كتّاب المحبّة

الأب الشهيد نيكولا كلويترز… حين صار الكاهن "وطنًا" لبلدة برقا

خادم الله الأب نيكولا كلويترز (أرشيف برقا)

ليس سهلًا أن تكتب عن الأب الشهيد نيكولا كلويترز كما تكتب سيرة عاديّة. لأنّ الرجل لم يعش "في لبنان" وحسب، بل عاش لبنانًا كاملًا: فقره وجروده ومياهه الشحيحة، عشائريته الجارحة، خوفه في الحرب، ورجاءه الذي لا يموت. والأصعب أن تحكي عنه في برقا، لأنّ برقا ليست مكانًا مرّ عليه، بل مكانًا غيّره، وترك فيه ما هو أعمق من بناءٍ ومدرسةٍ وطريق. ترك أثرًا في الوجدان، وفي معنى أن يكون الكاهن حاضرًا بين الناس لا فوقهم، وأن تكون الروحانية فعلًا يوميًا يترجم الإيمان إلى ماءٍ يُسقى، ومدرسةٍ تُفتح، وخصومةٍ تُطفأ، وقلوبٍ تتصالح.

هذا التحقيق يستند أساسًا إلى ما جُمِع من شهادات ومعلومات موثّقة ومحفوظة في أرشيف محبّي الأب كلويترز في المنطقة، ولا سيّما ما يتابعه السيد حمدان جعجع ابن برقا، المتابع الأول حاليًا لملفّه، وحافظ أرشيفه وصفحة محبّيه على مواقع التواصل الاجتماعي، إضافة إلى ما ورد في السرد التفصيلي لمساره الروحي والاجتماعي والكنسي في كتاب "حبّ متفان لأرض مهملة... سيرة الأب نقولا كلويترز اليسوعي في لبنان" للكاتبة كارول داغر والصادر عن دار المشرق.


من ريشة الرسم إلى عطشٍ روحي

كان نيكولا كلويترز، منذ نشأته، شابًا موهوبًا في الرسم والفن. تخرّج تقنيًا في الرسم، والتحق بأكاديمية الفنون الجميلة في لاهاي، وأصبح أستاذًا في مادة الرسم. لكنّه شعر أنّ الفن وحده لا يروي عطشه. فقبل تخرّجه قصد مدينة تيزيه الفرنسية، لا كزيارةٍ سياحية، بل بحثًا عن مزيدٍ من التعمّق الروحي. وفي تلك البيئة الروحية اللاهوتية التي صارت ملهمةً للكنيسة الكاثوليكية، ولا سيّما بروح المجمع الفاتيكاني الثاني، تشكّل في داخله موقفٌ واضح: حوار الأديان، والدفاع عن الفقراء، وفهم الآخر المختلف والتحاور معه.

منذ ذلك الحين، لم يعد المسيح بالنسبة إليه فكرةً جميلة أو تأمّلًا مريحًا، بل نداءً عمليًا: أن تحبّ إلى النهاية، وأن تذهب نحو الفقير، وأن تتعرّف إلى الآخر المختلف، وخاصة المسلم، لا بخوفٍ أو استعلاء، بل بصدق الحوار وجسر اللغة.


نذورٌ تُعلن الاتجاه

في 8 أيلول 1967، وبعد سنتين من الإعداد الروحي والمعرفي، ارتبط نيكولا نهائيًا بالرهبانية اليسوعية، مبرزًا نذور الفقر والعفّة والطاعة. لم تكن هذه النذور عنده "تقليدًا كنسيًا" يُتلى وينتهي، بل مسارًا يبدأ من الداخل ويظهر في خياراته: في طريقة عيشه، وفي تقشّفه، وفي قناعته أنّ كرامة الإنسان ليست شعارًا، بل مسؤولية يومية.


العربية "جسر خلاص"

في العام التالي، أُرسل إلى لبنان عام 1968 ليُوثّق معرفته بهذا البلد ويتقن اللغة العربية، لا بوصفها لغة تواصل فحسب، بل بوصفها جسرًا للتواصل مع الآخر المسلم، وسبيلًا لتيسير خدمة الفقراء التي كان يزمع تأديتها هنا.

