كتّاب المحبّة
ما هية الصوم؟
الصوم زمن توبة ورجوع إلى الله والقريب والذات. إنّه زمن التلاقي والتآخي والتعاضد والمسامحة والغفران وقبول الآخر بطبعه وطباعه.
الصوم هو زمن السهر على الذات حتَّى ينتصر الإنسان على عدوِّه الذي يتربَّص محاولاً الإيقاع به.
"إنَّه خزانة مفتوحة للعقلاء، وفرح قلب العلماء، وغذاء عقل لدى الحكماء... ها إنَّ الصوم يمنح نوعين من الجمال، يزيِّن الجسد والنفس معًا. يعطي النفس سناء أمام الملائكة، ويعطي الجسد بهاء أمام البشر". (مار أفرام السريانيّ).
"الصوم هو الإمساك عن جميع الرذائل والتمسُّك بجميع الفضائل... الصوم هو أن تحلَّ أغلال الإثم، وتقطع ربط الظلم، وتجانب المكر والغشّ وتعتق المستعبدين، الأيتام والأرامل، ولا تتغاضى عن لحمك ودمك". (يوحنَّا الذهبي الفمّ).
1) لمحة تاريخيَّة
لم تكن ممارسة الصوم خاصَّة بشعب إسرائيل. فنحن نجدها في ديانات عديدة، حديثة وقديمة. قد نفسِّر هذه الممارسة في نظرتنا الحديثة على أنَّها نسك ينمِّي السيادة على النفس والاستقلاليَّة عن الخيور المادّيَّة. أو عمل إماتة وتضحية. لكنَّ هذا ليس هو المدلول الدينيَّ الأوَّل للصوم.
على مرِّ التاريخ أخذ الصوم يتطوَّر من فعل فرديٍّ ليأخذ طابعًا ليتورجيًّا. صام موسى أربعين يومًا لينال الوصايا على جبل سيناء، ثمَّ صام مرَّة ثانية. كذلك إيليّا صام ليعرف ما يريده الله منه.
صام المسيح مدَّة أربعين يومًا ليعرف مشيئة الله. قاده الروح إلى البرّيَّة، ليُجرَّب من الشيطان ولينتصر عليه. ودعا التلاميذ إلى اختبار فعاليَّة الصوم التي تنتصر على حيل الشيطان.
لم يكن المسيحيُّون في أوائل انتشارهم يصومون، إذ كانوا يعيشون الاضطهاد العنيف ولا يعرفون متى يُمسَكون ويُضطهَدون. لكنَّ المسيحيِّين المحكوم عليهم بالموت كانوا يستعدُّون لملاقاة ربِّهم بالصوم والصلاة تكفيرًا عن خطاياهم، وليكونوا أهلاً لملاقاة العريس السماويِّ بحلَّة البرارة والنقاوة.
بعد إعلان الحرِّيَّة الدينيَّة في الإمبراطوريَّة الرومانيَّة سنة 313، اهتمَّ المؤمنون بعيش نوع جديد من الاستشهاد ألا وهو التنسُّك والعزلة اللذين يرافقهما الصوم والصلاة وأعمال التقشُّف ونكران الذات. فانتشرت المناسك وأُنشئت الرهبانيَّات في مصر وبلاد ما بين النهرين وبلاد سورية.
عندئذٍ، أخذت الكنيسة تهتمُّ بالقضايا الطقسيَّة وتسعى إلى وضع أسس لها فاهتمَّت بخاصَّة بليتورجيَّة الصوم كفترة تستطيع من خلالها التقرُّب من المسيح الإله المتجسِّد، والسير معه في مسيرة الآلام لتبلغ معه مجد القيامة.
2) فكرة روحيَّة
إذا عدنا إلى العهد القديم وجدنا ظرفين رئيسيَّين يُطلب فيهما الصوم: حصلت مصيبة كبيرة فنصوم توبة وحدادًا. هناك حدث مهمٌّ، نستعدُّ له بالصوم. يموت عندنا شخص فنصوم ونمارس الحداد.
