كتّاب المحبّة

في الأحد الخامس من زمن الصليب: "إسهروا إذًا، لأنّكم لا تعلمون اليوم ولا الساعة"

في الأحد الخامس من زمن الصليب: "إسهروا إذًا، لأنّكم لا تعلمون اليوم ولا الساعة"

أولًا: السهر هو قلب مستيقظ ينتظر العريس.

في إنجيل اليوم، يواصل يسوع دعوته لنا إلى عيش حياة السهر والاستعداد الفاعل. ويقدّم لنا مثل العذارى العشر اللواتي خرجن لاستقبال العريس، حاملات مصابيحهنّ. لكنّ العريس تأخّر، فنعسن جميعهنّ ونمن. وعندما دوّى النداء في منتصف الليل: «هوذا العريس! اخرجوا إلى لقائه!» قامت العذارى، لكنّ الحكيمات وحدهنّ كنّ مستعدّات للدخول إلى العرس.

العريس هو المسيح، والعرس هو ملكوت السماوات، والانتظار هو حياتنا المسيحية، أمّا مجيئه الثاني فلا نعرف يومه ولا ساعته. لذلك، لا يدعونا الربّ إلى انتظار خائف، بل إلى سهر مملوء بالإيمان والرجاء والمحبّة.

وفي العهد القديم، يأخذنا نشيد الأناشيد إلى عمق هذا الانتظار، حين تقول العروس: «أنا نائمة وقلبي مستيقظ. صوت حبيبي قارعًا» (نش 5: 2).

كم تعبّر هذه الكلمات عن حياتنا الروحية! قد يتعب الجسد، وقد تضعف النفس، لكنّ القلب الذي يحبّ يبقى متنبّهًا إلى صوت الحبيب. وفي النشيد، تتأخّر العروس في فتح الباب، وحين تقوم لتفتحه، يكون حبيبها قد انصرف، فتبدأ بالبحث عنه. أمّا الإنجيل فيدعونا إلى ألّا نؤجّل استجابتنا لصوت الربّ، لأنّ لحظة اللقاء لا نعرفها.

كم من مرّة يقرع المسيح بابنا من خلال كلمته، أو في الصلاة، أو عبر إنسان محتاج، أو في دعوة إلى المصالحة والغفران، فنقول: غدًا أصلّي، غدًا أتوب، غدًا أساعد، غدًا أعود إلى الله!

السهر ليس أن نعيش في ترقّب سلبيّ، بل أن نبقى مستعدّين للربّ في تفاصيل حياتنا. وهو ليس خوفًا من النهاية، بل شوقًا إلى اللقاء بمن نحبّ.

وكما يعلّمنا القديس يوحنا بولس الثاني، فإنّ الإنسان لا يجد ذاته حقًّا إلا من خلال بذل ذاته بالمحبّة. فالحياة المسيحية ليست انغلاقًا على الذات، بل خروج دائم نحو الله والإخوة.

فلنسأل أنفسنا: هل ما زال قلبي مستيقظًا لصوت الربّ؟ هل أفتح له عندما يقرع بابي، أم أؤجّل اللقاء حتى يفقد قلبي حساسيّته لحضوره؟


-ثانيًا: الزيت هو المحبّة التي تقدّس واجبات كلّ يوم.

ما الفرق بين العذارى الحكيمات والجاهلات؟ لم يكن الفرق أنّ بعضهنّ نمن وبعضهنّ لم ينمن، لأنّ الجميع نعسن ورقدن، بل إنّ الحكيمات أخذن الزيت مع مصابيحهنّ، أمّا الجاهلات فاكتفين بالمصابيح.

لقد أعطانا الله نور الإيمان، ونعمة المعمودية، وكلمته، والكنيسة، والأسرار المقدّسة، والإفخارستيا، وسرّ التوبة، ونعمة الروح القدس. لكنّه يدعونا إلى أن نتعاون مع نعمته، وأن نحوّل إيماننا إلى حياة، ومحبتنا له إلى أعمال ملموسة.

زيت المصابيح هو المحبّة التي نعيشها كلّ يوم، لا في المناسبات الاستثنائية فقط.

وهنا نفهم كلام القديس بولس في رسالته إلى أهل فيليبي: «أتمّوا خلاصكم بخوف ورعدة، لأنّ الله هو العامل فيكم أن تريدوا وأن تعملوا من أجل رضاه» (في 2: 12-13).

الله يعمل فينا، لكنّه لا يلغي حرّيتنا ومسؤوليّتنا. إنّه يمنحنا النعمة، ونحن مدعوّون إلى أن نستجيب لها في حياتنا اليومية.

لذلك، لا يكفي أن ننتظر مجيء المسيح في المستقبل، بل علينا أن نجعله حاضرًا في كلّ ما نفعله الآن: في عائلتنا، وفي عملنا، وفي مسؤولياتنا، وفي علاقاتنا، وفي خدمتنا للكنيسة والمجتمع. لا يوجد جزء من حياتنا غريب عن الله؛ فهو ينتظرنا في أفكارنا ومشاعرنا وقراراتنا، وفي الطريقة التي نتعامل بها مع كلّ إنسان.

