كتّاب المحبّة
لبنان… الإسم الذي يفيض عطرًا وتاريخًا
ليست الأسماء حيادية. ليست ألفاظًا عابرة نطلقها على الجغرافيا ثم نمضي. الاسم هو العتبة الأولى لفهم التاريخ، وهو المفتاح الذي يفتح أبواب الذاكرة. ومن أراد أن يفهم لبنان، لا يبدأ بحدوده السياسية، بل باسمه؛ لأن في الاسم تختبئ الحكاية.
من "لبن" الأبيض، إلى "اللُّبان" العطر، إلى "كنعان" الأرض، إلى "فينيقيا" الأرجوان، إلى "سلاليم لبنان" الممتدة على الساحل… نكتشف أنّ لبنان لم يكن يومًا اسمًا جامدًا. إنّه طبقات من المعاني، تتراكم كما تتراكم الصخور، وتتعطّر كما يتعطّر البخور. هو جبل وعبق. هو حرف ولون. هو جغرافيا تحوّلت قدرًا.
هذا الفصل ليس بحثًا في الاشتقاق اللغوي فحسب، ولا استعراضًا تاريخيًا للأسماء التي أطلقت على هذه الأرض. إنّه محاولة لقراءة الهوية عبر الاسم، ولرؤية التاريخ في مرآة الكلمة. سننتقل من الجذر السامي "لبن" إلى فضاء "كنعان"، ومن الدور البحري في "فينيقيا" إلى التركيبة الجيوسياسية التي عُرفت بـ"سلاليم لبنان"، لنفهم كيف تراكبت الأسماء بدل أن تتنافى، وكيف صنعت طبقات المعنى وحدةً حضارية واحدة.
فالاسم، في النهاية، ليس مجرّد لفظ. إنّه ذاكرة. ومن يعرف اسم لبنان، يعرف سرّ مسيرته.
كتبتُ يومًا في كتابي "الحبر المتعدّد الأبعاد" أنّ لُبْنَان هو جبل البخور الذي أخبر عن عطره هوشع النبي في الكتاب المقدّس حين قال: "وتَنتَشِرُ فُروعُه وَيكونُ بَهاؤُه كالزَّيتونِ ورائِحتُه كلبنان" (هوشع 14: 7). وهو عطر هذا الشرق الذي استعار منه حبيب نشيد الأناشيد فوحًا ليغنّي عطر محبوبته: "شَفَتاكِ تَقطُرانِ شَهْدًا أَيّتها العَروس، وتَحتَ لِسانِكِ عَسلٌ ولَبَن، ورائِحَةُ ثِيابِكِ كرائِحَةِ لُبْنَان» (نش 4: 11).
إنّه "الأكثر من بلد"، الذي أُنيط به أن يلعب دور الرسالة في هذا الشرق الأوسط. هو مَنسكةُ الموارنة الذين حوّلوا هذا الجبل الصخري إلى أرض خصبة بالغلال والحبّ، بالقداسة والعيش المشترك (قنبر، 2013، ص. 80).
عن معنى اسم لُبْنَان، وعن موقعه الجغرافيّ، سنتكلّم في هذا الفصل. سنغوص في النصوص والرُقم الغابرة لنسألها عن بياض الثلج وخُضرة الأرز، وعن عَبَق اللُّبان. وفي بحثنا عن كلّ ذلك، سنستجلي التاريخ لنعرف سبب إطلاق اسمي كنعان وفينيقيا على لُبْنَان، ثم نستوضح معنى اسم "سلاليم لُبْنَان".
أولا : لُبْنَان - الاسم والمعنى
للأسماء انعكاساتها العميقة ومعانيها القويّة؛ فهي تحمل قيمًا ومفاهيم من الفكر والتراث والرموز. ومن بين تلك الأسماء أسماء الأشخاص والدول والأماكن والجبال والأنهار. سنُعمِل الفكر، ونُسائل اللغة، وننبش الوثائق الغابرة، لنستوضح معنى اسم لُبْنَان ومدلولاته.
"لُبْنَان" لفظ مستمد من اللغات الساميّة القديمة. وقد ورد باسم "لُبْنَانا" و"لُبَان" عند الأكاديين، و"لُبْنَانو" في النصوص الآشورية والبابليّة، و"لِبْنون" في الآرامية والعبرية، ومنها اشتقّ اليونان والرومان الاسم "ليبانوس" (Libanos)، فيما ضبطه العرب "لُبْنَان" بضمّ اللام وسكون الباء (Brown et al., 1906؛ Lipiński, 2001).