بعد معركة الجلبوع، صام أهل يابيش سبعة أيَّام، هي أيَّام الحداد العاديَّة (1 صم 31: 13). وحين علم داود بموت شاول ويوناثان، مزَّق ثيابه وبكى وصام حتَّى المساء. وصام أيضًا حتَّى المساء بعد موت إبنير، قائد جيش شاول (2 صم 3: 35). أمّا يهوديت فتفعل أكثر من ذلك: تصوم "كلَّ أيّام ترمُّلها" (يه 8: 5-6) وسارت حنَّة النبيَّة على خطاها (لو 2: 37)، وصام اليهود أيضًا ليتذكَّروا أحزانهم الوطنيَّة (زك 8: 19).
عندما واجهت الأمَّة كارثة، دعا يهوشافاط الشعب للالتجاء إلى الله بالصوم لمدَّة محدَّدة. فبالتخلُّص من البرنامج اليوميِّ في إعداد الطعام وتناوله، أمكنهم تكريس هذا الوقت الإضافيِّ للنظر في خطيئتهم وللصلاة إلى الله ليعينهم، فآلام الجوع توقظ مشاعر التوبة، وتذكِّرهم بضعفهم واعتمادهم على الله. وما زال الصوم نافعًا اليوم في طلب مشيئة الله في مواقف خاصَّة (2 أخ 20: 3).
تذلَّل عزرا والشعب بالصوم والصلاة، فاستجاب الله صلواتهم. تذلَّلوا بالصوم، لأنَّ ارتحالهم بدون طعام، ذكَّرهم باعتمادهم الكامل على رعاية الله. كما أنَّ الصوم أتاح لهم وقتًا أطول للصلاة والتأمُّل في الله.
كثيرًا ما نصلِّي باندفاع وبلا تروٍّ، بينما الصلاة الجادَّة تستلزم جهدًا صادقًا، فهي تجعلنا على صلة بمشيئة الله، ويمكنها أن تغيِّرنا حقيقة. وبدون هذا النوع من الصلاة، نجعل من الله مجرَّد صيدليَّة إسعاف سريع لتمدَّنا بمسكِّنات لكلِّ وجع، وليس الله الذي نريد أن تكون لنا معه شركة حميمة (عز 8: 23).
الصوم هنا فترة من الوقت لا يتناول الناس فيها طعامًا ويقتربون إلى الله بتواضع وندم على الخطيئة، وبصلاة حارَّة. كان الناس يصومون في أيَّام العهد القديم وقت النكبات والكوارث ليركِّزوا نظرهم على الله ويظهروا تغيُّر قلوبهم وتكريسهم الحقيقيّ. وكان المجمع المقدَّس عبارة عن تجمُّع دينيٍّ عامّ ينعقد ليتسنَّى لكلِّ واحد التوبة والصلاة من أجل رحمة الله (يوء 1: 14).
الصوم أو البقاء بدون طعام لصرف وقت في الصلاة، أمر نبيل وصعب. إنَّه يتيح لنا وقتًا للصلاة، ويعلِّمنا ضبط النفس، ويذكِّرنا أنَّنا نستطيع أن نعيش بكمّيَّات أقلَّ، ويساعدنا لأن نقدِّر عطايا الله. لم يكن الربُّ يسوع يدين ممارسة الصوم بل الرياء، أي الصوم لكسب الثناء من الناس. كان الفرِّيسيُّون يصومون اختياريًّا مرَّتين في الأسبوع، لكي يطبعوا في أذهان الناس أنَّهم "أتقياء". ولكنَّ الربَّ يسوع مدح أعمال التضحية بالذات التي تتمُّ في هدوء وبإخلاص، فأراد أن يخدمه الناس للأسباب الصحيحة وليس عن رغبة أنانيَّة في كسب المديح (مت 6: 16).
عندما تحدَّث يسوع عن الصلاة والصوم لطرد الشياطين، أراد بذلك أن يقول إنَّ الصلاة والصوم ليسا وحدهما كفيلَين بإتمام المعجزة، فالصلاة والصوم دليلان على الإيمان والاتِّضاع أمام الله، وبدونهما لا يمكن أن يكون هناك أمل في النجاح (مت 17: 21).
