كتّاب المحبّة

الحكمة التي تخلق، والصليب الذي يخلّص، والروح الذي يجعل من القلب مسكنًا لله

الحكمة التي تخلق، والصليب الذي يخلّص، والروح الذي يجعل من القلب مسكنًا لله


تأخذنا كلمة الله في هذا الأحد إلى رحلة روحية تبدأ من أزلية الله، وتعبر من خلال سرّ الصليب، لتصل بنا إلى أعماق قلب الإنسان، حيث يريد الله أن يقيم ويسكن.

إنها رحلة من حكمة الله إلى محبته، ومن محبته إلى حضوره فينا.

ففي سفر الأمثال نلتقي بالحكمة التي كانت لدى الله قبل إنشاء العالم، وفي رسالة القديس بولس نكتشف أن هذه الحكمة تجلّت في يسوع المسيح المصلوب، أمّا في الإنجيل فيكشف لنا الربّ عن غاية عمله الخلاصي: أن يأتي الآب والابن، بالروح القدس، ويجعلا من قلب الإنسان مسكنًا لهما.

وهنا تكمن روعة الحياة المسيحية: لسنا أمام إله نبحث عنه في البعيد، بل أمام إله يقترب منا، ويطلب أن يحوّل حياتنا إلى هيكل لحضوره، وقلوبنا إلى موضع لسلامه.

فلنتأمل في هذه الكلمة من خلال ثلاثة أبعاد مترابطة: حكمة الله التي أسّست الخليقة، ومحبة المسيح التي تجلّت في الصليب، وسكنى الثالوث القدوس في قلب المؤمن.


-أولًا: المسيح، حكمة الآب التي تفرح بالخليقة.

يبدأ سفر الأمثال بإعلان مدهش: «الربّ خلقني أولَ طرقه، قبل أعماله منذ البدء» (أم 8: 22).

إنها صورة الحكمة التي كانت لدى الله قبل أن تتأسس الأرض، وقبل أن تُرسم حدود البحار، وقبل أن تشرق الشمس. وفي ضوء العهد الجديد، ترى الكنيسة في هذه الحكمة إشراقة سرّ الكلمة الأزلي، يسوع المسيح، الذي به كان كل شيء، ومن دونه لم يكن شيء مما كان.

فالمسيح ليس طارئًا على تاريخ البشرية، ولا مجرّد معلّم ظهر في زمن محدّد، بل هو كلمة الآب الأزلي، الذي به خُلقت الخليقة، وفيه تجد معناها وغايتها.

يقول القديس بولس: «فإنه فيه خُلِق كل شيء، ما في السماوات وما على الأرض، ما يُرى وما لا يُرى» (كو 1: 16).

ومن هنا نفهم أن الخليقة ليست صدفة بلا معنى، وأن الإنسان ليس كائنًا متروكًا لمصيره، بل هو ثمرة محبة إلهية، مدعوّ إلى الشركة مع خالقه.

والجميل في نصّ الأمثال أنه لا يكتفي بالكلام عن الحكمة، بل يكشف لنا عن علاقة فرح ومحبة: «كنتُ كلَّ يومٍ لذّته، أبتهج أمامه في كل حين» (أم 8: 30).

قبل أن يوجد العالم، كانت المحبة. وقبل أن يوجد الإنسان، كانت شركة الآب والابن والروح القدس. فالله في جوهره ليس وحدة منغلقة، بل شركة محبة أزلية.

وهذا ما يجعلنا ننظر إلى الخليقة بعين مختلفة: إلى الطبيعة لا كشيء نستهلكه، بل كعطية؛ وإلى الإنسان لا كخصم أو منافس، بل كأخ؛ وإلى الحياة لا كعبء، بل كدعوة إلى الفرح والشكر.

ويعبّر القديس أفرام السرياني عن هذا البعد التأملي في نظرته إلى الخليقة، إذ يرى فيها كتابًا مفتوحًا تتكلّم صفحاته عن الخالق، وتلتقي فيه رموز الطبيعة بأسرار الخلاص.

كم نحتاج اليوم إلى استعادة هذه النظرة! ففي عالم يكثر فيه القلق والتعب والتنافس، ننسى أحيانًا أن الله لم يخلقنا للخوف، بل للمحبة؛ ولم يرد لنا أن نعيش أسرى اليأس، بل أن نكتشف حضوره في تفاصيل حياتنا.

إن المسيح، حكمة الآب، هو الذي يعطي لحياتنا اتجاهًا، ولألمنا معنى، ولرجائنا أساسًا.


-ثانيًا: حكمة الصليب، حيث تتحوّل الهزيمة إلى انتصار.

ينقلنا القديس بولس من حكمة الخليقة إلى حكمة الخلاص، فيقول: «لم أرد أن أعرف بينكم شيئًا إلا يسوع المسيح، وإيّاه مصلوبًا» (1 كور 2: 2).

يا للمفارقة! إن الحكمة التي بها خُلق العالم، اختارت أن تعلن ذاتها على خشبة الصليب!