انطلق من دير تعنايل للآباء اليسوعيين، ومنه وسّع نشاطه الاجتماعي الخيري ليشمل الجنوب أيضًا، مشاركًا في الأعمال التطوعية التي أشرفت عليها الحركة الاجتماعية، فكانت له "مدرسة" لفهم مشاكل الناس وتطلعات الشباب، وبناء علاقة حيّة مع الفقير ومع الآخر، ولا سيّما الفقير الشيعي، في زمنٍ كانت فيه الهويات تُستعمل سلاحًا.


كاهنٌ في الـ33 يحمل لبنان في قلبه

بعد سنوات من الأسفار والخبرات في لبنان ودول أوروبية عديدة، مزدانة بنشاطه الفني ومعارضه، وموشّحة باستعداد روحي عميق، سيم كاهنًا في 9 حزيران 1973، وهو في الثالثة والثلاثين من عمره.

ولم تمضِ سنة حتى عاد إلى لبنان في أيلول 1974 ليباشر عمله الرسولي انطلاقًا من تعنايل، تلك الأرض التي تحوّلت على يد اليسوعيين إلى مزرعة نموذجية رغم الأوبئة والمجاعة والحروب والتحولات السياسية. في تعنايل كان يتعلّم يوميًا أن الإيمان لا يُقاس بعدد الصلوات فقط، بل بقدرة الكنيسة على أن تصمد مع الإنسان في أصعب الشروط.


"أين الخدمة الأكثر حاجة؟"

حين سُئل الكاهن اليسوعي الشاب عن المنطقة التي تحتاج إلى الخدمة أكثر من غيرها، قيل له إن نطاق عمله يشمل قرى الهرمل (القاع، إيعات، وادي الرطل) ودير الأحمر (نيحا، القدّام، برقا، زرازير، بيت بو صليبي، بتدعي، أناتا، شليفا) وحدث بعلبك… وأن المسيحيين هناك يحتاجون إلى كهنة يرعون شؤونهم الروحية في أكثر المناطق حرمانًا من خدمات المؤسسات الرسمية.

لكن حدس الأب نيكولا، المعطوف على الدراسات الاجتماعية الميدانية التي أُعدّت عن تلك القرى، أراه بوضوح: برقا وقرى أخرى في جوارها كانت الأشد فقرًا. لم يكن أهلها قادرين على توفير مسكن لكاهن يزورها في الآحاد والأعياد، وكانوا، كما ورد حرفيًا في السرد، "المنسيين من البشر والله ينادوني". وهكذا كان.


المهمة المستحيلة

في برقا واجه الأب نيكولا أول اختبارٍ حقيقي لمعنى "الراعي": لم يكن له في البداية غرفة يقيم فيها. وكان عليه أن يوحّد قلوب الناس قبل أن يبني الحجر. العشائرية والعائلية كانت مسيطرة على النفوس، حتى الاحتفال بالقداس الإلهي كان يجري في كنيستين: لكل عشيرة كنيسة "لئلا يختلط المؤمنون بعضهم ببعض".

وفوق الانقسام، كان الفقر قاسيًا. أرزاق الناس تمتد في الجرود العالية، والحرمان يطاول الماء والتنقل والرعاية الصحية والمدارس. أدرك الأب نيكولا أنّ الطريق طويل، وأن "درب الآلام" الذي انطبعت صورته في وجدانه منذ كان فتى لا يزال في مستهلّه.

ثم اندلعت الحرب الأهلية في 13 نيسان 1975، فاشتدت العصبيات الطائفية وتفجّر الانقسام السياسي. وسط كل تلك المصاعب، كان السؤال الطبيعي: هل يعود أدراجه؟ هل يستقيل من المهمة؟ هل يترك أهل برقا والجوار رهائن فقرهم وتقوقعهم وخلافاتهم؟

والجواب لم يأتِ بخطبةٍ حماسية، بل بألمٍ واقعيّ عاشته المنطقة: شهادة الشاب غصيبة كيروز الذي كان من فريق الأب نيكولا في التعليم الديني، وهو متجه إلى قريته نبحا، وقد أعدّ رسالة يتنبّأ فيها بمقتله، ويطلب من ذويه أن يسامحوا "اللي قتلوني من كلّ قلبكن". كانت هذه العبارة جرسًا روحيًا: أن الغفران ليس شعارًا في الحرب، بل قرارًا يكسر سلسلة الدم.


من بروكسيل إلى العودة

بعد حادثةٍ ألزمته الفراش عام 1976 أشهرًا عديدة، انصرف الأب نيكولا إلى تأملات روحية في بروكسيل. هناك توثّقت صلاته برهبانية الإخوة الصغار، وبجمعيات تُعنى بمساعدة الفقراء وإقامة جسور التواصل والتفاهم مع المسلمين. لم تكن "تجربة بروكسيل" هروبًا من لبنان، بل إعادة شحنٍ روحي ليرجع أكثر صلابة.