أمَّا يوحنَّا المعمدان فكان أمام هدفين: أن يجعل الناس يتوبون عن الخطيئة، وأن يعدَّهم لمجيء المسيح. وكان هذا وقت لفحص النفس العميق، لذا استلزم صومًا، العلامة الخارجيَّة للاتّضاع والندم على الخطيئة. والصوم يفرغ الجسم من الطعام، والتوبة تفرغ حياتنا من الخطيئة. ولم يكن تلاميذ يسوع في حاجة إلى الصوم استعدادًا لمجيئه لأنَّه كان معهم. والربُّ يسوع لم يُدِنِ الصوم بأيِّ حال، فهو نفسه صام بدوافع صحيحة (مر 2: 18).
3) فكرة لاهوتيَّة
يصوم المؤمن أيضًا استعدادًا للقاء الربّ (إش 58: 2-3). فالحرمان يخلق الجوع والعطش إلى أكثر من الطعام والشراب. ويحرِّك الانتظار. هكذا كان موسى في سيناء، ثمَّ إيليّا. والصوم قبل المعركة يدلُّ على التوسُّل، بل على الاستعداد: الله يقاتل مع شعبه ويكون في المقدِّمة (1 صم 14: 24) وصام دانيال ليستعدَّ للاقتراب من الله، لينال أنواره (دا 10: 1-3). وإذا كان يوم التكفير (يوم كيبور) يوم صوم، هو الصوم الوحيد الذي تفرضه الشريعة، فليس لأنَّ الصوم يكفِّر عن الخطايا، بل لأنَّه يهيِّئ المؤمنين للاقتراب من الربِّ الذي وحده يغفر الخطايا. وهكذا نفهم لماذا جمع يسوع الصوم مع الصلاة (مت 6: 5-18؛ لو 2: 37).
ولكن قد يصبح الصوم في بعض المرَّات ممارسة خارجيَّة محضة: لا نصوم حبًّا بالله (زك 7: 5) بل لنجعل ضميرنا مرتاحًا بدون تعب (إش 58) أو لنستجلب إعجاب الناس بنا. لهذا وبَّخ يسوع الفرِّيسيِّين لأنَّهم يتباهون بصيامهم (مت 6: 16؛ لو 18: 12).
فرض يوحنّا المعمدان على نفسه الأصوام القاسية (رج مت 3: 24)، وعلَّم تلاميذه هذه الممارسة، ليجعل نفسه في خطِّ الاستعداد الإسكاتولوجيّ والمسيحانيّ (وهكذا يكون منطقيًّا مع كرازته). في هذا المنظار نفهم جواب يسوع عن الصوم. فالذين تشكَّكوا لأنَّهم رأوا أنَّ تلاميذ يسوع لا يصومون، لم يفهموا المعنى الحقيقيَّ للصوم. نسبوا إليه قيمة مطلقة ومستمرَّة. أصاب سؤالهم التلاميذ. ولكنَّهم أرادوه أن يصل إلى المعلِّم نفسه.
هناك مقطع يخبرنا على أنَّ عددًا من الناس تشكَّكوا حين رأوا أنَّ يسوع ليس ذاك الناسك الذي عرفوه في يوحنّا المعمدان: يقبل الدعوات المتواترة إلى ولائم كبيرة: عرس قانا، وليمة عند لاوي... (مت 2: 16؛ لو 15: 2). بل دعا نفسه في يوم من الأيّام عند زكّا، رئيس العشَّارين في أريحا، فسُمِّي "أكولاً سكِّيرًا" (مت 11: 19).
كان الصوم في مكانه في زمن الاستعداد لمجيء المخلِّص. وبقي الناموس والأنبياء إلى يوحنّا. ومنذئذٍ يبشَّر بملكوت الله (لو 16: 16). أمّا والمسيح هو الآن هنا، فلم يعُدِ الوقت وقت الصيام. فالذين ما زالوا يتعلَّقون بالصيام بهذه الروح، لم يتعرَّفوا بعد إلى "علامات الأزمنة" (مت 16: 3).
