كتّاب المحبّة

أحد تقديس البيعة وتجديدها: كيف نبثّ الرجاء في وطننا الجريح؟

أحد تقديس البيعة وتجديدها: كيف نبثّ الرجاء في وطننا الجريح؟

مقدمة: واقع لبنان وإشكالية الرجاء

يمرّ وطننا لبنان بمرحلة بالغة الصعوبة من تاريخه المعاصر. فقد أدت النزاعات المسلحة والأزمات الاقتصادية المتلاحقة جراحًا عميقة في نفوس اللبنانيين، وأثقلت العائلات بأعباء تفوق طاقتها، وهدّدت مستقبل الشباب، مما فرض على الكنيسة ورسالتها تحدّيات رعوية وإنسانية متزايدة. فوسط هذه الجراح والمآسي، تبدأ الكنيسة المارونية سنتها الليتورجية بأحد تقديس البيعة، ويليه أحد تجديدها، مؤكّدةً أن المسيح لا يتخلّى عن عروسته، الكنيسة، وأن الروح القدس، روح الحياة والرجاء، يجدّدها ويعمل في أبنائها حتى في أقسى المحن صعوبة. فإلهنا إله الخلاص، وهو القادر، كما يقول الرسول بولس، «ذاك الذي يستطيع، بقوّته العاملة فينا، أن يبلغ ما يفوق كثيرًا كل ما نسأله أو نتصوّره، له المجد في الكنيسة وفي المسيح يوسع على مدى الأجيال والدهور، آمين» (أفسس 3: 20).

والسؤال المطروح هو: كيف يتجاوز الاحتفال الليتورجي حدود الطقوس والأبنية ليمنح المؤمنين رجاءً حقيقيًّا يلامس واقعهم؟ وكيف تزرع الكنيسة، المتقدّسة والمتجدّدة بالمسيح، الرجاء في المتألمين والمحطّمين، وترافق العائلات والشباب، وتفتح لهم آفاقًا جديدة للحياة؟ فهل نكتفي بانتظار معجزة من فوق، أم نؤمن بأن حضور ملكوت الله بيننا يدعونا إلى المشاركة في عمله؟ (راجع لوقا 17: 21).


*القسم الأول : الأساس الكتابي واللاهوتي لرجاء الكنيسة

تفتح الكنيسة المارونية سنتها الليتورجية باستعادة وعد المسيح لبطرس :  « أنت الصخرة، وعلى هذه الصخرة سأبني بيعتي، وأبواب الجحيم لن تقوى عليها» (متى 16: 18). فهي تذكّر أبناءها بأن ثباتها ورجاءها في المحن والاضطهادات يستندان أولًا إلى هذا الوعد وإلى أمانة المسيح، نبع الحياة، الذي غلب الشر والموت بقيامته. وقد ربط البابا فرنسيس، في مقابلته العامة في 10 نيسان 2013، الرجاء الحي بقيامة المسيح وأمانة الله لأبنائه . فقوة الكنيسة ليست في قدراتها البشرية أو نجاح خططها وبرامجها الرعوية، بل في حضور المسيح القائم  من الموت، الأمين لوعده، الذي يمكّنها من مواجهة المحن والتجدّد في خضمّها.

١. انتصار المسيح على الموت وثبات الكنيسة

في ضوء وعد المسيح لبطرس (متى 16: 18)، تفهم الكنيسة ثباتها والتزامها بوعده، بوصفه ثمرة أمانتها الدائمة له، لا ضمانًا لغياب المحن وطلب الرخاء. فالتعبير اليوناني πύλαι ᾅδου يدلّ على «أبواب عالم الموت»، ولا ينبغي اختزاله في معنى موضع العقاب وحده.  وفي قراءة لاهوتية تربط الوعد بالسرّ الفصحي، يُفهم هنا أن انفتاح القبور وقيام أجساد القديسين وظهورهم بعد قيامة يسوع علامةً على غلبته للموت في عالم البشر (متى 27: 52–53). والحمل القائم هو صاحب «مفاتيح الموت والهاوية» (رؤيا 1: 18)، وقد انتصر بموته على سلطان الموت محرّرًا الخاضعين لخوفه (عبرانيين 2: 14–15). أمّا «مفاتيح ملكوت السماوات» الموعودة لبطرس (متى 16: 19)، فتتعلّق بالمسؤولية الكنسيّة تجاه هذا الانتصار؛ وتفهم الكنيسة الكاثوليكية هذه المسؤولية وتختبرها، في إطار خدمة بطرس واستمرارها في خلفائه.