ثم عاد إلى موطن الخدمة والتحدي: برقا. عاد ليعمل عملًا دؤوبًا لن يقف عند مقتله بعد تسع سنوات من النضال المتواصل.


برقا تنهض...

عاد الأب نيكولا إلى التفاصيل التي تصنع حياة الناس. عاش معهم، تنقّل معهم حتى الجرود، قاسمهم آلامهم وآمالهم، وعرف أنّ حاجتهم الأولى هي المياه: يسقون منها مواشيهم ويزرعون منها أرضهم. عايش المزارعين الصامدين، أصغى إلى مواجعهم، وعلى رأسها شح المياه والنزاعات عليها. فحرّك علاقاته في بلجيكا وألمانيا وغيرها من أجل جرّ مياه الينابيع الخاصة بالقرية إلى الأراضي الجرداء القابلة للزراعة، وبناء مجارٍ لها.

ثم رأى أنّ نهضة برقا لا تقوم بلا مدرسة لائقة، تُعد الأجيال القادرة على استثمار خيرات الأرض بدل النزوح إلى المدينة. فحشد الجهود، وأقنع راهبات القلبين الأقدسين بإرسال ثلاث راهبات للإشراف على إدارة المدرسة التي بناها أبناء القرية بسواعدهم وعلى عقار تبرعوا به.

ولم يقف الأمر عند المدرسة. أثار همم الشباب لشقّ طريق ترابي يربط برقا بالأراضي الزراعية الواسعة في الأعالي، فشقّوه بأدواتٍ بسيطة وبجهدٍ جماعي، كي يتمكن المزارعون من نقل إنتاجهم إلى الأسواق.

وفي مسار البناء الاجتماعي، تابع بناء قاعة الرعية ومنزل الكاهن، وتوسيع الكنيسة، وافتتاح مشغل ومستوصف ومعمل للمنسوجات بالتعاون مع راهبات القلبين الأقدسين. ولمّا بدأ الناس يشعرون بمعنى "المسؤولية المشتركة"، انطلقت مبادرات جديدة، منها وضع خطة لبناء كنيسة مار شربل في الجبل وسط أشجار التفاح، وتبرع الأهالي بالأموال اللازمة لبنائها، فكانت كنيسة "لكل الناس" بلا تفرقة.

أما في المصالحة، فبلغت لحظةً مفصلية في العام 1980 حين صالح العائلات والعشائر التي عانت الانقسامات، وتمّت المصالحة رسميًا بحضور المطران الراحل رولان أبو جودة ووجهاء العائلات. كسب محبة الأهالي لأنه لم يأتِ ليُدين أحدًا، بل ليجمع الكل حول فكرة واحدة: لا قيام لقريةٍ ممزقة.

وكان يدرك أن رسالته أعمق من الرعاية داخل قرية مسيحية فقط: أن يكون رجل مصالحة في قريةٍ مسيحية محاطة بقرى مسلمة، من خلال زرع بذور الإيمان والمساعدة في الإنتاج، وبناء الثقة حيث الخوف.


الجمعة العظيمة في برقا

في الجمعة العظيمة، نظم الأب نيكولا "درب صليب حيّ" في البلدة بمشاركة جميع الأهالي. هنا عاد الفن إلى قلب الرسالة: وظّف شغفه بالرسم لتجميل نفوس البشر، ورسم لوحاتٍ رائعة، أجملها مراحل درب الصليب في برقا. لم يكن يرسم لتزيين الجدران، بل ليقول للناس: آلامكم ليست عبثًا، ويمكن للإيمان أن يحملها نحو قيامة.

لكنّ كل خطوة إيجابية تولّد في زمنٍ مضطرب غيرةً وحقدًا. ومع نموّ الوحدة وتراجع الانقسام، بدأ عمله يزعزع مصالح وأهدافًا محلية. كان ينهض بالقرية، ورفع الرأس لا يُرضي الجميع.


"مهمة ثانية أسمى"… أن يبذل ذاته!

بعد مغالبته الشرير ومواجهته أمواج المصاعب ونجاحه في إنهاض قرى البقاع الشمالي ولا سيّما برقا، واستعادة الإنسان والمؤمن كرامته، بدا كأن الأب نيكولا أحسّ بانتهاء مرحلةٍ وبداية أخرى: مرحلة البذل النهائي.

