كتّاب المحبّة

صفحات من تاريخ المارونية ... لبنان الذي لا يُحمل على الظهر بل في القلب

صفحات من تاريخ المارونية ... لبنان الذي لا يُحمل على الظهر بل في القلب

كلما التقط يراعي لأدبّج سطورا عن تاريخ لبنان ترتسم أمام ناظريّ صورة أطلس، ذاك العملاق الأسطوري الذي حُكم عليه أن يحمل الكرة الأرضية على كتفيه عقابًا له. أقف طويلًا أمام هذه الصورة، لا لأتأمّل ثقل الأرض، بل لأتخيّل ثقلًا آخر: ماذا لو حُكم على أطلس أن يحمل خريطة لبنان بدل الكرة الأرضية؟ هل كان سيقدر؟ ثمّ يرتدّ السؤال إليّ: لو حُكم عليّ أن أحمل خريطة لبنان على كتفيّ طوال حياتي، فهل أستطيع؟

أقولها بصدقٍ يوجع: لا. 

ليس لأنّني أتنصّل من حبّه، بل لأنّني أعرفه.

أطلس شخصيّة أسطوريّة، وقصّته خياليّة، أمّا أنا فلبنانيّ من لحم هذا الجبل ودم هذا البحر. أطلس سرق نارًا مقدّسة، أمّا أنا فسرقتني نار الحبّ المقدّس لهذا الوطن. أطلس حمل كرةً ملساء مستديرة، أمّا خريطة لبنان فنتوءاتها حادّة، كصخور جباله، كحدود تاريخه، كجراح حاضره. لبنان لا يُحمل على الظهر. لبنان يُحمل في القلب. كيف لا، وخريطته نصف قلب؟ وكيف لا، وهو وطنٌ مساحته أصغر من أن تُرى على الكرة الأرضيّة، وأكبر من أن يُقاس بالمسافات؟

الجبل الذي يغسل قدميه بالبحر

يستلقي الجبل الأبيض على امتداد الخريطة اللبنانيّة. قممه مكلّلة بالثلج، وسفوحه مشبعة برائحة التراب المبلّل بالتاريخ. وعند مصبّ نهر الكلب، يغسل الجبل قدميه بزبد البحر، كما لو أنّه يُجدّد عهده بالأبد. هناك، على الصخور الكلسيّة، لم تُكتب قصائد حبّ، بل نُقشت انتصارات وغزوات. تسعة عشر نقشًا، بلغات ثماني حضارات، مرّت من هنا واعتقدت أنّها مرّت إلى الأبد. مرّ رعمسيس الثاني، وخلّد مآثره بالهيروغليفيّة. ومرّ أسرحدّون، وقاهر مصر السفلى، وكتب بلغته الآشوريّة. وسار نبوخذ نصر الثاني، مخرّب الممالك، وتبعه كاراكلا، إمبراطور روما. كلّهم مرّوا. كلّهم نقشوا أسماءهم. لكنّ أحدًا منهم لم يستطع أن ينقش روحه في هذا الجبل. لأنّ لبنان ليس صخرةً تُحتلّ، بل روحًا تُعاش.

منذ ما قبل التاريخ… إلى الذاكرة

قبل أن يُكتب التاريخ، كان هنا إنسانٌ ينحت الحجر، ويُشعل النار، ويدفن موتاه في حضن الأرض التي أحبّها. قبل الفينيقيّين، وقبل المدن، وقبل السفن، كان هناك صمتٌ مقدّس يملأ الكهوف، وصوت ريحٍ يُحدّث الأشجار. ثمّ جاءت المدن الساحليّة، فصارت المرافئ أبوابًا على العالم. هنا تعلّم البحر أن يحمل الحرف. هنا وُلدت الأبجديّة، فصار الصوتُ علامة، والعلامةُ ذاكرة، والذاكرةُ هوية.

لم يكن لبنان يومًا هامشًا في كتاب الحضارات. كان الصفحة التي تبدأ منها الفصول. من جبيله إلى صوره، من أوغاريت إلى صيدا، كتب أجدادنا تاريخًا لم يكن توسّعًا عسكريًا بقدر ما كان انتشارًا ثقافيًا. كانوا مستعمِرين بالحرف، ومستعمَرين بالقوّة، لكنّهم لم يفقدوا يومًا قدرتهم على العودة إلى ذاتهم.

وطنٌ بحجم الكون

يقول البعض إنّ لبنان صغير. وأقول إنّ الكون يتّسع فيه. في مساحته الضيّقة تتجاور القمم والوديان، الأديان واللغات، الحضارات والطقوس. هو مختبر التاريخ، ومفترق الطرق، ومرآة الشرق والغرب. ولو فُرض عليّ أن أحمله على كتفيّ، لكان أثقل من كرة أطلس، لأنّه ليس جغرافيا فقط، بل ذاكرة وألمًا وأملاً. لبنان مساحة من نورٍ ووجع. جبلٌ أبيض، وبحرٌ أزرق، ونقوشٌ حجريّة تشهد أنّه وُجد ليصمد، لا ليزول.

نحو المسار الكرونولوجي

في هذه السلسلة، "صفحات من تاريخ المارونية ولبنان"، سنبدأ من الجذور. من الاسم وتكوينه. من اللُّقى والحفريّات التي سبقت الحرف. من الرُّقم التي خطّت تاريخ المدن الفينيقيّة.

من الأبجديّتين الكنعانيّتين، الأوغاريتيّة والفينيقيّة. ومن سؤالٍ كبير: كيف يكون الفينيقيّ مستعمِرًا ومستعمَرًا في آن؟ لن نبدأ بتاريخ المارونيّة بعد. لأنّ المارونيّة، مثل شجرة الأرز، لا تُفهم إلا إذا عرفنا التربة التي نبتت فيها.

لبنان ليس عبئًا على الكتفين. هو دعوةٌ إلى أن نكون على مستوى قلبه. فإن كان أطلس قد حُكم عليه أن يحمل الأرض، فنحن مدعوّون أن نحمل لبنان… حبًّا، ووعيًا، ومسؤوليّة. لأنّه، ببساطة، لا يُحمل على الظهر، لكثرة النتوء الظاهرة في خريطته، بل يُسكن في القلب.


عودة إلى المقالات