ومن هنا، لا يعد الرب كنيسته بحياة خالية من الاضطهادات والمحن والأزمات، بل يؤكّد أن الموت والشر لن تكون لهما الكلمة الأخيرة. فبالعودة الى انفتاح القبور في رواية متى، هي علامة أكيدة على انتصار الرب، انتصار يضيء رجاء المؤمنين وفق حقيقة القيامة (راجع 1 قورنتس 15: 54–57). ومن هذا المنطلق، نفهم بأنه لا يقوم رجاء الكنيسة على غياب الأزمات والمصاعب، أو ضمان النجاح لكل مشروع بشري، بل يتجذّر في حضور المسيح القائم وأمانته لوعده، يُترجم إلى ثبات في الإيمان ومثابرة على المحبة وسط الإضطهادات.

٢. تجدّد الكنيسة وتجسيد الرجاء في واقع لبنان

يكتسب وعد المسيح بُعدًا رعويًا خاصًا على صعيد الكنيسة في لبنان. بالرغم من تضرر الكنائس، وهجرة الأدمغة والشباب، وتفاقم الأزمات، يبقى رجاء الكنيسة لا يتوقف قط عند سلامة الأبنية والمؤسسات، بل يتجذّر في أساسها أي يسوع المسيح، الذي يدعو المؤمنين إلى الثبات في الإيمان، والتضامن مع المتألمين، والعمل من أجل حضارة الحياة والمحبة. وفي هذا السياق، يؤكد المجمع البطريركي الماروني (2003–2006)، في نصه الثاني عشر، «الليتورجيا»، أن الروح القدس «يوجّه كنيسة المسيح ويقودها ويجدّدها ويجعلها عنصرة متواصلة».  وهكذا، فإن الكنيسة التي يضمن يسوع ثباتها هي نفسها الكنيسة التي يواصل الروح القدس تجديدها من الداخل، الذي يبدأ من تجديد القلوب والعلاقة بالله، ويتجسّد في حياة المؤمنين من خلال التوبة والمصالحة والمحبة المتبادلة وخدمة الحقيقة والمحتاجين.

من هنا، يصبح تقديس البيعة وتجديدها إعلانًا إيمانيًّا ونبويًّا بأن الكنيسة، مهما اشتدّت أزماتها، لا تفقد رجاءها بالرب، فربانها هو من يقودها، لذا فليس للغرق سبيلا؛ فعريسها أساس ثباتها، والروح القدس سرّ تجدّدها، والقربان والأسرار قوتها، ومريم العذراء نجمتها والقديسين حماتها. فالآب يفيض  محبته فيها، ويصونها بسلام ابنه الوحيد، وبإلهامات الروح القدس، يدعو أبناءها إلى البرّ والشهادة.


*ثانيًا: رسالة التجدد والتقديس بالرجاء لكنيسة لبنان وفق تعاليم الباباوات

1 -يوحنا بولس الثاني: رجاء جديد للبنان والمصالحة الوطنية

ليس جديدًا أن تتحدث الكنيسة عن الرجاء وسط آلام لبنان. ففي عام 1997، زار القديس يوحنا بولس الثاني لبنان، حاملاً معه الإرشاد الرسولي تحت إسم رجاء جديد للبنان. وقد دعا اللبنانيين وخاصة المسيحيين إلى تجاوز جراح الحرب، والى إعادة بناء وطنهم على أسس المصالحة والتضامن والمحبة، وذلك بروح التجدد والرجاء. 

