصر قدرات علمية وتكنولوجية تعزز فيه معرفة وقدرة مبالغ بهما، مما يجعل الانسان مكتفياً لذاته وبذاته. يحاول الإنسان المعاصر أن يصنع ذاته بذاته. إنه مبدأ ذاته ولا يؤمن بمبدأ لذاته خارج ذاته.
تؤمن الكنيسة الكاثوليكية ان بين الإيمان والعِلم الأصيل لا يمكن اي يكون اي خلاف، لأن كليهما، وإن كان في طرق مختلفة، يمتدان نحو الحقيقة.
فالايمان المسيحي ليس مرتبطاً، كما يُصوًر عند الكثيرين، بالجهل والتخلّف،بل هو إيمان يستعمل العقل والفلسفة لكي يصبح مفهوماً ولكي يتكلم عن الله الذي هو سرّ(mystère ) والذي بدوره ليس ضد العقل بل هو فيضٌ من المعنى والمفزى والحقيقة. فالايمان المسيحي عقلاني ويثق بالعقل البشري. وكل حقيقة، أكانت دينية ام علمية، نابعة من الله، من الحقيقة الكبرى. فالعقل مقدّر في الكنيسة الكاثوليكية، حقّ قدره، لا فوق قدره. فكل ما يصل إليه العقل يمكن أن يكون صحيحاً، لكنه لا يكتسب ملء معناه إلا إذا وُضع في رؤية أوسع، وهي رؤية الإيمان.
لذلك لا يرفض الإيمان العقلَ البشري، بل يدعوه إلى الانفتاح على الله، لأن الإيمان لا يُحجّم العقل، بل يفتح أمامه أبواب المطلق. الإيمان بالله هو أيضًا إيمان بقوة العقل البشري الخلّاقة وبعقلانية الانجازات البشرية. لكن العقل العلمي الذي يحدّ نفسه في نتائج المختبرات والبراهين، لا يقبل إلا حقيقة التكنولوجيا وينظر بشكّ إلى الحقيقة الكبرى التي تشرح وتضيء مجمل حياة الإنسان الشخصية والاجتماعية، مع العلم ان العقل العلمي لا يخلق حقيقة، بل يكتشف حقيقة وضعها الله في خليقته. فالتأمل بأعينٍ متيقّظة يقود الإنسان إلى اكتشاف الله الذي يخبر عنه جمال وتناسق الخلبقة( راجع روم ١ / ١٩ - ٢٠).
لا تنحصر قدرة العقل في المعرفة الحسية، بل تستطيع الوصول إلى معرفة الينبوع التي تصدر عنه الأشياء والخلائق، لأن هناك حقيقة أعلى من المحسوس والمنظور.
الخوري الدكتور ميلاد عبود
دكتوراه فـي اللاهـــوت العقائدي وفي الفلسفة الإسلامية