كتّاب المحبّة

الأيقونة: إنجيلٌ صامت… هل فن الأيقونوغرافيا في لبنان إلى زوال؟

الأيقونة: إنجيلٌ صامت… هل فن الأيقونوغرافيا في لبنان إلى زوال؟

في مجتمعنا المسيحيّ، نرى الكنائس القديمة تتجاور مع صخب المدن الحديثة، ففي زوايا كل صرح عتيق عابق ببخور القداسة، يتجلّى الإيمان في أبهى صوره، ويسطع فنّ الأيقونوغرافيا كصلاةٍ مرسومة بالألوان والخطوط، وكإنجيلٍ صامت يُقرأ بالعين قبل أن يُسمع بالأذن.

فالأيقونة ليست مجرد لوحة، إنّما هي نافذة على السماء، تُدخل المؤمن في سرّ اللقاء مع المسيح والقديسين، وتذكّره بأن الفن يمكن أن يكون خدمة روحية ورسالة خلاص.

من هنا، كان لنا لقاء نفتح خلاله صفحات من رحلة شخصية وروحية مع إحدى الكاتبات في فنّ الأيقونة، التي جمعت بين  شغفها الأكاديمي في التصميم الغرافيكي والشغف الروحي العميق، لتخوض تجربة كتابة الأيقونات وتساهم في إبراز هذا الفن على الساحة المحلية والدولية. 

سلسلة من الأسئلة العميقة والفضولية حول هذا الفن الكنسيّ العريق، حملها إلينا هذا اللقاء الشيّق الذي أجراه موقع "صوت المحبة الإلكتروني" حيث كشفت لنا الآنسة "مارتين بطرس" خلاله عن بداياتها، وعن معنى الأيقونة في حياتها، وعن مستقبل هذا الفن في لبنان، وعن التحديات والآمال التي ترافق حضور الأيقونة في لبنان اليوم، لتضع القارئ أمام رحلةٍ تجمع بين الإبداع، الصلاة، والإلتزام الكنسي والتواضع أمام حضور الله، إليكم ما جاء فيه، بكل ما يحمله من معانٍ وإضاءات:


كيف تعرفتِ على فن الأيقونوغرافيا؟

لطالما سكنني حنينٌ غامض لاستكشاف عالم الفنّ المقدس. كنت أرقبه من بعيد بكثير من الرهبة، معتقدةً أنه عالمٌ محصّر خلف أسوار الأديرة، يتطلّب إماتاتٍ تفوق طاقتي. لكن صوتًا داخليًا كان يلحّ عليّ، يبحث عن لغة فنيّة تشبه هويتي كإبنة للكنيسة المارونية. هذا النداء الروحي التقى بمساري المهني؛ فبصفتي حاملة لشهادة الماجستير في التصميم الغرافيكي وعاملة في الصرح البطريركي في بكركي، قررت أن أتوّج هذا الشغف بالدراسة المعمقة. وهكذا، تحوّلت الرغبة إلى مسيرة نضوج، حيث تعانق العلم والتصميم مع اللّاهوت، لتولد الأيقونة من رحم المعرفة والصلاة.


هل هذا الفنّ برأيكِ في لبنان إلى زوال؟

أقولها بملء الثقة: كلا على الإطلاق! ما نعيشه اليوم هو "نهضة" حقيقيّة. نلمس زخمًا لافتًا واهتمامًا يتخطّى التوقّعات؛ فالمعاهد المتخصصة تضجّ بالمواهب الشابة، والإقبال على تعلّم أصول هذا الفنّ في تزايد مستمرّ. الأيقونة في لبنان ليست إرثًا نخشى عليه من الغبار، بل هي كائنٌ حيّ يتنفّس ويتجدّد، محافظًا على أصالته كجزء لا يتجزّأ من هويتنا المشرقيّة.


لماذا تُستعمل كلمة "كتابة" الأيقونة وليس "رسم"؟

لأنّنا في الأيقونة لا نبتدع خيالاً، بل ننقل حقيقة. "أيقونوغرافيا" تعني حرفيًا "كتابة الصورة". نحن "كتّاب" نخطّ كلمة الله باللون والخط؛ فالأيقونة هي بشارة مرئيّة. المصوّر هنا هو مؤتمنٌ على نقل التقليد الكنسيّ بأمانة، لتصبح اللّوحة نصًا لاهوتيًّا يقرأه المؤمن بقلبه، تمامًا كما يصغي للأناجيل بأذنيه.


