كتّاب المحبّة

العائلة خروج نحو أرض الربّ...

العائلة خروج نحو أرض الربّ...

يدعونا هذا الظرف الخاصّ إلى أن نعيش الكلمات التي دعا الله بها إبراهيم لينطلق من أرضه ومن بيت أبيه، إلى أرض غير معروفة، سيريها له هو نفسه (راجع التّكوين 12، 1). 

نحن أيضًا عشنا أكثر من أيّ وقت مضى، عدم اليقين، والوَحدة، وفقدان الأحبّاء، ودُفعنا للخروج من مناطق أماننا، و”سيطرتنا“، وطرق تصرفنا، وأطماعنا، لنهتمّ ليس فقط بخير عائلتنا، ولكن أيضًا بخير المجتمع، والذي يعتمد أيضًا على سلوكنا الشّخصي.

1 - علاقتنا مع الله هي التي تُكوّننا، أشخاصًا وبشرًا، وترافقنا وتحرّكنا، وتساعدنا في النّهاية على ”الخروج من أرضنا“، وفي مرات كثيرة قد نكون خائفين، نخاف من المجهول، ولكن، نحن نَعلم من إيماننا المسيحيّ أنّنا لسنا وحدنا، لأنّ الله فينا، ومعنا وبيننا: في العائلة، وفي الحيّ، وفي مكان العمل أو الدراسة، وفي المدينة التي نعيش فيها.

2 - على مثال إبراهيم، يترك كلٌّ من الزوجَين أرضه منذ اللحظة التي يسمع فيها الدعوة إلى الحبّ الزوجي، فيُقرِّرْ أنْ يَهَب نفسه إلى الآخر دون تحفّظ. وبالتالي، فإنّ الخطبة تعني بالفعل الخروج من الأرض، لأنّها تتطلّب السّير معًا على الطّريق المؤدي إلى الزّواج.

3 - إنّ ظروف الحياة المختلفة: مرور الأيّام، ومجيء الأبناء، والعمل، والأمراض، هي ظروف فيها يحمل الالتزامُ المتبادل كلَّ واحدٍ على أن يترك كسله، وأماكن أمانه وراحته، والخروج نحو الأرض التي وعد الله بها: أن يكونا اثنين في المسيح، اثنين في واحد. حياة واحدة، ”نحن“ (لا أنا ولا أنت) في شركة المحبّة مع يسوع، الحيّ والحاضر في كلّ لحظة من وجودكم.

4 - اعلموا أنّ أبناءكم - وخاصّة الصّغار منهم - يراقبونكم بانتباه ويبحثون فيكم عن شهادة حبّ قوي وموثوق. "كم هو مهمّ أن يرى الشّباب بأعينهم محبّة المسيح الحيّ والحاضر في حبّ الزّوجَين، اللذين يشهدان بحياتهما العمليّة أنّ الحبّ إلى الأبد هو أمر ممكن!".

 5 - الأبناء هم دائمًا عطيّة، ويغيّرون تاريخ كلّ عائلة. إنّهم متعطّشون للحبّ، والتقدير، والاحترام، والثّقة. تدعوكم الأبوّة والأمومة إلى أن تكونوا فعلًا والِدين، تَلِدون في أبنائكم فرح اكتشاف أنفسهم أبناء الله، وأبناءَ أبٍ أحبّهم بحنان منذ اللحظة الأولى، ويأخذ بيدهم كلّ يوم. يمكن أن يمنح هذا الاكتشاف لأبنائكم الإيمان والقدرة على الثّقة بالله.

7 - المربّي هو الشّخص الذي ”يَلِد“ بالمعنى الرّوحي، وقبل كلّ شيء يضع نفسه في موضع المسؤولية، ويقيم علاقة. من المهمّ، لكونهما أبًا وأمًّا، أن يضعا أنفسهما في علاقة مع الأبناء، انطلاقًا من سلطة مكتسبة يومًا بعد يوم. الأبناء بحاجة إلى الأمان الذي يساعدهم على أن يختبروا الثّقة بكم، وبجمال حياتهم، واليقين من أنهم لن يكونوا وحيدين أبدًا، مهما حدث.