2 - بندكتس السادس عشر: الشركة والشهادة ومصدر الرجاء

وبعد خمسة عشر عامًا، جاء البابا بندكتس السادس عشر إلى لبنان عام 2012، ووقّع في 14 أيلول الإرشاد الرسولي الكنيسة في الشرق الأوسط: شركة وشهادة. ويربط الإرشاد رجاء الكنيسة بالشركة مع الله والقريب وخاصة المتألم، ويدعو إلى السلام والمغفرة والوحدة بين الجماعات؛ وفي هذا الإطار، يُفهم الانتصار بالمحبة على الكراهية وبالمغفرة على الانتقام بوصفه تطبيقًا رعويًّا لمضمونه، وهذا هو بالتحديد معنى التجدد والتقديس. 

3 -فرنسيس: لبنان رسالة والكنيسة شاهدة للرجاء

وسط الأزمات التي تعصف بلبنان، ذكّر البابا فرنسيس، في ندائه في 2 أيلول 2020، بقول يوحنا بولس الثاني إن لبنان ليس مجرّد بلد، بل رسالة حرية ومثال للتعدّدية والتعايش، داعيًا المسؤولين إلى تجاوز المصالح الخاصة والعمل من أجل الخير العام، والمجتمع الدولي إلى مساندة لبنان وحماية استقراره . وفي خطابه إلى هيئات مساعدة الكنائس الشرقية في 27 حزيران 2024، دعا هذه الكنائس إلى تجاوز الانقسامات، والإصغاء إلى آلام المؤمنين، والشهادة للإنجيل بالتضامن والخدمة، وهذا البعد النبويّ يحلينا الى المعنى العميق للتجدد والتقديس . وفي زمن تقديس البيعة وتجديدها، يكتسب هذا التعليم معناه الرعوي: فالكنيسة التي تتجدّد بالمسيح لا تنفصل عن جراح شعبها ومعاناته، بل تصبح علامة رجاء حيّة فاعلة، ترافق المتألمين، وتصون كرامة الإنسان، وتعمل من أجل المصالحة والسلام، لذا الإنطلاقة هي أن توجه الكنيسة أنظارها نحو مجدد الرجاء فيها، أي يسوع المسيح، عريسها.

4 - لاوون الرابع عشر: الرجاء وسط الألم ودور الشباب

أما البابا لاوون الرابع عشر، ففي زيارته إلى لبنان بين 30 تشرين الثاني و2 كانون الأول 2025، فقد واجه مباشرة واقع اللبنانيين المؤلم. وفي عظته على واجهة بيروت البحرية في 2 كانون الأول، تحدث عن الفقر والأزمة الاقتصادية والعنف والخوف، ودعا المؤمنين إلى عدم الاستسلام لليأس، بل إلى اكتشاف علامات الخير والرجاء وسط المعاناة. وفي لقائه مع الشبيبة في بكركي في 1 كانون الأول، دعا الشباب إلى أن يكونوا مصدر الرجاء الذي ينتظره وطنهم، مؤكدًا دورهم في بناء مستقبل يقوم على السلام والمصالحة. 

هكذا تتلاقى تعاليم البابوات الأربعة، مع اختلاف سياقاتها، حول حقيقة واحدة: الرجاء المسيحي ليس إنكارًا للألم، بل قوّة روحية وأخلاقية تساعد الإنسان على مواجهته والمشاركة في تغيير واقعه. وتمهّد هذه القراءة للانتقال من التعليم الكنسي إلى مسؤولية المؤمنين في حياتهم اليومية.