والاسم مشتق من الجذر السامي المشترك "لبن" الذي يعني "الأبيض"، وهو ما تؤكده المعاجم السامية المقارنة (Lipiński, 2001). وكان اسم "لُبْنَان" يُستعمل منذ القدم للدلالة على الكتلة الجبلية الممتدة من نهر إليوثيروس Eleutherus (النهر الكبير) شمالًا، حتى تخوم أرض الميعاد جنوبًا (Hitti, 1959).
وتعود تسمية لُبْنَان بـ "الجبل الأبيض" إمّا لبياض ثلوجه التي تكسو قممه في معظم فصول السنة، وإمّا لطبيعة صخوره الكلسيّة البيضاء، وهو تفسير يتوافق مع المعطيات الجيولوجية الحديثة (Zohary, 1982).
*اللُّبان والعطر المقدّس
لاسم لُبْنَان معنى آخر يُرجعه بعض الباحثين إلى شجرة عطريّة مشهورة هي شجرة "اللُّبَان" أو "اللُّبْنَى". و"اللُّبَان" في العربية يعني البخور. وكانت هذه الشجرة، التي سمّاها اليونان Styrax, معروفة في جبال فينيقيا، وقد ذكرها بلين الأكبر في كتابه التاريخ الطبيعي (Pliny, Naturalis Historia, XII).
ويذكر كونتنو Contenau أنّ العطر المتأرجح من غابات الأرز في الهواء لمسافات بعيدة هو ما جعل الأقدمين يسمّون جبال لبنان "جبال العطور" (كونتنو، 2001، ص. 31). ويؤكد الجغرافيون الكلاسيكيون أنّ الأرز اللبناني Cedrus libani شكّل عنصرًا اقتصاديًا وروحيًا أساسيًا في حضارات الشرق الأدنى القديم (Aubet, 2001؛ Markoe, 2000).
*لبنان وسنخونياثون: بين الأسطورة والتاريخ
ولاسم لُبْنَان دلالة أخرى في بعض التقاليد القديمة، إذ يُنسب في روايات سنخونياثون Sanchuniathon إلى بطلٍ مؤلّه حمل اسمه الجبل. وقد أشار أرنولد توينبي Arnold Toynbee في محاضرته في "الندوة اللبنانية" (1957) إلى قِدم الاسم قياسًا بكنعان وفينيقيا.
غير أنّ الدراسات الحديثة ترى أنّ نصوص سنخونياثون وصلت إلينا عبر فيلو الجبيلي (Philo of Byblos) في العصر الروماني، ما يجعل التعامل معها خاضعًا للنقد التاريخي المقارن (Aubet, 2001). ومع ذلك، فإنّ رمزية الاسم تظلّ دالّة على وعيٍ حضاري عميق سبق تشكّل الكيانات السياسية اللاحقة.
*لبنان في القراءة الرمزية
أما معنى اسم لُبْنَان بالآرامية، كما يورده الشاعر الفيلسوف سعيد عقل، "لبّ أنان" أي "قلب الله"، فهو تفسير رمزي أكثر منه اشتقاقًا لغويًا علميًا. غير أنّ رمزيّته تنسجم مع التجربة التاريخية للبنان: كان دائمًا قلبًا نابضًا، لا هامشًا منسيًّا. ملتقى طرق، لا عزلة منقطعة. مكان عبادةٍ وحوار، لا صحراء صمت.
ثانيًا: كنعان – الأرض المنخفضة أم بلاد الأرجوان؟
أقدم اسم أُطلق على بلاد سوريا وفلسطين هو "كنعان". وتشير بعض الدراسات إلى أنّ الكلمة سامية الأصل من الجذر "كَنَعَ"، وتعني "الأرض المنخفضة" في مقابل "الأرض المرتفعة" أي الجبل اللبناني.
غير أنّ مدرسة أخرى، يمثلها William F. Albright وAlbrecht Alt، رجّحت احتمال الأصل الحوري للكلمة، وربطتها بصناعة الأرجوان، بحيث تعني "بلاد الأرجوان". وقد ورد الاسم بصيغ متعدّدة في النصوص الأكادية ورسائل تل العمارنة، ما يدلّ على انتشاره الواسع في الألف الثاني قبل الميلاد (حتّي، 1978، ص. 82).
