كتّاب المحبّة

الاحد الثاني بعد الصليب: "الذي يصبر إلى النهاية فهذا يخلص".

الاحد الثاني بعد الصليب: "الذي يصبر إلى النهاية فهذا يخلص".

تضعنا كلمة الله اليوم أمام عالمٍ مضطرب: أرضٌ ترتجف، حروبٌ وتجارب، محنٌ واضطهادات، ومحبّةٌ قد تبرد في القلوب. لكن الإنجيل لا يريد أن يقودنا إلى الخوف، بل إلى الرجاء. فالمسيحي لا يعيش أسير ما يحدث في العالم، بل ثابتًا في الذي انتصر على العالم. وبين نداء يوئيل: «ارجعوا إليّ بكل قلوبكم»، وإعلان بولس: «المسيح قد قام»، وكلمة يسوع: «الذي يصبر إلى النهاية فهذا يخلص»، يرسم لنا الرب طريقًا واحدًا: التوبة، والرجاء، والأمانة.


-أولًا: "ارجعوا إليّ بكل قلوبكم".

لا يبدأ الله بإصلاح العالم من حولنا، بل بإصلاح القلب في داخلنا. لذلك يقول يوئيل: «مزّقوا قلوبكم لا ثيابكم». فالتوبة المسيحية ليست مظهرًا دينيًا، ولا مجرد ندم على الماضي، بل عودة القلب إلى الله.

يقول القديس إسحق السرياني إن القلب الذي يختبر رحمة الله يتعلّم بدوره أن يكون رحيمًا. لذلك لا تقودنا التوبة إلى اليأس، بل إلى حضن الآب. والصوم ليس فقط أن نحرم أنفسنا من شيء، بل أن نحرر القلب مما يستعبده، لكي يصبح أكثر قدرة على الصلاة والمحبة والغفران.

ويقول القديس يوحنا ماري فيانيه الخوري آرس: «التوبة هي عودة القلب إلى الله». ولعل هذا هو السؤال الذي ينبغي أن نحمله اليوم: هل ما زال قلبي لله؟ أم أنني أعيش من الخارج حياةً مسيحية، بينما ابتعد قلبي عن الرب؟

فالكنيسة لا تدعونا اليوم إلى الخوف من نهاية العالم، بل إلى بداية جديدة مع الله.


-ثانيًا: "المسيح قد قام".

في وسط كل اضطراب، يضع القديس بولس أمامنا الحقيقة التي لا تتزعزع: «إن المسيح قد قام من بين الأموات، باكورة الراقدين». القيامة ليست تفصيلًا في إيماننا، بل هي أساس الرجاء المسيحي كله.

إن كان المسيح قد قام، فالموت ليس الكلمة الأخيرة، والفشل ليس الكلمة الأخيرة، والألم ليس الكلمة الأخيرة، وحتى الخطيئة ليست الكلمة الأخيرة. لذلك يقول بولس: "وآخر عدو يُبطل هو الموت".

لقد فهم القديس فرنسيس الأسيزي هذا السر عندما جعل حياته كلها انتقالًا من الخوف إلى الرجاء، ومن التملك إلى العطاء، ومن الذات إلى المسيح. والقديس يوحنا بولس الثاني كان يردد أمام عالم خائف: «لا تخافوا!» لأن الإنسان الذي يضع ثقته بالمسيح لا يعيش أسير المستقبل.

نحن لا نعرف ماذا يحمل الغد، لكننا نعرف مَن يحمل الغد.

وهذه هي قوة إيماننا: المسيح حيّ، ولذلك نستطيع أن نرجو.


-ثالثًا: "الذي يصبر إلى النهاية فهذا يخلص".

يقول الرب: «وتفتر محبة الكثيرين». وربما هذا هو أخطر ما في أزمنة الأزمات: ليس فقط أن يكثر الشر، بل أن يبرد القلب أمام الشر.

لذلك لا يطلب منا يسوع أن نعرف متى تأتي النهاية، بل أن نبقى أمناء حتى النهاية. أن تبقى العائلة عائلة، والكاهن أمينًا لدعوته، والشاب ثابتًا في إيمانه، والمسيحي شاهدًا للمحبة، والكنيسة حاضرة إلى جانب الإنسان المتألم.


وفي هذا السياق، تأتي زيارة البابا لاون الرابع عشر إلى فرنسا هذه الأيام كنداء روحي يتجاوز المناسبة نفسها. فانتقاله من نوتردام إلى اليونسكو، ولقاؤه بالشباب والمجتمع، يذكّرنا بأن الكنيسة لا تنغلق على نفسها، بل تحمل إلى قلب العالم سؤال الإنسان عن الحقيقة والسلام والكرامة والمعنى.

ولعل فرنسا وأوروبا مدعوتان، كما نحن أيضًا، إلى ألا تنسيا جذورهما. فالعودة إلى الجذور المسيحية لا تعني العودة إلى الماضي، بل استعادة ما يمنح الحاضر معنى: كرامة الإنسان، وحرية الضمير، والتضامن، وخدمة الضعيف، وقداسة الحياة، والسلام، والرجاء.

أوروبا تستطيع أن تتقدم في العلم، والثقافة، والتكنولوجيا، والاقتصاد؛ لكن التقدم يحتاج إلى بوصلة، والحرية تحتاج إلى مسؤولية، والقوة تحتاج إلى أخلاق. والجذور المسيحية التي تشكلت فيها أجيال كثيرة لا ينبغي أن تتحول إلى مجرد ذاكرة تاريخية، بل إلى دعوة متجددة للإنسان لكي يتذكر من هو، ومن أين أتى، وإلى أين يسير.

ونحن أيضًا، في الشرق وفي لبنان، مدعوون إلى هذه الأمانة: أمانة معموديتنا، أمانة لإنجيلنا، أمانة للمسيح الذي مات وقام من أجلنا.

فليكن نداء يوئيل لنا: "ارجعوا إليّ بكل قلوبكم".

وليكن إيمان بولس فينا: "المسيح قد قام".

وليكن وعد يسوع أمام أعيننا: "الذي يصبر إلى النهاية فهذا يخلص".

لا نعرف ماذا سيأتي، لكننا نعرف مَن يأتي.

والذي يأتي هو المسيح، الذي كان معنا، وهو معنا، وسيبقى معنا إلى الأبد.

فلتكن قلوبنا مستعدة، وإيماننا ثابتًا، ومحبتنا حيّة، وعندما يأتي الرب يجدنا ساهرين، أمناء، وقلوبنا متقدة بنور القيامة.

يا مريم، يا أمّ الرجاء، التي بقيت أمينة عند الصليب، علّمينا أن نبقى أمناء للمسيح في زمن الصليب، وأن نحمل في قلوبنا منذ الآن فرح القيامة. آمين.


الخوري جوني التنوري

من الأبرشية البطريركية منطقة جونيه


عودة إلى المقالات

إخترنا لكم