*ثالثا : من التجديد الليتورجي إلى الشهادة اليومية

1 - الكنيسة بيت التجديد والرجاء

إن تقديس البيعة وتجديدها في الكنيسة المارونية لا يكتملان بالاحتفال الليتورجي وحده، بل ينبغي أن يتجسّدا في حياة المؤمنين ورسالتهم اليومية. ففي لبنان، حيث تواجه العائلات الفقر والتهجير، ويعيش الشباب قلقًا على مستقبلهم، تُدعى الكنيسة إلى أن تكون بيتًا للمتألمين، وصوتًا لمن فقدوا الأمل، وجماعةً تحتضن أبناءها دون تمييز. فالكنيسة التي تتقدّس بالرب تتجدّد حين تحمل صلاتها ثمارًا من الحقيقة والمحبة، ويتجلّى إيمانها في خدمة ملموسة، ورجاؤها في التضامن والمصالحة وبناء الجسور بين مكوّنات الوطن الواحد. وهذا ما يذكّرنا به الرسول يعقوب: «الإيمان، إن لم تكن له أعمال، ميت في ذاته» (يعقوب 2: 17). 

2 - التجدد والتقديس مسؤوليتنا المشتركة

وتجديد البيعة مسؤولية كل مؤمن، لا الإكليروس وحده؛ فالمؤمن مدعوّ إلى حمل ما يعيشه في الكنيسة إلى بيته وعمله ومحيطه، فيصون كرامة الآخرين، ويرفض اللامبالاة، ويسهم في بناء الثقة بدل تعميق الانقسامات. وينبغي أن يصبح إيقاع السنة الليتورجية جزءًا حيًّا من حياتنا، لا مناسبات منفصلة عن واقعنا، بحيث تقودنا الصلاة إلى الإصغاء، والتوبة إلى إصلاح العلاقات، والاحتفال إلى خدمة الإنسان. ولا يُقاس هذا التجديد بكثرة الأنشطة وحدها، بل بقدرة الجماعة على مرافقة المتألمين، واحتضان العائلات المثقلة، وإتاحة المجال للشباب كي يشاركوا في رسالتها ويجدوا فيها من يصغي إلى أسئلتهم.


 انطلاقًا مما سبق، يمنحنا الرجاء المسيحي ممارسةً كنسية مشتركة وفاعلة، لا انتظارًا سلبيًّا، ويتجلّى في أفعال ملموسة، كزيارة من يعاني الوحدة، ومساندة عائلة محتاجة، ومرافقة شاب قلق على مستقبله، ومبادرة تعيد الحوار بين المتخاصمين. وعلى الرغم من أن هذه الأفعال لا تلغي الألم ولا تقدّم حلولًا سريعة لكل أزمة، فإنها تجعل حضور المحبة ملموسًا ومعاشًا بقوّة الروح المجدّد، وتمنح الإنسان سندًا في المسيح لمواجهة واقعه. ومن هنا، يغدو زمن تقديس البيعة وتجديدها فرصة لمراجعة صدق شهادتنا وفاعليتها: فهل يجد المتألّمون في كنائسنا حضور المسيح المعزّي والشافي؟ وهل يجد شبابنا في جماعاتنا المسيحية رجاءً حقيقيًّا بمستقبل أفضل؟ إن الإجابة لا تكون بالكلمات وحدها، بل بجماعة تصلّي وتخدم وترافق وتعضد، فتجعل من تجديدها الروحي بدايةً لتجديد علاقاتها ورسالتها في لبنان. وقد شدّد القديس يوحنا بولس الثاني، في رسالته عن لبنان سنة 1989، على أن هذا الوطن ليس مجرّد بلد، بل رسالة حرية ومثال للتعدّدية . وفي شهادة أدبية لاحقة، وصف طلال حيدر لبنان بأنه «ملتقى الحضارات والنافذة المفتوحة على العالم» . في ضوء هذا الجو من الليتورجي الفريد، يرتبط المعنى الرعوي لتقديس البيعة وتجديدها بصون رسالة لبنان الإنسانية والحضارية؛ وهي مسؤولية يتقاسمها أبناء الكنيسة مع سائر أبناء الوطن على اختلاف انتماءاتهم الدينية والمذهبية. فلا تجديد من دون تقديس، ولا تقديس من دون تجدّد مستمر. 

الخوري جان بول الخوري
أبرشية سيدة لبنان - لوس أنجلوس


عودة إلى المقالات

إخترنا لكم