كتّاب المحبّة

تجديد البيعة، ربيع الروح ونيسان الحياة

تجديد البيعة، ربيع الروح ونيسان الحياة

بعدما احتفلنا بأحد تقديس البيعة، تواصل الكنيسة المارونيّة الإحتفال بعيد تجديدها. ويأخذنا إنجيل العيد إلى هيكل أورشليم. هناك، وسط الذين سألوا يسوع إن كان هو المسيح، تكلّم الرب عن الخراف التي تسمع صوته وتتبع خطاه (راجع يو ١٠: ٢٢–٢٨). وفي مطلع سنتنا الطقسيّة، ونحن نتهيّأ للميلاد، تعود إلينا دعوة الرسول بولس: «تحوّلوا بتجدّد عقولكم» (رو ١٢: ٢). فأيَّ قلبٍ نهيّئ لاستقبال عتيق الأيام؟ وهل نقبل أن تمسّ كلمته ما نتمسّك به ونخشى تغييره؟

1-نتجدّد بالإصغاء

يقول يسوع: «خرافي تسمع صوتي، وأنا أعرفها، وهي تتبعني» (يو ١٠: ٢٧). وما يمنحنا الثقة لنتبعه هو أنّه يعرفنا عن كثب. إنّه الراعي الصالح الذي يبذل نفسه عن خرافه ويهبها الحياة الأبديّة (راجع يو ١٠: ١١، ٢٨). في إنجيل هذا الأحد، يسمع بعض الحاضرين كلامه ويرفضون الإيمان به، فيما ينتهي الإنجيل بخبر كثيرين آمنوا به (راجع يو ١٠: ٢٥–٢٦، ٤٢). وبين الموقفين سؤال يخصّ كلّ واحد منّا: ماذا أفعل بالكلمة التي سمعتها؟ هل أطيعها؟

يشبّه القدّيس أفرام السرياني (مطلع الخطاب الخامس إلى هيباتيوس) الطاعة الحقّة بخطيبة عفيفة لا تستميلها أصوات الغرباء. ونختبر معنى هذه الأمانة حين يكشف لنا الإنجيل قسوةً في حكم أصدرناه، أو عنادًا في موقف اتّخذناه. عندئذٍ يبدأ التجدّد بأن نثبت في الربّ وندع كلمته تصحّح حكمنا وتغيّر سلوكنا (راجع يو ١٥: ٤).

2-الإصغاء وتجديد القلب

حين يدعونا يسوع إلى الإصغاء، يخاطب فينا القلب (راجع مر ٤: ٩). والقلب، في لغة الإيمان، هو موضع اللقاء بالله واتّخاذ القرار (راجع تعليم الكنيسة الكاثوليكيّة، الفقرة ٢٥٦٣). فالربّ ينظر إلى عمق القلب، والروح القدس يفتحه لنقبل ما يأتينا من الله (راجع ١ صم ١٦: ٧، و١ قور ٢: ١٤). لذلك، فالإصغاء عطيّة من الله واستجابة حرّة منّا.

في أحد أناشيد القيامة، يصلّي القدّيس أفرام السرياني: «ليّن بنداك عقلي فيكون لي نيسانًا ثانيًا» (نشيد القيامة ٢، ٥). وفي النشيد نفسه يصف إكليلًا يقدّمه المؤمنون للربّ، يضيء فيه الإيمان ويشعّ التواضع (نشيد القيامة ٢، ١١). نستعير هذه الصورة الفصحيّة لنتأمّل في تجديد البيعة. فقد يقسو القلب حين نصرّ على ما اعتدناه، حتّى بعد أن تكشف لنا كلمة الله حاجتنا إلى التوبة. ويبدأ ربيعه حين نتواضع ونسمح للروح القدس بأن يحيي فينا ما ذبل.

ويصف القدّيس يوحنّا بولس الثاني (الروح القدس، الفقرة ٦٧) عمل الروح القدس بصورة قريبة من صورة أفرام. فالروح يبدّل جفاف النفوس ويحوّلها إلى حقول خصبة للنعمة والقداسة. إنّه ينمّي فينا الحياة التي وُلدنا لها في المعموديّة وتثبّتنا فيها بمسحة الميرون. ومن ثمار هذا الربيع إيمانٌ يحملنا على الثقة بالله، وتواضعٌ يمنحنا الشجاعة لنقول لأخينا: "لقد أخطأتُ....".