وفي مساء 13 آذار 1985، قيل إنه قال كلماتٍ تختصر جوهره الروحي: إن المسيح يسأله: "أتجرؤ على اتباعي من أجل خلاص البشرية وخلاص كل إنسان؟"… وما عساه يجيب إلا: "سأفعل ما بوسعي". هذه العبارة ليست ترفًا أدبيًا، إنها توقيع رجلٍ عاش حياته على حافة الخطر دون أن يتغذى على الخطر، بل على المحبة.


الخطف… العذاب… والقتل

ثم وقعت المأساة التي تحوّلت إلى علامة.

خُطف الأب نيكولا، وتعرّض لأقسى أنواع التعذيب، ونال إكليل الشهادة في 14 آذار 1985. وتؤكد المعلومات المتوافرة أنّه خُطف مساء 13 آذار بعد أن أقام القداس عند راهبات مستشفى بلدة الهرمل، وعاد أدراجه إلى برقا حيث كان الأهالي بانتظاره في صباح اليوم التالي… لكنه لم يصل.

من الجهة التي اختطفته؟ وفق المعطيات التي بين أيدينا في هذا الملف، ظلّت القضية تُروى على أنها تمت "على يد مسلّحين مجهولين". وهذا توصيفٌ جوهري لا يجوز القفز فوقه: فالمعلومات المتاحة التي نستند إليها لا تثبت هوية جهة محددة بقرارٍ قضائي أو إعلانٍ موثّق، بل تؤكد فقط واقع الاختطاف والقتل الوحشي. لذلك تبقى الصيغة الأدق: مسلحون مجهولون في زمنٍ كانت فيه المنطقة تتنازعها قوى وسلاح وفوضى، وكان الإنسان الأعزل يدفع ثمن النور الذي يحمله.

وعُثر على جثمانه في هوّة بعد مرور نحو 17 يومًا على اختفائه، وفي رواية أخرى بعد سبعة عشر يومًا على اختفائه، إثر جهود بحثٍ مضنية بدأت من رفاقه اليسوعيين في تعنايل والراهبات والقوى الأمنية في المنطقة. وتورد التفاصيل أن أحد الرعيان لاحظ في الجرد سربًا من الغربان يحوم فوق هوّة عميقة، فخامرته الشكوك، وأبلغ المسؤولين، فتوصّلوا إلى انتشال الجثة من القعر السحيق.

وكانت علامات العنف صادمة: طلقان ناريان، جسدٌ مُعذّب، مشنوق، وموصوف في السرد بأنه "مخَوْزَق"، بما يشير إلى شدّة الحقد المتملّك بقاتليه. ليست هذه تفاصيل لإثارة الغرائز، بل لإظهار معنى الاستشهاد في واقعه القاسي: أن الرجل لم يُقتل صدفة، بل قُتل لأنه كان، بحياته كله، اعتراضًا على منطق الإذلال والخوف.


دفنٌ لتفادي الانتقام…

من أجل تفادي المشاكل وعدم الانتقام، دُفن الأب نيكولا في دير تعنايل. وتمّت مراسم الدفن في 3 نيسان 1985، وهو الأربعاء من أسبوع الآلام العظيم، في جوّ من التأثر العارم والتقوى العميقة.

أما برقا، فاختارت أن تقيم مراسم جنازته في الجمعة العظيمة لتسلّط الضوء على التشابه بين مقتله وموت المسيح. في بلدٍ يتناسل فيه الموت بلا معنى، أراد أهل القرية أن يعيدوا إلى الموت معنى القيامة. فصار استشهاد الكاهن علامة رجاء، لا دعوة ثأر.

هكذا تحوّل "الغريب الهولندي" إلى ابنٍ للقرية أكثر من أبنائها: لأنه مات حيث أحب، وبالطريقة التي عاش بها، متروكًا لله وحده، ومسلّمًا قلبه للناس.


عندما يصبح الدم وثيقة

اليوم، الأب نيكولا كلويترز "خادم الله". وقد دخل فعليًا درب الطوباوية وملف تقديم دعوى تطويبه قد أُرسل إلى مجمع دعاوى القديسين في الفاتيكان. ويُتابع هذا المسار محليًا بجهدٍ كبير السيد حمدان جعجع الذي يحفظ أرشيفه ويواكب ملفه في المنطقة.