8 - تذكّروا أن العائلة هي "خليّة المجتمع الأساسيّة" (الإرشاد الرّسولي، فرح الإنجيل، 66). الزّواج هو حقًّا مشروعٌ لبناءِ "ثقافة اللقاء" (رسالة بابويّة عامّة، Fratelli Tutti”كلّنا إخوة“، 216). لهذا على العائلات أن تقبل تحدِّيَ بناء الجسور بين الأجيال، لنقل القيّم التي تبني الإنسانيّة. نحن بحاجة إلى إبداع جديد، في التّحديات الحاليّة للتّعبير عن القيّم التي تبنينا كشعبٍ، شعب الله، في مجتمعاتنا وفي الكنيسة.

9 - الدّعوة إلى الزّواج هي دعوة إلى قيادة سفينة مزعزعة - ولكنّها آمنة بقوّة السّرّ - في بحر هائج أحيانًا. كم مرّة، مثل الرّسل، أردتم أن تقولوا، أو بالأحرى أن تصرخوا: "يا مُعَلِّم، أَما تُبالي أَنَّنا نَهلِك؟" (مرقس 4، 38). 

وأود أن أضيف إيقاع الحياة الحديثة، والتوتر، والتنظيم الاجتماعي والمرتبط بالعمل، لأنها العوامل الثقافية التي تعرّض للخطر إمكانية القيام بخيارات ثابتة.

إنّها النرجسية التي تجعل الأشخاص غير قادرين على أن ينظروا إلى أبعد من ذواتهم، ومن رغباتهم وحاجاتهم. لكن مَنْ يستخدم الآخرين عاجلا أم آجلا سوف يُستعمل هو أيضًا، وسيُستَغَل وسيُترَك وفقا للمنطق عينه.

10 - "انتشار الجنس الإباحي وتجارة الجسد، المعززة بالاستعمال الشَرِه للأنترنيت"، كما من "حالة الأشخاص المجبرين على ممارسة الدعارة".

انعدام الثقة، والهروب من الالتزامات، والانغلاق في رغد العيش، والغطرسة.

- من المهمّ أن تُبقُوا معًا نظركم مثبَّتًا في يسوع. هكذا فقط، ستحصلون على السّلام، وستتغلّبون على النّزاعات، وستجدون حلولًا لمشاكلكم الكثيرة. ليس لأنّ هذه الأمور ستختفي، ولكن لأنّكم ستتمكّنون من النظر إليها نظرة أخرى.

- بالتأكيد هذا يتطلّب تدريبًا خاصًّا على الصّبر، إذ ليس من السّهل أن نبقى سويًا طوال اليوم، عندما تكون هناك حاجة إلى العمل، والدّراسة، والتّرفيه والاستراحة في البيت نفسه.  

- وعندما ينشأ صراع ما، "لا تنهوا أبدًا نهاركم بدون أن تتصالحوا" . لا تخجلوا من أن تركعوا معًا أمام يسوع في الإفخارستيّا، حتّى تجدوا لحظات سلام ونظرة متبادلة مليئة بالحنان والصّلاح. أو أن تمسكوا بيد الآخر، عندما يكون غاضبًا قليلًا، حتّى تجعلوه يبتسم. يمكنكم أن تصلّوا صلاة قصيرة، تقولونها معًا بصوت عالٍ، في المساء قبل النّوم، مع يسوع الحاضر بينكم.


في هذا المنظور يمكننا أن نضع بُعدًا جديدًا للعائلة. إنّنا نعلم أنّ العهد الجديد يتحدث عن "الكنيسة التي تجتمع في المنزل" ( قور 16، 19، روم 16، 5؛ قول 4، 15؛ فل 2). 

كان من الممكن تحويل المساحة المعيشيّة للعائلة إلى كنيسة بيتية، إلى عرش للإفخارستيّا وإلى حضور المسيح الجالس على نفس المائدة. لا يمكننا نسيان المشهد المصوّر في سفر الرؤيا: "هاءَنَذَا واقِفٌ على البابِ أَقرَعُه، فإِن سَمِعَ أَحَدٌ صَوتي وفَتَحَ الباب، دَخَلتُ إِلَيه وتَعَشَّيتُ معه وتَعَشَّى معي" (3، 20). هكذا يتجلّى البيت الّذي يحمل في داخله حضور الله، والصلاة المشتركة، وكذلك بركة الربّ. وهذا ما يؤكّده المزمور 128 الذي اتخذناه كأساس: "هكذا يُبارَكُ الرَّجُلُ الَّذي يَتَّقي الرَّبّ. لِيُبارِكْكَ الرَّبّ مِن صِهْيون" (آيات 4- 5).


عودة إلى المقالات

إخترنا لكم