العالم يقيس النجاح بالقوة، والسلطة، والمجد، والقدرة على الانتصار على الآخرين. أمّا الله فيكشف لنا أن أعظم انتصار هو أن نحبّ حتى النهاية، وأن نبذل الذات دون أن نفقد المحبة، وأن نغفر حتى لمن يجرحنا.

الصليب، في نظر العالم، علامة ضعف ونهاية. أمّا في الإيمان، فهو عرش المحبة التي لم تستسلم أمام الخطيئة، ولا أمام الظلم، ولا أمام الموت.

وهنا نفهم قول القديس بولس: «إن ما يبدو من حماقة الله أحكم من حكمة الناس، وما يبدو من ضعف الله أقوى من قوة الناس» (1 كور 1: 25).

إن الله لا يخلّص الإنسان باستعراض القوة، بل بتواضع المحبة. لم ينزل المسيح عن الصليب ليثبت قدرته، بل بقي عليه ليكشف إلى أي حدّ أحبّنا.

ويقول القديس يوحنا الذهبي الفم، في تأمله في الصليب، إن الربّ غلب الشيطان بالسلاح نفسه الذي استُعمل لإسقاط الإنسان؛ فبالخشبة التي دخل منها الموت، صارت خشبة الصليب باب الحياة.

وهذه هي الحكمة التي لا يستطيع العقل البشري أن يبلغها وحده، بل يكشفها الروح القدس للقلب المنفتح.

لذلك يقول بولس: «فالله أعلنه لنا بالروح، لأن الروح يفحص كل شيء، حتى أعماق الله» (1 كور 2: 10).

أيها الأحباء، إن حكمة الصليب ليست فكرة نؤمن بها فحسب، بل أسلوب حياة نتعلّمه من المسيح.

حين نختار المصالحة بدل الخصام، نعيش حكمة الصليب.

حين نخدم دون انتظار مقابل، نعيش حكمة الصليب.

حين نرفض أن نردّ الإساءة بالإساءة، ونحفظ كرامة الآخر رغم اختلافنا معه، نعيش حكمة الصليب.

وحين نمرّ في تجربة أو خسارة أو وجع، ولا نسمح لليأس بأن ينتصر فينا، نعلن إيماننا بأن الصليب ليس الكلمة الأخيرة، بل القيامة هي الكلمة الأخيرة.

لقد قال القديس أغسطينوس: «أحبّ، وافعل ما تشاء». وليس المقصود أن المحبة تلغي الحق أو الوصية، بل أن القلب الذي امتلأ بمحبة الله يتعلّم أن تكون أفعاله انعكاسًا لهذه المحبة.

فلنطلب إذًا ألا نكون مسيحيين يكتفون بالكلام عن الصليب، بل تلاميذ يحملونه بمحبة، ويشهدون في حياتهم أن قوة الله تظهر في الضعف، وأن الغفران أقوى من الحقد، وأن المحبة أقوى من الموت.


-ثالثًا: القلب مسكن الثالوث، والروح القدس ينبوع السلام.

يصل بنا إنجيل اليوم إلى ذروة الإعلان الإلهي، حين يقول يسوع:

«إن أحبّني أحد يحفظ كلامي، ويحبّه أبي، وإليه نأتي، وعنده نجعل منزلًا» (يو 14: 23).

إنها من أعمق الكلمات التي نطق بها الربّ. فالله الذي ملأ السماوات والأرض، يريد أن يجعل من قلب الإنسان مسكنًا له!

لم يعد حضور الله مرتبطًا بحجر أو مكان، بل صار الإنسان نفسه مدعوًا إلى أن يكون هيكلًا حيًا للثالوث القدوس.

لكن يسوع يربط هذه السكنى بالمحبة وحفظ الكلمة. فالإيمان ليس مجرد معرفة عقائدية، ولا الصلاة مجرد ترداد كلمات، ولا المحبة مجرد عاطفة عابرة. إنما هي علاقة حيّة تتحوّل إلى أمانة في الحياة اليومية.

أن أحبّ المسيح يعني أن أسمح لكلمته بأن تغيّر طريقة تفكيري، ونظرتي إلى الآخرين، وطريقة تعاملي مع عائلتي، ومع أبناء رعيتي، ومع كل إنسان ألتقي به.

ويقول القديس أوغسطينوس في اعترافاته، مخاطبًا الله: «كنتَ في داخلي، وأنا في الخارج، وهناك كنت أبحث عنك».

كم تشبه هذه الكلمات اختبار الإنسان الذي يفتّش عن السعادة في الخارج، بينما الله ينتظره في أعماق قلبه!

غير أن هذا القلب يحتاج دائمًا إلى التجديد. ولذلك يعدنا يسوع بالبارقليط، الروح القدس، الذي «يعلّمكم كل شيء ويذكّركم بكل ما قلته لكم» (يو 14: 26).

فالروح القدس ليس مجرّد عطية ترافق الكنيسة، بل هو الذي يجعل حياة المسيح حاضرة وفاعلة فينا. هو الذي ينير الضمير، ويقوّي الضعيف، ويعزّي المتألم، ويحوّل القلب القاسي إلى قلب قادر على الرحمة.