ولا يقف وفاء برقا عند حدود الذاكرة والصور والأرشيف. فبحسب ما يؤكّده المتابعون للملف في البلدة، تقدّم أهالي برقا بطلبٍ رسمي لنقل رفات الأب نيكولا كلويترز وضريحه من دير تعنايل إلى برقا، البلدة التي أحبّها حتى النهاية، والتي أعطاها من عمره أكثر مما أعطاها الكثيرون من أبنائها. طلبٌ يحمل معنى يتجاوز "مكان الدفن": إنه تعبيرٌ عن رغبة الناس بأن يعود "أبوهم" إلى بيته، وأن يكون حضوره الملموس بينهم، إلى جانب حضوره الروحي، شاهدًا دائمًا على ما صنعه فيهم، وعلى أن الحب الذي زرعه لم يمت بموته، بل ظلّ يتنامى مع السنوات.

هذا المسار الكنسي ليس تفصيلًا إداريًا. إنه اعتراف بأن حياة الرجل ليست "حدثًا في الحرب" بل شهادة في الإيمان، وأن الكنيسة، حين تتأكد من عناصر الاستشهاد وفضائل الحياة، تضعه أمام المؤمنين كنموذج: ليس لأننا نهوى الموت، بل لأننا نحتاج إلى شهودٍ يثبتون أن المحبة أقوى من السلاح.


ما لا يهدمه الزمن!

ترك الأب نيكولا في برقا أشياء تُرى: مدرسة، قاعة رعيّة، بيت كاهن، توسعة كنيسة، مستوصف، مشاغل، مشاريع ريّ، طرق زراعية، مبادرات زراعة، ورسوم درب الصليب. وترك أشياء لا تُرى لكنها أثمن: ثقافة البقاء بدل النزوح، منطق المصالحة بدل الانقسام، روح العمل الجماعي، وجرأة أن تكون القرية "كنيسة واحدة" لا جماعتين.

لكنّ الأثر الأعمق ليس ما شُيّد بالحجر وحده، بل ما استقرّ في القلب. فبحسب السيد حمدان جعجع، مرّت سنوات طويلة على غياب الأب كلويترز، غير أنّ إرثه لا يزال حاضرًا في البلدة: بين ناسها وأرضها ومبانيها. لم يستطع أهالي برقا نسيانه، بل مرّت الأيام وبقي الحبّ له يزداد. واليوم، يكاد يستحيل أن تمرّ أمام بيتٍ في برقا أو تدخل إليه، من دون أن تلمح صورةً للأب نيكولا: على الحائط، قرب الأيقونات، في غرفة الضيوف، أو في زاوية تُشبه "مزارًا" صغيرًا لذاكرة رجلٍ لم يعد حاضرًا بجسده، لكنه لم يغادر يومًا وجدانهم.

وترك أيضًا معنى أن الكاهن ليس فقط "مقيم قداس"، بل رفيق فقر، وطبيب معنويات، ومهندس رجاء. رجلٌ كان يزور تعنايل مرّة أسبوعيًا ليبقى على تواصل مع رفاق دربه اليسوعيين، ثم يعود إلى الهرمل وبرقا وقرى دير الأحمر والقاع وإيعات ووادي الرطل… كأنه يوزّع نفسه خبزًا على مساحةٍ كاملة.

لأن الأب كلويترز لم يقدّم خدمةً ثم انسحب، بل قدّم حياةً ثم بذلها. ولأن برقا لم تكن له "رعيّة" بالمعنى الإداري، بل كانت "أمانة". ولأنه في زمن الحرب، حين كانت الكراهية أسهل من المصالحة، اختار المصالحة. وفي زمن الفقر، حين كان اليأس أسرع من البناء، اختار البناء. وفي زمن الخوف، حين كان الهرب يبدو حكيمًا، اختار البقاء.

في النهاية، لا يعود السؤال: من قتله؟ وحده. بل: ماذا فعل قبل أن يُقتل؟ وكيف صنع من قرية فقيرة، منسية، ممزقة، مكانًا قادرًا على الوقوف من جديد؟

إنه سؤالٌ يليق بقديسٍ محتمل… وببلدٍ يحتاج إلى شهودٍ يشبهونه: لا يعلّقون الرجاء على الشعارات، بل يزرعونه في التراب، ويسقونه بماءٍ يُجرّ من بعيد، ويحرسونه بمحبةٍ تُبذل حتى النهاية.

عودة إلى المقالات