إنَّ المعجزات التي أتمَّها يسوع هي علامة عن الملكوت. أكْلُ يسوع مع الخطأة ووضعُ تلاميذه الذين لا يصومون، يصبحان علامة للذي يعرف أن يقرأها ويفهمها. فيسوع لا يعلِّم فقط بأقواله: فسلوكه نفسه هو تعليم. إنَّ أعماله هي فعلات رمزيَّة، على مثال الأنبياء القدماء. لهذا يبدو وكأنَّه يُشكِّك الناس على مثال هؤلاء الأنبياء. مثلاً، مشى إشعيا حافيًا عاريًا في شوارع أورشليم ليدلَّ على وضع البلاد بعد زحف الأشوريِّين (إش 20: 1-6؛ حز 4: 1ي). ويسوع شكَّك الناس حين ذهب إلى بيت زكَّا العشَّار الخاطئ. فأين أهل التقى والورع في أريحا؟ وعلى خطاه سار التلاميذ: مثله ذهبوا إلى الولائم بل اقتلعوا السنابل وفركوها يوم السبت (مر 2: 23-24). وأكلوا طعامًا دون أن يغسلوا أيديهم (مر 7: 1-5) كما تأمر "شريعة" الفرِّيسيِّين.
يسوع لا يصوم لكي يستطيع مواجهة إبليس. والجوع الذي أحسَّ به لا يدلُّ على أنَّه كان وشيكًا أن يسقط في تجربة خيرات هذا العالم. بل، هو ينتظر في السهر ما سوف يكشف الله له. هذا هو معنى الرقم 40. زمن المحنة قبل اللقاء بالربّ.
قال التقليد الرابانيّ إنَّ موسى صام في البرِّيَّة أربعين يومًا وكان الله يقدِّم له غذاء عجائبيًّا. ونصُّ متّى يشير إلى خر 34: 28. إنَّ الإشارة إلى صوم يسوع وجوعه تشدِّد على ناسوته. ولا ننسَ أنَّنا نتكلَّم عن ناسوت الابن الوحيد. هو بشر مثلنا، وبالتالي هو يجوع ويعطش، وهكذا جمع متَّى بين البنوَّة الإلهيَّة والجوع. فألوهيَّة يسوع تبقى مقيمة في حدود تواضع طائع يتسلَّم كلَّ شيء من الله (مر 6: 11).
خلال السنة، تدعونا الكنيسة لكي نصوم أكثر من مرَّة، وفي فترات مختلفة. أبرز تلك الأصوام هو الصوم الكبير والذي يمتدُّ إلى أربعين يومًا، يُضاف إليه أسبوع الآلام الذي هو زمن قائم بذاته. يمكننا أن نتكلَّم عن الصوم الذي يسبق عيد الميلاد والصوم السابق لعيد القدّيسين بطرس وبولس، وأخيرًا الصوم الذي يسبق عيد انتقال أمِّنا مريم العذراء. لماذا نصوم؟
1. تشبُّهًا بالمسيح الذي صام أربعين يومًا وأربعين ليلة في البرّيَّة قبل أن يباشر رسالته العلنيَّة ليكتشف إرادة الله أبيه ويتمِّمها خلال رسالته التبشيريَّة.
2. نصوم نحن لنكتشف على مثال يسوع إرادة الله في حياتنا. إرادته المطلقة هي قداستنا، هي لقاؤنا به من خلال الأسرار.
3. نصوم لنكتشف ضعفنا وأنَّنا لسنا بغنى عن ربِّنا، فنعود إليه بدموع التوبة والاستغفار.
4. نصوم أيضًا لنقوّي إرادتنا فنستطيع التغلُّب عن كلِّ ما يعيقنا من الاتِّحاد بإلهنا وربِّنا يسوع المسيح، تاركين لروحه القدُّوس أن يعمل فينا.
5. نصوم أخيرًا كي نعود إلى الله، ونضعه مجدَّدًا في قلب حياتنا.
الخوري أنطوان الدويهيّ
الوكيل البطريركيّ المارونيّ في القدس