ما هو شعوركِ عندما تنجزين كتابة أيقونة ما؟

هو لقاءٌ حيّ يفيض بالرهبة. طوال فترة العمل، أشعر بمسؤولية كبرى؛ فكأنّني في حضرة صاحب الأيقونة. يتطلّب الأمر منّي تواضعًا تامًا واستعدادًا روحيًّا، لكي لا تحجب "ذاتي" تجلّي "الله". وعندما تكتمل الأيقونة، يغمرني فرحٌ سماوي، ليس لأنني أنجزت عملًا، بل لأنّني كنت "أداةً" بسيطة نقلت جزءًا من ذاك الجمال المقدّس، وتركت نبض صلاتي بين ثنايا ألوانها.


ما كان شعوركِ عندما كتبتِ أيقونة "سيدة إيليج" واللوغو الخاص بزيارة البابا فرنسيس لقبرص؟

كانت لحظاتٍ تختصر مسيرة من الإيمان والجهد. اختيار عملي ليكون "الهوية البصرية" لزيارة قداسة البابا فرنسيس إلى قبرص عام 2021 كان فخرًا مهنيًّا كبيرًا، لكن اللقاء الشخصي بـ "رسول التجديد" كان الزاد الحقيقي. رأيت في البابا فرنسيس مدرسة في التواضع، وكأنني أقف أمام "جمال المسيح" متجسدًا في وجهه الأبوي. أما اللّحظة التي لن تمحى من ذاكرتي، فهي حين بارك قداسته أيقونة "سيدة إيليج" المارونية. تلك الأيقونة التي كتبتها، أصبحت اليوم شاهدة على تلك البركة في كنيسة "سيدة النعم" بنيقوسيا، وقد تشرّفت بكتابة نسخة ثانية منها قدّمها المطران سليم صفير لرئيس جمهورية قبرص في عيد مار مارون 2024. إنها نعمٌ إلهيّة تفوق الوصف.


ما هي المدة الكافية للتعلّم كي يستطيع الشخص كتابة أيقونة؟

هي رحلة نضوج تستغرق ثلاث سنوات كحد أدنى. لا نتعلّم فيها تحريك الريشة فحسب، بل نغوص في لاهوت الألوان وفلسفتها. يبدأ الطالب برسم الملامح والهالات، وصولاً إلى كتابة المشاهد البيبلية المعقدة. ولمن يبحث عن الأصول، فإن نقابة الأيقونوغرافيين في لبنان (التي تأسست عام 2022) هي المظلّة الرسمية والضمانة لاستمرارية هذا الفن. وجود النقابة هو الرد العمليّ على أن مهنتنا اليوم مؤطرة ومنظّمة، تجمع بين الموهبة الفطرية والأصول الأكاديمية الصارمة.


هل هناك شيء أو معلومة إضافيّة يمكنكِ مشاركة القرّاء بها؟

رسالتي هي: "لا توصدوا الأبواب أمام مواهبكم". الفنّ المقدّس متاح لكل قلب يبحث عن السلام. اسألوا، جرّبوا، وابحثوا؛ فربما تكون الأيقونة هي واحتكم في هذا العالم الصاخب. وأخيرًا، اذكرونا في صلواتكم؛ لكي يبقى الروح القدس هو المحرك الأول لريشتنا، فتكون أعمالنا شاهدةً دائمًا لجمال وجه الله، وبلسمًا لكل من ينظر إليها.


وهكذا وفي نهاية تقريرنا، لا يبقى فنّ الأيقونوغرافيا مجرّد تراثٍ نحافظ عليه، بل رسالة حيّة تتجدّد في قلب الكنيسة والمجتمع. فمن خلال ريشةٍ متواضعة وصلواتٍ صامتة، تتحوّل الألوان إلى لاهوتٍ منظور، والخشب إلى مساحة لقاء بين الأرض والسماء.

في زمنٍ تتسارع فيه الصور وتبهت المعاني، تبقى الأيقونة دعوةً إلى التأمّل والسكينة، تذكّرنا بأن الجمال الحقيقيّ يولد من الصلاة، وأن الفنّ حين يتّحد بالإيمان يصبح رسالة رجاء. فليست الأيقونة لوحة تُعلّق على الجدران، بل إنجيلٌ يُكتب بصمت، ويُقرأ بالقلب قبل العين، ويبقى شاهدًا على حضور الله العامل في تاريخنا اليوم.


لينا هاشم عرب

تلفزيون وإذاعة صوت المحبة



عودة إلى المقالات

إخترنا لكم