كتّاب المحبّة

بادري بيو... حين يصبح الجرح نافذة على الله

بادري بيو... حين يصبح الجرح نافذة على الله

يقف الراهب أمام المذبح في كنيسة صغيرة، وقد انحنى جسده كأن ثقل العالم استقرّ للحظة على كتفيه. الصباح لم يكتمل بعد، والوجوه من خلفه تترقّب في صمت، فيما ترتفع يداه المجروحتان فوق الخبز والكأس. لا شيء في المشهد يوحي بالعظمة كما يتخيّلها العالم: راهب بثوب بسيط، مذبح، شموع وقليل من الخبز والخمر. ومع ذلك، بالنسبة إلى بادري بيو، كان الكون كلّه يجتمع في تلك اللحظة على رقعة صغيرة من المذبح: الله والإنسان، الجرح والرجاء، الموت والحياة، الأرض التي تتألّم والسماء التي تنحني نحوها.


من هذا المشهد يمكن الدخول إلى عالمه، لا من باب العجائب التي ارتبطت باسمه، بل من سؤال عاشه بجسده وروحه: ماذا يحدث للإنسان عندما يضع ضعفه كلّه بين يدي الله؟

كان جواب بادري بيو حياته نفسها: يصبح صلاة. فالصلاة عنده لم تكن واجباً يُضاف إلى ساعات النهار، بل طريقة وجود. يقول: "في الكتب نبحث عن الله، وفي الصلاة نجده". وبين البحث واللقاء تمتدّ مسافة الحياة الروحية كلها. يستطيع الإنسان أن يعرف الكثير عن الله، وأن يقرأ اللاهوت ويحفظ النصوص، ويبقى واقفاً أمام باب السرّ، لأن الله، في النهاية، ليس فكرة تُفهم فحسب، بل حضور يُعاش.


*حين لا يعود الألم بلا معنى

يصف بادري بيو الصلاة بأنها "ذوبان قلبنا في قلب الله". وهي صورة تختصر جوهر روحانيته: الصلاة لا تغيّر الظروف دائماً، لكنها تغيّر الإنسان الذي يواجهها. لا ترفع الصليب بالضرورة، لكنها قد تمنع الصليب من أن يتحوّل إلى يأس.

من هنا تصبح علاقته بالألم أكثر وضوحاً. فالسؤال ليس "لماذا أتألّم؟" فقط، بل "ماذا سأصنع بألمي؟". قد يغلق الجرح الإنسان على ذاته، وقد يجعله أكثر قدرة على رؤية جراح الآخرين. المسيحية عند بادري بيو لا تمجّد الوجع، بل ترفض أن تمنحه الكلمة الأخيرة.

وكان يقول إن لكل إنسان صليبه، ويبقى عليه ألا يكون "لص الشمال بل بالحري لص اليمين". كلا اللصين كان مصلوباً إلى جانب المسيح، لكن الألم لم يصنع فيهما النتيجة نفسها. كأن الحرية البشرية تبقى حاضرة حتى فوق الصليب: قد لا نختار ما يصيبنا، لكننا نستطيع أن نختار كيف نعبر ما أصابنا.

وهذا يفسّر أيضاً نظرته إلى الجفاف الروحي. فحين لا يعود الإنسان "يشعر" بالله ويختار مع ذلك أن يصلّي ويحب، تصبح المحبة أقل ارتباطاً بالتعزية وأكثر اقتراباً من المجانية. لذلك رأى أن فعل حب واحداً في زمن الجفاف قد يساوي أكثر من أفعال كثيرة في زمن التعزية.


*مريم... النجمة التي لا تحتفظ بالنور

في قلب هذه الروحانية حضرت مريم بقوة. أحب بادري بيو الوردية ورأى في العذراء "النجمة التي تنير دربنا وتدلّنا على الطريق الأكيد للذهاب إلى الآب السماوي". ليست مريم هنا محطة تنتهي عندها الرحلة، بل نجمة تشير إلى المسيح؛ لا تحتفظ بالنور لنفسها، بل تقود إليه.