لا نحتاج إلى انتظار مناسبة خاصّة لكي نحبّ، لأنّ المحبّة لا تعرف يومًا أو ساعة. فكلّ يوم يمنحنا فرصة جديدة لنغفر، ونساعد، ونصغي، ونصالح، ونخدم.

ويقول البابا بندكتس السادس عشر في رسالته العامة الله محبّة (Deus Caritas Est، 1)، إنّ بداية الحياة المسيحية ليست قرارًا أخلاقيًا أو فكرة عظيمة، بل لقاء مع حدث وشخص يمنحان الحياة أفقًا جديدًا واتّجاهًا حاسمًا. هذا اللقاء بالمسيح هو الذي يجعل المحبّة محور حياتنا.

ومن هنا نفهم أنّ الإيمان ليس مجرّد هويّة ورثناها، ولا ممارسة دينية نحصرها في أوقات محدّدة، بل علاقة حيّة بالمسيح تمتدّ إلى كلّ تفاصيل وجودنا.

لذلك يقول بولس إنّنا مدعوّون إلى أن نكون «أنقياء بلا لوم، وأبناء الله بلا عيب في جيل ضالّ وفاسد، تضيئون فيه كالكواكب في الكون» (في 2: 15).

إنّ العالم يحتاج إلى مسيحيين لا يكتفون بالكلام عن النور، بل يصيرون نورًا بأعمالهم؛ إلى مؤمنين لا يفصلون الصلاة عن الحياة، ولا العبادة عن الرحمة، ولا الإيمان عن العدالة، ولا محبّة الله عن محبّة الإنسان.

فلنسأل أنفسنا: أين هو الزيت في مصباحي؟ هل يظهر إيماني في أمانتي، وفي غفراني، وفي خدمتي، وفي محبّتي للفقراء والمحتاجين؟ وهل أفكّر وأعمل بروح المسيح، أم أترك إيماني محصورًا في زاوية من حياتي؟


-ثالثًا: الاستعداد للقاء الربّ هو أن نعيش كلّ حياتنا في المحبّة.

في نهاية المثل، تدخل العذارى المستعدّات إلى العرس ويُغلق الباب، بينما تسمع الأخريات جوابًا قاسيًا: «الحقّ أقول لكنّ: إنّي لا أعرفكنّ» (متى 25: 12).

لا تعني هذه الكلمات أنّ الله يجهل أسماءنا، بل تكشف خطورة أن نعيش من دون علاقة حقيقية به. يمكننا أن نعرف الكثير عن المسيح، وأن نحمل اسمه، وأن نمارس بعض الشعائر، من دون أن نسمح له بأن يغيّر قلوبنا وحياتنا.

في النهاية، لن يكون السؤال كم امتلكنا، أو كم جمعنا من نجاحات، أو كم تكلّمنا عن الإيمان، بل كيف أحببنا، وكيف عشنا النعمة التي أُعطيت لنا.

ومع ذلك، فالإنجيل لا يدعونا إلى الخوف واليأس، بل إلى اليقظة والتوبة والبدء من جديد. قد نتعب، وقد نسقط، وقد ننشغل بأمور العالم، لكنّ المهمّ ألّا نستسلم للغفلة، بل أن ننهض ونعود إلى الربّ، ونجدّد التزامنا بالمحبّة.

إنّ انتظار المسيح لا يعني أن نهرب من العالم، بل أن نحبّ هذا العالم بروح المسيح، وأن نعمل فيه من أجل الخير، لأنّ ملكوت الله يبدأ بالنموّ في القلوب التي تقبل مشيئته وتعمل بها.

ولهذا يدعونا القديس بولس إلى أن نتمسّك بكلمة الحياة، وأن نضيء كالكواكب في الكون. فالمسيحي المستعدّ للقاء الربّ هو الذي يجعل حضوره شهادة، وعمله خدمة، وكلامه رجاء، وعلاقاته مجالًا للمحبّة.


-لا نعرف متى يأتي العريس، لكنّنا نعرف ما الذي ينتظره منّا: أن نعيش اليوم بأمانة، وأن نحبّ اليوم بصدق، وأن نخدم اليوم بفرح.

لا نعرف يوم اللقاء ولا ساعته، لكنّنا نعرف أنّ كلّ يوم هو فرصة للمحبّة، وكلّ ساعة هي دعوة إلى الخير، وكلّ إنسان نلتقيه يمكن أن يكون مناسبة نُظهر فيها وجه المسيح.

فلنحافظ على مصابيحنا مضيئة، لا بزيت الكلام والمظاهر، بل بزيت الصلاة والأمانة والغفران والرحمة والأعمال الصالحة.

ولنجعل المسيح محور حياتنا كلّها، حتى إذا سمعنا يومًا النداء: «هوذا العريس! اخرجوا إلى لقائه!»، لا نكون غرباء عنه، بل نلتقيه بفرح، لأنّنا عرفناه وأحببناه وخدمناه في حياتنا اليومية.

المسيح هو العريس، والإيمان هو المصباح، والمحبّة هي الزيت، والحياة كلّها هي زمن الاستعداد، والعرس الأبدي هو ملء اتحادنا به في ملكوت أبيه. آمين.


الخوري جوني التنوري

من الأبرشية البطريركية منطقة جونيه


عودة إلى المقالات

إخترنا لكم