تكشف نصوص أوغاريت أنّ الفضاء الكنعاني كان وحدة ثقافية-دينية متماسكة، ما يجعل "كنعان" توصيفًا حضاريًا أكثر منه سياسيًا (Aubet, 2001). وفي هذا الإطار، يظهر لبنان كجزء مرتفع من هذا الفضاء المنخفض، في علاقة تكامل بين الساحل والجبل.
ثالثًا: فينيقيا – الأرجوان والبحر
لفظ "فينيقيا" إغريقي مشتق من Φοίνικες (Phoinikes)، أي "الأرجوان". والكلمة تشير في آنٍ إلى اللون القرمزي وإلى الشعب الذي اشتهر بإنتاجه. أطلق الإغريق هذا الاسم على الكنعانيين البحّارة الذين تبادلوا معهم التجارة، ثم أصبح الاسم مرادفًا لهم في الأدبيات الكلاسيكية (حتّي، 1978).
غير أنّ الدراسات الحديثة تميّز بين "كنعاني" كتسمية إثنية-ثقافية أقدم، و"فينيقي" كتسمية يونانية مرتبطة بالدور البحري والتجاري (Markoe, 2000).
ومن صور وصيدا انطلق الأرجوان إلى العالم، ومعه انطلقت الأبجدية التي ستشكّل الأساس للكتابات المتوسطية. لم يكن الفينيقي فاتحًا بالسيف بقدر ما كان فاتحًا بالحرف.
أرجوان الوداع (نصّ أدبي)
تجمّدت الدموع في المآقي رافضة أخذ طريقها إلى الخدود، فالوقت ليس للبكاء، ورحيل الصَوَارِ لا يعني الوداع.
الشاطئ يعجّ بصخب الأيادي تلوّح بمناديل الفراق، فترسم لوحة سرياليّة، يمتزج فيها لون الواقع المرّ بلون الأحلام العِذاب التي ستبني "قرطاج". وعلى متن السفينة المتأهبة لمخر عِبَاب البحار وَقَفَت "أليسار".
-"صورُ، يا مدينة المدائن! صورُ يا كلّ الصُوَر! لن أشتاق إليك، فرسمك باقٍ في كياني. لم يتقبّل توأمي أن نحكُمكِ معًا، لذا سأرحل عنك، وسأبني لكِ في تونس توأمًا. سأرسم حدودك بجلد ثور، سأوثّق تاريخك بأبجديّة خلود. سأحكي للناس قصصَ صمود أبنائك الصوريين وبطولاتهم. سأرنّم مع كلّ إشراقة شمسٍ ترانيم العذارى، وأهازيج الأمهات. ومع كلّ غروب سأمزج غيوم الأفق بلونك، لون "ملكرت"، الإله الحبيب، لون الأرجوان..."
رحلت أليسار، ولم تعد. ومع كلّ غروب يجلس الصوريّون عند الشاطئ، يرصدون الأفق، علّهم يلمحون طيفَ محبوبتهم "أليسار". وما ان تتلوّن الغيوم المواكبة للشمس بلون خدودهم، حتى تجري من مآقيهم دموع أرجوانيّة، تتلقّفها أصداف الموركس، القابعة بين الصخور، لتحافظ، هي أيضًا، على لون الأرجوان!
(من كتاب "الأجنحة البيضاء" للخوري مخائيل قنبر الصادر عن دار البنان)
رابعًا: سلاليم لبنان – الجغرافيا التي صنعت التاريخ
يتكوّن لبنان الطبيعي من سلسلة مدن ساحلية، وخلفها جبال كثيفة قليلة السكان. كانت كل مدينة كيانًا سياسيًا مستقلًا: أرواد، جبيل، صيدا، صور… مدن-دول، لا مملكة موحّدة.
تعاقب الموانئ على الساحل أطلق تسمية "سلاليم لبنان"، إذ كانت كل مدينة بمثابة درجة على سلّم البحر. وكلمة "Skala" اليونانية تعني المرفأ، ومنها اشتُقت كلمة escale في الفرنسية (كونتنو، 2001، ص. 29).
هذا الانقسام الساحلي حال دون قيام مملكة مركزيّة قويّة، لكنه أتاح ازدهار التجارة والاستقلال المدني. وقد أحسن الفينيقيون استغلال الموقع، فأسّسوا مدنهم قرب رؤوس بحريّة وجزر تحميهم عند الغزو، كما في أرواد وصيدا وصور.
