كتّاب المحبّة
يوحنا بولس الثاني... البابا الذي تحدّى الشيوعيّة بالإيمان، وتوّج العذراء برصاصة كادت تقتله
ماذا لو كانت الرصاصة التي اقتربت من قلبك سبباً لتكتشف أنَّه لم يعد ملكك وحدك؟ وماذا لو استطاع رجل أعزل أن يهزَّ أركان أنظمة شموليّة، لا بجيشٍ ولا بسلاح، بل بكلمتين: «لا تخافوا»؟ وكيف يمكن لبابا أن يواجه جلّاده بالغفران، وأن يرى في آلام جسده مشاركةً في صليب المسيح، وفي وجه الفقير أيقونةً حيّة لله؟
هذه ليست مفارقات من سيرة رجل عاديّ. إنَّها ملامح حياة البابا القدّيس يوحنا بولس الثاني، الذي لم يكتفِ بأن يعلّم العالم المسيحيّة، بل حاول أن يجعل من حياته إنجيلاً مفتوحاً، ومن حبريّته الممتدّة أكثر من ستّة وعشرين عاماً شهادةً على أنَّ قوّة الروح تستطيع أن تتجاوز جبروت السلطة، وأنَّ القداسة ليست ابتعاداً عن العالم، بل دخولاً إلى جراحه بالمحبّة.
"لا تخافوا... شرّعوا أبوابكم للمسيح"
حين انتُخب الكاردينال البولندي كارول فويتيوا بابا في 16 تشرين الأوّل 1978، كان العالم يعيش انقسام الحرب الباردة، وكانت أوروبا الشرقيّة ترزح تحت الأنظمة الشيوعيّة. وفي قدّاس بدء حبريّته، في 22 تشرين الأوّل، أطلق نداءه الشهير: "لا تخافوا! افتحوا، بل شرّعوا الأبواب للمسيح!".
لم تكن الكلمات مجرّد دعوة تعبّديّة، بل إعلاناً لاهوتيّاً عن الإنسان الذي لا يكتشف حقيقة حرّيّته إلّا في علاقته بالله. فالمسيح، في فكر يوحنا بولس الثاني، لا ينتزع من الإنسان إنسانيّته، بل يكشف له كرامتها وعمقها.
لقد دعا إلى فتح حدود الدول والأنظمة السياسيّة والاقتصاديّة والثقافات أمام المسيح، مؤمناً بأنَّ الإيمان لا ينبغي أن يبقى حبيس الكنائس، بل أن يصبح خميرةً حيّة تحوّل المجتمعات من الداخل.
البابا الذي واجه الشيوعيّة في أوج قوّتها
عرف يوحنا بولس الثاني الشيوعيّة من داخل التجربة البولنديّة، بعدما اختبر في شبابه الاحتلال النازي، ثم عاش تحت النظام الشيوعي الذي قيّد الحرّيّات الدينيّة والمدنيّة.
وحين عاد إلى بولندا عام 1979، لم يحمل مشروعاً عسكريّاً أو برنامجاً حزبيّاً، بل خطاباً عن كرامة الإنسان وحرّيّة الضمير وحقّ الشعوب في تقرير مصيرها. أيقظت زيارته شعوراً جماعيّاً بالهويّة والكرامة، وأسهمت في تهيئة المناخ الذي ظهرت فيه حركة «تضامن» العمّاليّة عام 1980 بقيادة ليخ فاونسا.
كان يرفض اختزال حرية الإنسان في الاستهلاك والامتلاك. فالإنسان، في نظره، شخصٌ ذو ضمير وروح وحقوق سابقة على سلطة الدولة. وقد شكّل دعمه المعنوي لحركة «تضامن»، ودفاعه عن حقوق العمّال، أحد العوامل المؤثّرة في التحوّلات التي انتهت بسقوط الأنظمة الشيوعيّة في أوروبا الشرقيّة، من دون أن يكون العامل الوحيد وراءها.
وهنا تتجلّى رؤيته: لم يكن انتصاره على الشيوعيّة انتصاراً لإيديولوجيا على أخرى، بل دفاعاً عن الإنسان في وجه كلّ نظام يجعل السلطة أعلى من الكرامة.
"كُلّي لكِ"... والرصاصة التي اقتربت من القلب
اختار يوحنا بولس الثاني شعار «Totus Tuus»، أي «كُلّي لكِ»، تعبيراً عن تكريسه ذاته للعذراء مريم، على نهج القدّيس لويس ماري غرينيون دو مونفور.
وفي 13 أيار 1981، ذكرى ظهورات سيدة فاطيما، أصابته رصاصات محاولة اغتيال في ساحة القدّيس بطرس. اخترقت إحدى الرصاصات جسده ومرّت على مقربة خطيرة من أعضائه الحيويّة، وكادت الإصابة تودي بحياته.