وفي الروحانية المارونية، نعيش هذا الحضور بصورة خاصة في الليتورجيا، حين تستدعي الكنيسة الروح القدس ليقدّس القرابين، ويجعل الخبز والخمر جسد المسيح ودمه، ويجمع المؤمنين في شركة جسده الواحد.

فالروح الذي يقدّس المذبح يريد أيضًا أن يقدّس حياتنا، والروح الذي يحوّل القرابين يريد أن يحوّل قلوبنا إلى ذبيحة محبة وتسليم.

ومن هنا نفهم وعد يسوع الأخير: «سلامًا أترك لكم، سلامي أعطيكم» (يو 14: 27).

إنه ليس سلامًا يعني غياب المشكلات، ولا حياة خالية من الصليب، بل سلام الإنسان الذي يعرف أن الله معه، حتى عندما لا يفهم كل ما يجري حوله.

إنه سلام من يسلّم خوفه إلى الله، ووجعه إلى رحمته، ومستقبله إلى عنايته.

ويقول القديس فرنسيس الأسيزي في صلاته المعروفة: «يا رب، اجعلني أداة سلامك».

وهذه الصلاة تلخّص ثمرة سكنى الله فينا: أن نكون نحن سلامًا حيث يوجد الخصام، ورجاءً حيث يسود اليأس، ونورًا حيث يشتد الظلام.


-خاتمة: مع مريم في صلاة الوردية، ومع مار فرنسيس في نشيد السلام.

في هذا الأحد، الذي نكرّس فيه صلاتنا للعذراء مريم في الوردية، نتأمل في تلك التي جعلت من حياتها مسكنًا لكلمة الله.

فمريم لم تحفظ الكلمة في ذاكرتها فقط، بل حملتها في قلبها، وتأملت فيها، وعاشت أمانتها حتى الصليب.

كانت بيتًا للحكمة المتأنسة، وهي التي قالت للملاك: «أنا أمة الرب، فليكن لي بحسب قولك» (لو 1: 38).

وفي عيد القديس فرنسيس الأسيزي، نتعلّم منه أن القداسة ليست امتلاك الكثير، بل أن نسمح لله بأن يمتلك قلبنا؛ وأن الفقر الحقيقي ليس نقص الممتلكات، بل التحرر من كل ما يمنعنا من محبة الله والإنسان.

لقد رأى فرنسيس في الخليقة أخًا وأختًا، وفي الفقير وجه المسيح، وفي الصليب طريق المحبة، وفي السلام رسالة يحملها المؤمن إلى العالم.

وهكذا تلتقي مريم ومار فرنسيس في دعوة واحدة: أن نجعل حياتنا إنجيلًا حيًا، وأن نسمح للمسيح بأن يولد فينا من جديد، لا بالكلام وحده، بل بالمحبة والتواضع والخدمة.

فلنرفع صلاتنا اليوم، طالبين أن تكون بيوتنا مسكنًا للسلام، وعائلاتنا مدارس للمحبة، ورعيتنا جماعة متحدة بالروح القدس، وقلوبنا مذبحًا حيًا لحضور الله.

صلاة 

أيها الآب القدوس، يا ينبوع الحكمة والمحبة،

نشكرك لأنك لم تتركنا وحدنا،

بل أرسلت ابنك الوحيد، حكمة العالم وخلاصه،

وجعلت بروحك القدوس من قلوبنا مسكنًا لحضورك.

يا رب يسوع، علّمنا حكمة الصليب،

لكي نحبّ دون حساب، ونغفر دون تردّد،

ونخدم دون انتظار مكافأة،

ونحمل آلامنا برجاء القيامة.

أيها الروح القدس، تعالَ وجدّد وجه الأرض،

واسكن في بيوتنا وعائلاتنا ورعيتنا،

وانزع من قلوبنا الخوف والانقسام والمرارة،

وامنحنا سلام المسيح الذي لا يستطيع العالم أن يعطيه.

ويا مريم العذراء، يا أم الحكمة،

يا من حفظتِ كلمة الله في قلبك،

رافقي خطواتنا في صلاة الوردية،

وعلّمينا أن نتأمل أسرار حياة ابنك،

وأن نحمل صليبه بأمانة،

ونشهد لقيامته في كل يوم من حياتنا.

ويا مار فرنسيس الأسيزي، يا رسول السلام والأخوة،

علّمنا أن نكون أدوات محبة ومصالحة،

وأن نرى وجه المسيح في كل إنسان،

وأن نسبّح الله في الخليقة،

ونخدم الفقراء والمتألمين بقلب متواضع.

أيها الرب، اجعل من قلوبنا مسكنًا لك، ومن حياتنا نشيدًا لمجدك، ومن رعيّتنا بيتًا للمحبة والسلام.

آمين.


الخوري جوني التنوري

من الأبرشية البطريركية منطقة جونيه


عودة إلى المقالات

إخترنا لكم