وصور، التي بُنيت أصلًا على جزيرة، رُدمت مياهها خلال حصار الإسكندر الأكبر سنة 332 ق.م، فصارت برًّا وبحرًا في آنٍ واحد.
هكذا صنعت الجغرافيا التاريخ، وصاغت المدن هويةً بحريةً مفتوحة على المتوسط، لكنها متجذّرة في جبلها الأبيض.
* لبنان – كنعان – فينيقيا… طبقات الاسم ووحدة المعنى
إذا تأمّلنا في أسماء هذه الأرض – لبنان، كنعان، فينيقيا – لا نجد أمامنا ثلاث هويّات متنازعة، بل ثلاث طبقات متراكبة لاسمٍ واحد، يشبه الجبل الذي يحملها: ظاهرُه صخر، وباطنه تاريخ، وفضاؤه عطر.
كنعان هو الاسم الأقدم، الاسم الجغرافي-الحضاري الذي يصف الفضاء الممتد بين الساحل والداخل، بين السهل المنخفض والجبل المرتفع. هو توصيف أرض قبل أن يكون تعريف شعب. وفي هذا المعنى، يمثّل كنعان الإطار الطبيعي والثقافي الذي احتضن التجربة اللبنانية في بداياتها، حيث لم تكن الحدود السياسية قد رُسمت بعد، بل كانت الأرض تُعرَّف بتضاريسها وفضائها الحضاري.
فينيقيا ليست نفيًا لكنعان، بل تخصيصٌ لها. هي قراءة بحرية لكنعان، هوية انبثقت من الساحل، ومن الأرجوان، ومن السفن التي حملت الحرف إلى العالم. فإذا كان :"كنعان" توصيف الأرض، فإن "فينيقيا" توصيف الدور. هي اللحظة التي خرج فيها الساحل من محليّته إلى عالميّته، وحين تحوّل الجبل خلفه من كتلة طبيعية إلى عمقٍ حامٍ لمدنٍ مفتوحة على المتوسط.
أما لبنان، فهو الاسم الذي يتجاوز الوصف والدور معًا. إنّه الاسم الذي يجمع بين الجبل والساحل، بين الأرض والرسالة. فإذا كان كنعان جغرافيا، وفينيقيا وظيفة حضارية، فإن لبنان هو الوعي التاريخي الذي استوعبهما معًا. هو الاسم الذي ظلّ ملازمًا للجبل، ثمّ اتّسع ليشمل الساحل، فصار رمزًا لكيانٍ تتعايش فيه الطبقات التاريخية دون أن تلغي إحداها الأخرى.
من هنا، لا يجوز النظر إلى هذه الأسماء باعتبارها مراحل متقطّعة، بل باعتبارها وحدة مفهومية ديناميكية:
كنعان: البنية الأرضية والحضارية الأولى.
فينيقيا: الانفتاح البحري والتجاري والثقافي.
*لبنان: الوعي المتراكم الذي جمع الجبل والساحل في هوية واحدة.
هذه الوحدة تكشف أن هوية لبنان لم تُبنَ على القطيعة، بل على التراكم. لم تُصَغْ في لحظة سياسية واحدة، بل عبر قرون من التفاعل بين الجغرافيا والاقتصاد والدين واللغة. فالجبل لم يُلغِ البحر، والبحر لم يُلغِ الجبل؛ بل شكّلا معًا ثنائية تكاملية صنعت الشخصية التاريخية لهذه الأرض.
وإذا كان الأرجوان قد أعطى فينيقيا لونها، فإن الثلج أعطى لبنان اسمه، وإن الأرض المنخفضة أعطت كنعان معناها. ثلاثة ألوان، ثلاثة مستويات، لكنها تصبّ في لوحة واحدة.
هكذا نفهم أنّ لبنان ليس وارث فينيقيا فحسب، ولا امتداد كنعان فقط، بل هو صيغة مركّبة لهما معًا. إنّه الاسم الذي احتفظ بالبياض رمزًا للنقاء، وبالأرجوان رمزًا للكرامة، وبالأرض رمزًا للثبات.
وفي هذا التراكم تكمن خصوصيّته: أرضٌ عرفت كيف تكون منخفضة حين تكون خصبة، وساحلًا حين يكون منفتحًا، وجبلًا حين يكون ثابتًا.
لبنان، في نهاية المطاف، ليس مجرّد اسم أطلق على مكان، بل خلاصةُ مسارٍ حضاريّ، تماهت فيه الجغرافيا بالرمز، والتاريخ بالهوية، والاسم بالرسالة.