كتّاب المحبّة

جسد القديس فرنسيس: حياة تُستهلك حبًّا في قلب أسيزي وفي قلب الكنيسة والعالم

جسد القديس فرنسيس: حياة تُستهلك حبًّا في قلب أسيزي وفي قلب الكنيسة والعالم

في زمنٍ تمتحن فيه الكنيسة بتحدّيات ثقافية وروحية عميقة، وتبحث فيه الحياة الكهنوتية والرهبانية عن تجديد أصيل ينبع من الجذور الإنجيلية، تعود روحانية القدّيس فرنسيس الأسيزي لتقدّم جوابًا بسيطًا وجذريًا في آن: العودة إلى المسيح الفقير والمصلوب، والعيش بفرح الإنجيل في بساطة القلب وصِغَره. 

لقد علّم فرنسيس الكنيسة أنّ الإصلاح لا يبدأ من الاستراتيجيات، بل من القداسة؛ وأنّ القوة الحقيقية للكاهن والراهب والراهبة لا تكمن في النفوذ أو العدد، بل في الشفافية أمام الله، وفي الاتكال الكامل على نعمته.

روحانية “الصِّغَر” التي عاشها فرنسيس — لا بوصفها تقشّفًا خارجيًا فحسب، بل موقفًا داخليًا من التواضع والخدمة — تبقى اليوم دعوة ملحّة لكل من نذر حياته لله. فالكاهن مدعوّ إلى أن يكون أخًا قبل أن يكون مسؤولًا، وخادمًا قبل أن يكون مرشدًا؛ والراهب والراهبة مدعوان إلى أن يشهدا بأنّ الفقر والطاعة والعفّة ليست تنازلات، بل طرق حرّية وفرح. 

في عالم يمجّد الظهور والنجاح، تذكّرنا روحانية أسيزي بأنّ الإنجيل ينمو في الخفاء، وأنّ الثمر الحقيقي يولد من حياة تُبذل حبًّا.

في هذا السياق الروحي العميق، تعيش مدينة أسيزي ومن خلالها العالم اجمع الذي يتخبّط بالصراعات والحروب لاحتضان أوّل إظهار علني ومطوّل لرفات القديس فرنسيس، من 22 شباط إلى 22 آذار 2026، ضمن إطار الذكرى المئوية الثامنة لوفاته، والمتزامنة مع سنة يوبيلية خاصة أعلنها البابا لاون الرابع عشر إحياءً لذكرى “الفقير” الذي غيّر وجه الروحانية المسيحية.

نُقلَ جسد القديس من ضريحه في السرداب إلى الكنيسة السفلى في بازيليك أسيزي، حيث وُضع عند أقدام المذبح الحبري ليُتاح لإكرام المؤمنين. 

لا يُراد لهذا الحدث أن يكون مجرّد مناسبة تقوية أو ظاهرة جماهيرية، بل خبرة كنسية عميقة تعيد وضع الجسد في قلب اللاهوت المسيحي. فالإيمان ليس فكرة مجرّدة، بل سرّ تجسّد: في الجسد ومع الجسد نختبر محبّة الله ونعبّر عنها. إنّ رفات فرنسيس، التي أنهكتها الأمراض والتقشّف والزمن، تشهد لحياة استُهلكت بالكامل في العطاء، وتذكّر بأنّ القداسة تمرّ عبر الهشاشة البشرية لا خارجها.

اختيار زمن الصوم الكبير لإقامة عرض وتكريم رفات مار فرنسيس يحمل دلالة روحية واضحة. فالصوم هو زمن التجرّد والمصالحة، زمن التعلّم كيف “نموت عن الذات” لننفتح على حياة القيامة. وفي ضوء قول الإنجيل: «إن لم تقع حبّة الحنطة في الأرض وتمت تبقَ وحدها، ولكن إن ماتت أتت بثمر كثير» (يو 12: 24)، تُقرأ حياة فرنسيس كمسيرة فقدان من أجل الامتلاء، وفقر من أجل غنى أبدي.

الحجاج سيعيشون خبرة شخصية صامتة ومرفقة بالصلاة وتجديد وعود المعمودية. وسيواكب المسار الروحي الغنى الفني للكنيسة السفلى، حيث تُقدَّم شخصية فرنسيس كرجل تحقّق بالكامل في الفقر والطاعة والعفّة — لا كرموز ماضية، بل كقيم نبوية تواجه ثقافة الاستهلاك والتمركز حول الذات.

لقد شهدت أسيزي في السنوات الأخيرة تزايدًا ملحوظًا في أعداد الزائرين، بعضهم بدافع الإيمان، وآخرون بدافع ثقافي. إلا أنّ ما يتكرّر هو خبرة لقاء تغيّر القلوب: توبة واعترافات بعد سنوات من الانقطاع وربما من احتفال المناولة الأولى ، عودة إلى الصلاة، عطش متجدّد إلى المعنى. وكأنّ فرنسيس، بصمته ورفاته، لا يزال يوقظ في الإنسان سؤال الجوهر.

وفي عام 2026 تعود ذكرى القديس فرنسيس عيدًا وطنيًا في إيطاليا، في تأكيد على عمق حضوره في الذاكرة الجماعية. غير أنّ فرنسيس يتجاوز كل حدود قومية أو أيديولوجية؛ فهو قديس عالمي، برسالته في السلام والأخوّة، يخاطب جميع الشعوب والثقافات، ولا يمكن اختزاله في إطار ضيّق.

إنّ عرض رفات جسد القديس فرنسيس ليس استعادة لذكرى تاريخية فحسب، بل دعوة متجدّدة للكنيسة اليوم — وللكهنة والرهبان والراهبات على وجه الخصوص — إلى إعادة اكتشاف سرّ الدعوة كمسيرة بذل. ففي عالم يبحث عن المعنى وسط الضجيج، يرتفع من أسيزي صوت صامت يقول: إنّ الحياة تبلغ اكتمالها لا بالاكتناز، بل بالعطاء؛ لا بالتمركز حول الذات، بل بالتشبّه بالمسيح الفقير. تلك هي الرسالة التي لا تزال حيّة، لأنّها كُتبت بحياة أُحرقت حبًّا.


عودة إلى المقالات

إخترنا لكم