وتكشف هذه الصورة عمق الأمومة في الإيمان: حضور لا يملك دائماً تفسيراً للألم، لكنه لا يهرب منه. هكذا وقفت مريم تحت الصليب. لم توقف المسامير ولم تمنع الموت، بل بقيت. وأحياناً يكون البقاء إلى جانب المتألّم أبلغ من محاولة تفسير ألمه.

ولعل عبارة بادري بيو "عندما تمر أمام أيقونة العذراء مريم... بلّغي من قبلي سلامي ليسوع" تكشف بساطة علاقته بها. خلف التصوف والصلوات الطويلة، يظهر إيمان يحتفظ ببراءة الابن الذي يكلّم أمّاً ويطلب منها أن تحمل سلامه إلى ابنها.


*المذبح... حيث يلامس الزمن الأبدية

إذا كانت مريم حاضرة في قلب بادري بيو، فإن الإفخارستيا كانت في مركز حياته. القداس لم يكن طقساً بين طقوس، بل اللحظة التي يلتقي فيها الزمن بالأبدية. لذلك قال: "من السهل على الأرض الوجود دون وجود الشمس عن أن توجد من دون ذبيحة القداس المقدسة".

تكشف العبارة، خلف مبالغتها الشعرية، رؤيته اللاهوتية: كما تحتاج الأرض إلى الشمس لكي تحيا، تحتاج الروح إلى حياة لا تستطيع أن تمنحها لنفسها. وفي الإفخارستيا رأى منطق المسيحية كله: إلهاً يعطي ذاته.

وهنا ينقلب أيضاً مفهوم القوة. في منطق العالم، القوة قدرة على الأخذ والامتلاك؛ أما أمام المذبح، فتصبح قدرة على العطاء. والذي يتناول جسد المسيح يُدعى بدوره إلى أن يصير خبزاً للآخرين، فيُكسَر جزء من أنانيته، ويسقط بعض كبريائه، ويصبح وجوده أكثر قابلية للحب.


*ما الذي بقي من بادري بيو؟

لم تكن روحانية بادري بيو، على الرغم من الجراح والصليب، دعوة إلى الحزن. كان يقول: "صلّوا، لكن لا تصلّوا بحزن... إن إلهنا إله فرح". عاش سنوات طويلة بين ألم حمله في جسده، وساعات أمضاها أمام المذبح، ومسبحة رافقته، ووجوه قصدته محمّلة بخطاياها وأسئلتها. لم يكن يستطيع أن يزيل عن الناس صلبانهم، لكنه حاول أن يدلّهم على طريقة أخرى لحملها.

وحين انتهت حياته، انتهى ألم الجسد. بقي الثوب البسيط، والمذبح، والمسبحة، والكلمات. أما الجراح التي أثارت دهشة الناس، فلم تكن أهم ما في حكايته. الأهم كان ما صنعه بها: لم يحوّلها إلى جدار بينه وبين الحياة، بل إلى نافذة على الله.

وربما لهذا تختصره عبارته: "إن المحبة هي المقياس الذي على أساسه سيحاسب الرب الجميع". فالقداسة، كما تبدو من حياته، ليست أن يخرج الإنسان من العالم بلا جراح، بل ألّا يسمح لجراحه بأن تنتزع منه قدرته على الحب.

هكذا تبدو حياة بادري بيو بعد كل هذه السنوات: راهب دخل الدير باحثاً عن الله، وقضى عمره يبحث عنه بين الصلاة والمذبح ووجوه المتألّمين. وعندما انتهى الطريق، لم يأخذ معه جراحه ولا شهرته ولا ما نُسب إليه من عجائب. أخذ معه ما أحبّ.

وربما لهذا بقيت صورته: راهباً بيدين مجروحتين ومسبحة، يشير من قلب الألم إلى ما يتجاوزه، كأنه ترك، بين الأرض والسماء، نافذة مفتوحة.


الإعلامي روي أبو زيد


عودة إلى المقالات

إخترنا لكم