وبعد نجاته، قدّم إلى مزار سيدة فاطيما في البرتغال رصاصةً من محاولة الاغتيال، وُضعت لاحقاً في تاج تمثال العذراء. وتصف روايات عن الحادثة هذه الرصاصة بأنّها أُخرجت من جسده، فيما يذكر بيان رسمي للفاتيكان عام 2000 أنَّ الرصاصة التي قُدّمت إلى المزار كانت قد علقت في السيّارة البابويّة بعد إطلاق النار. لذلك، لا يمكن الجزم بأنَّ الرصاصة الموجودة في التاج هي تحديداً التي استُخرجت من جوار قلبه.
لكنَّ المعنى الروحي يبقى استثنائيّاً: أداة صُنعت للموت تحوّلت إلى علامة شكر، ورصاصة أُطلقت بالكراهية أصبحت جزءاً من تاج العذراء.
وقد عبّر البابا عن إيمانه بأنَّ يداً أموميّة وجّهت مسار الرصاصة، فنجا من الموت. ولم يكتفِ بالشكر، بل زار التركي محمد علي آغجا، الذي حاول اغتياله، في سجنه عام 1983، مانحاً إيّاه الغفران.
هكذا تجسّد لاهوت الرحمة في فعلٍ إنسانيّ، وأصبحت كلمات المسيح على الصليب: «يا أبتاه، اغفر لهم» حقيقةً تُعاش، لا مجرّد آية تُتلى. وفي عام 2002، أضاف أسرار النور الخمسة إلى المسبحة الورديّة، ليعمّق التأمّل في حياة المسيح العلنيّة. لقد أراد أن تبقى الورديّة صلاةً تتأمّل فيها الكنيسة وجه يسوع بعيني مريم.
ماكسيميليانو كولبي... حين تنتصر المحبّة في معسكر الموت
لم يكن القدّيس البولندي ماكسيميليانو ماريا كولبي مجرّد اسم في تاريخ الكنيسة بالنسبة إلى يوحنا بولس الثاني، بل كان تجسيداً حيّاً لانتصار المحبّة على الشرّ.
ففي معسكر أوشفيتز النازي، عام 1941، تطوّع الكاهن الفرنسيسكاني البولندي ليحلّ مكان سجين حُكم عليه بالموت جوعاً. اختار أن يموت لكي يعيش رجل آخر، محوّلاً زنزانة الموت إلى شهادة على أعظم وصايا الإنجيل: «ليس لأحد حبّ أعظم من هذا: أن يبذل الإنسان نفسه في سبيل أحبّائه» (يوحنّا 15: 13).
وفي العاشر من تشرين الأوّل 1982، أعلن يوحنا بولس الثاني قداسته، معترفاً به شهيداً للمحبّة. كان هذا الإعلان يحمل بعداً لاهوتيّاً بالغ العمق. فالاستشهاد ليس مجرّد الموت بسبب الإيمان، بل شهادة تبلغ ذروتها عندما يهب الإنسان حياته حبّاً بالآخر. وقد رأى البابا في كولبي دليلاً على أنَّ المحبّة تستطيع أن تنتصر حتّى في المكان الذي حاول النازيّون فيه سحق الإنسانيّة.
بادري بيو والأمّ تريزا... وجوه المسيح في الألم والفقر
التقى يوحنا بولس الثاني، حين كان كاهناً شابّاً، الأب بادري بيو عام 1947، وتأثّر بروحانيّته القائمة على الصلاة والتوبة والاتّحاد بآلام المسيح. وفي عام 2002، أعلن قداسته، مقدّماً إياه نموذجاً لإنسان جعل من جراحه طريقاً إلى النعمة.
أما الأمّ تريزا دي كالكوتا، فجمعت بينهما رسالة إنجيليّة واحدة: أنَّ المسيح حاضر في الفقراء والمهمّشين والمتألّمين. وقد أعلن تطويبها عام 2003.
بالنسبة إلى البابا، لم تكن خدمة الفقير عملاً خيريّاً فحسب، بل لقاءً مع المسيح نفسه، على ضوء قوله: «بما أنَّكم فعلتم ذلك بأحد إخوتي هؤلاء الصغار، فبي فعلتموه» (متّى 25: 40).
رسائل بابويّة أعادت الإنسان إلى قلب اللاهوت
ترك يوحنا بولس الثاني أربع عشرة رسالة عامّة، شكّلت مشروعاً فكريّاً وروحيّاً متكاملاً.
في «فادي الإنسان» عام 1979، أكّد أنَّ الإنسان هو الطريق الأساسيّ للكنيسة، لأنَّ المسيح بتجسّده كشف كرامة الطبيعة البشريّة. وفي «الغنيّ بالمراحم» عام 1980، تأمّل في رحمة الله التي تبلغ كمال إعلانها في المسيح، مؤكّداً أنَّ العدالة وحدها لا تكفي إذا غابت المحبّة. أما في «الاهتمام بالشأن الاجتماعي» عام 1987 و«السنة المئة» عام 1991، فقد جعل التضامن والخير العام والعدالة الاجتماعيّة ركائز في تعليم الكنيسة الاجتماعيّ.
فالخير العام ليس مصلحة الأكثريّة على حساب الأقليّة، ولا مجموع المصالح الفرديّة، بل مجموعة الشروط التي تتيح لكلّ إنسان وجماعة تحقيق نموّهما وكرامتهما.