3-تجدّد يُثمر شركة

بفضل سرّ المعموديّة صرنا، بروح واحد، أعضاءً في جسد المسيح الواحد ) راجع1 قور ١٢: ١٣). لذلك، يمسّ تجدّدُ كلّ واحد منّا حياةَ الجماعة. ويكشف القدّيس أوغسطينوس (العظة ٢٧٢) مسؤوليّة هذا الانتماء حين يربط تناول سرّ الوحدة بحفظ رباط السلام. أمّا القدّيس يوحنّا فم الذهب (العظة ٢٤، في شرح ١ قور ١٠: ١٧)، فيدعونا إلى أن نسأل أنفسنا: كيف نتغذّى جميعًا من خبز واحد، ثمّ نتردّد في أن نُظهر بعضنا لبعض المحبّة نفسها؟

لهذا السؤال مكان في بيوتنا ورعايانا. فقد نجتمع حول المذبح الواحد، ثمّ نعود إلى بيتٍ طال فيه الصمت بين أخوين. ومن ثمار تجدّد البيعة أن يجد أحدهما، في القربانة التي تناولها، الشجاعة ليبادر الآخر بكلمة سلام.

4-الإفخارستيّا والتجدّد

في الإفخارستيّا يهب المسيح ذاته لعروسه الكنيسة. ويقول أفرام السرياني: «ومَن يأكلْ من خبزِ السماويّ، لا شكَّ، يُصبحْ سماويًّا» (نشيد الميلاد ٤، المقطع ١٠٣). و«السماويّ» هنا هو المسيح نفسه الحاضر في الخبز والخمر. فمَن يقتبل جسده ودمه يدخل في شركة معه، ويتعلّم منه كيف يهب ذاته للآخرين.

وفي لحن البخور لأحد تقديس البيعة، تخاطب الليتورجيا المارونيّة الكنيسةَ بلغة العرس. يطعمها عريسها خبزًا تأكله نارًا، ويسقيها خمرًا تشربها روحًا، ويدعوها إلى الدخول في «خِدْر الأنوار» (راجع كتاب القدّاس، ٢٠٠٥، خدمة أحد تقديس البيعة، لحن البخور). وفي النشيد العاشر من أناشيد الإيمان، يتأمّل أفرام في الجمرة التي مسّت شفتَي إشعيا، ثمّ يستحضر النار التي أكلت ذبيحة إيليّا (راجع إش ٦: ٦–٧، و١ مل ١٨: ٣٨). وهنا يقول عن عطيّة الحمل الذبيح : «ولنا نار المراحم صارت ذبيحةَ حياة» (نشيد الإيمان ١٠، المقطع ١٣).

ما نتلقّاه على المذبح نُدعى إلى عيشه في بيوتنا ورعايانا ووطننا. ولأنّنا نشترك في الخبز الواحد والكأس الواحدة، نصير، على كثرتنا، جسدًا واحدًا متجددا بالروح  (راجع ١ قور ١٠: ١٧). عندئذٍ يجد المتألّم مَن يرافقه، والوحيد مَن يصغي إليه، والمحتاج مَن يسنده، والمظلوم مَن ينصره.


في أحد تجديد البيعة، نصغي من جديد إلى الراعي الذي يعرفنا ويدعونا بأسمائنا. كلمته تفتح القلب، وروحه يجدّد ما ذبل فينا، وجسده الذي نتناوله يجمعنا حول مائدة واحدة في شركة حيّة. هوكذا نتهيّأ معًا لميلاد الابن «المولود من الآب قبل كلّ الدهور» (قانون الإيمان النيقاويّ).متجددين بالفكر والقلب والعمل.إذًا، أيَّ خطوةِ محبّةٍ ينتظرها منّي الربّ في أحد تجديد البيعة، ليجد كل قريب : مهما كان لونه، عرقه، انتماؤه، دينه، لغته، حضارته، ثقافته، نصيبًا من هذا الربيع الروحيّ؟


الخوري جان بول الخوري

أبرشية سيدة لبنان - لوس أنجلوس


عودة إلى المقالات

إخترنا لكم