وفي «تألّق الحقيقة» و«الإيمان والعقل»، شدّد على أنَّ الحرّيّة لا تنفصل عن الحقيقة، وأنَّ الإيمان والعقل ليسا خصمين، بل طريقان متكاملان في بحث الإنسان عن المعنى.
وهكذا، لم يكن لاهوته منفصلاً عن الحياة، بل محاولة للإجابة عن سؤال جوهريّ: كيف يمكن بناء عالم أكثر إنسانيّة إذا فقد الإنسان علاقته بالحقيقة والمحبّة؟
البابا الذي غيّر وجه الكنيسة وطلب المغفرة عن أخطاء أبنائها
خلال حبريّته، قام يوحنا بولس الثاني بـ104 رحلات رسوليّة خارج إيطاليا، شملت 129 دولة، ليصبح أكثر البابوات ترحالاً في التاريخ حتّى ذلك الحين. وأعلن قداسة 482 شخصاً، وطوّب أكثر من 1300 آخرين، موسّعاً الحضور العالمي لنماذج القداسة.
وفي عام 1985، أطلق اليوم العالمي للشبيبة، فاتحاً أبواب الكنيسة أمام أجيال جديدة، وداعياً الشباب إلى أن يكونوا شهوداً للمسيح لا متفرّجين على التاريخ.
كما فتح آفاقاً جديدة للحوار بين الأديان. ففي عام 2001، أصبح أوّل بابا يزور مسجداً، حين دخل الجامع الأموي في دمشق، مؤكّداً أنَّ الاختلاف الديني لا يلغي إمكان اللقاء والاحترام.
وفي يوبيل عام 2000، طلب المغفرة عن خطايا ارتكبها مسيحيّون عبر التاريخ، ومنها العنف والتعصّب والانقسامات والمواقف المعادية لأتباع ديانات أخرى.
لم يكن اعتذاره إدانةً للإيمان المسيحيّ، بل اعترافاً بأنَّ أبناء الكنيسة، على الرغم من دعوتهم إلى القداسة، يبقون محتاجين إلى التوبة. فالكنيسة، بوصفها جماعة بشريّة، مدعوّة دائماً إلى تنقية الذاكرة والعودة إلى الإنجيل.
لبنان... أكثر من وطن في قلب البابا
أحبّ يوحنا بولس الثاني لبنان حبّاً خاصّاً، ورفض أن يراه مجرّد ساحة صراعات. وفي زيارته التاريخيّة عام 1997، حمل الإرشاد الرسولي «رجاء جديد للبنان»، مؤكّداً قيمة العيش المشترك ودور المسيحيّين والمسلمين في بناء وطن واحد.
رأى في لبنان رسالةً تتجاوز حدوده الجغرافيّة، لأنَّ التنوّع الدينيّ والثقافيّ يستطيع أن يصبح شهادة على إمكان اللقاء، لا سبباً للانقسام. وكانت دعوته إلى الشباب اللبنانيّ واضحة: أن يتحمّلوا مسؤوليّة المستقبل، وألّا يسمحوا لجراح الماضي بأن تسلبهم الرجاء.
حين صمت البابا... تكلّم الصليب
في سنواته الأخيرة، أنهك المرض جسده، وتعثّرت خطواته، وخفت صوته. لكنَّ يوحنا بولس الثاني لم يخفِ ضعفه، بل جعله شهادةً حيّة على كرامة الإنسان.
ففي رسالته الرسوليّة «الألم الخلاصي»، كان قد تأمّل في سرّ الألم على ضوء صليب المسيح، مؤكّداً أنَّ المعاناة، حين تُعاش في المحبّة والاتّحاد بالمسيح، يمكن أن تصبح مشاركةً في سرّ الفداء.
وهكذا، تحوّل البابا الذي خاطب الملايين إلى شاهد صامت. لم تعد عظته الأخيرة تحتاج إلى كلمات، لأنَّ جسده المتألّم صار يذكّر العالم بأنَّ الإنسان لا يفقد قيمته حين يفقد قوّته.
رحل في الثاني من نيسان 2005، وأُعلنت قداسته في 27 نيسان 2014.
لقد واجه الشيوعيّة بقوّة الضمير، والنازيّة بشهادة شهدائها، والرصاصة بالغفران، والفقر بالمحبّة، والمرض بالرجاء.
لكنَّ أعظم ما تركه لم يكن انتصاراً سياسيّاً أو رقماً في تاريخ البابويّة، بل نداءً روحياً لا يزال يتردّد: "لا تخافوا... شرّعوا أبوابكم للمسيح"
فالبابا الذي وضع رصاصة في تاج العذراء، وضع حياته كلّها بين يدي الله. وحين عجزت شفتاه عن الكلام، كان قد قال بحياته كلّ ما أراد أن يقوله عن المسيح: إنَّ المحبّة وحدها تستطيع أن تجعل من الجرح باباً إلى القيامة.
الإعلامي روي أبو زيد