كتّاب المحبّة

لبنان في مرايا الأساطير القديمة

لبنان في مرايا الأساطير القديمة

حين تتكلّم الأسطورة بلسان التاريخ

إنّ النصوص القديمة التي نشير إليها في هذا المقال هي رُقُمٌ ووثائق تعود إلى الحقبة الزمنيّة التي شهدت تدوين النصوص التاريخيّة الأولى، أي إلى نحو الألفين الرابع والثالث قبل الميلاد. وهذه النصوص لا تقتصر على حضارة واحدة، بل تمتدّ من النصوص المسماريّة السومريّة والأكديّة إلى النقوش المصريّة، ثم إلى النصوص الفينيقيّة والإغريقيّة واللاتينيّة اللاحقة.

وقد درج بعض الباحثين على النظر إلى هذه النصوص بوصفها مجرّد أساطير أو حكايات دينيّة خياليّة. غير أنّ القراءة العلميّة للتاريخ القديم تُظهر أنّ هذه الحكايات كانت في الواقع التعبير الأصدق عن ذهنيّة العصور الأولى. فهي، حتى وإن صيغت بلغة الأسطورة، تعكس بدقّة صورة الحالة الفكريّة والروحيّة للشعوب التي دوّنتها، كما تقدّم في الوقت نفسه صورة عن الواقع الجغرافي والتاريخي الذي عرفه أولئك الكتّاب.

فالأسطورة ليست مجرّد خيال منفصل عن الواقع، بل هي لغة رمزيّة تحمل في طيّاتها إشارات إلى وقائع جغرافيّة واجتماعيّة وتاريخيّة حقيقيّة. ومن هنا تأتي مهمّة المؤرّخ والباحث: أن يستشفّ من خلال الرموز والأساليب الملحميّة المعنى الواقعي الكامن خلفها، مستندًا إلى المعطيات الماديّة الملموسة، وإلى منهج البحث العلمي الموضوعي، وإلى أسلوب المقارنة بين النصوص والحضارات.

ومن هذا المنطلق، سنحاول في هذا المقال إلقاء الضوء على تاريخ فينيقيا من خلال النصوص القديمة التي تحدّثت عن مدنها، وعن العلاقة التي ربطت ولاتها وملوكها بملوك وأمراء حضارات الشرق القديم.

-النصوص القديمة تتحدّث عن لبنان وأرزِه ومدنه

ورد ذكر اسم لبنان، صراحةً أو ضمنًا، في النقوش الأكديّة والمصريّة والآشوريّة منذ النصف الأوّل من الألف الثالث قبل المسيح. وهذا الأمر يدلّ على أنّ هذا الجبل الساحلي لم يكن مجرّد موقع جغرافي هامشي في العالم القديم، بل كان منطقة ذات حضور واضح في الوعي الحضاري لشعوب الشرق القديم.

وتجدر الإشارة إلى أنّ لبنان ذُكر في هذه النصوص أحيانًا بأوصاف ذات طابع ديني وروحي، مثل "مقام الآلهة" و"الأرض الإلهيّة" و"جبل الله". وهذه التعابير تكشف أنّ هذا الجبل كان يُنظر إليه بوصفه فضاءً ذا قدسيّة خاصة، وأنّ غاباته – ولا سيما غابات الأرز – كانت تُعدّ من أثمن موارد العالم القديم.

-جبل الأرز في ملحمة جلجامش

تُعدّ ملحمة جلجامش السومريّة، التي تعود إلى منتصف الألف الثالث قبل الميلاد، من أقدم النصوص الأدبيّة التي تحدّثت عن لبنان. ففي القسم الذي يروي رحلة البطلين جلجامش وأنكيدو إلى جبل لبنان لجلب خشب الأرز الثمين، يصف الشاعر الملحمي هذا الجبل وصفًا يفيض رهبةً وبهاءً. ويظهر لبنان في هذه الملحمة بوصفه مكانًا ذا طابع شبه مقدّس، إذ يرد فيه التعبير الآتي: "… جبل أرز خاص بالآلهة…" (ملحمة كلكامش، د.ت.، ص. 80)

وهذا الوصف ليس مجرّد صورة أدبيّة، بل يعكس المكانة الفريدة التي احتلّتها غابات الأرز في مخيّلة شعوب بلاد الرافدين، التي كانت تعتمد على أخشاب لبنان لبناء المعابد والسفن والقصور.

-لبنان في النقوش المصريّة القديمة

كما نجد صدى لبنان وأرزِه في النصوص المصريّة القديمة. ففي إحدى الوثائق العائدة إلى الأسرة الفرعونيّة السادسة، أي إلى منتصف الألف الثالث قبل الميلاد، يرد النص الآتي: "يجلبون لي أجود منتوجات نغاو… أجمل أشجار الأرض الإلهيّة".

وقد بيّن الباحث بيار مونتي أنّ بلاد نغاو المقصودة في النص هي المنطقة الواقعة عند نهر إبراهيم (نهر أدونيس) قرب مدينة جبيل، التي كانت من أهم المرافئ الفينيقيّة التي ارتبطت بعلاقات تجاريّة وثقافيّة وثيقة مع مصر الفرعونيّة.

وفي نص مصري لاحق، يذكر الفرعون سنفرو، مؤسّس الأسرة الرابعة (حوالي 2650 ق.م.)، أنّه جلب أربعين مركبًا محمّلة بجذوع الأرز من لبنان، وأنّه استخدم هذا الخشب الثمين في بناء مراكب ملكيّة. وهذا يدلّ على أنّ الأرز اللبناني كان عنصرًا أساسيًا في الاقتصاد البحري والعمراني لمصر القديمة.

-لبنان في النصوص الأوغاريتيّة

أما في النصوص الأوغاريتيّة المكتشفة في رأس شمرا على الساحل السوري، فيظهر لبنان أيضًا في إطار ديني مميّز. ففي هذه النصوص يحمل لبنان اسمين لافتين هما: "أرض إيل" و"جبل إيل". ويأتي في أحد هذه النصوص التعبير الآتي: "إنكم تتجهون إلى مجلس الجماعة في جبل إيل…" (حتّي، 1978، ص. 79)

وهذا التعبير يبيّن أنّ لبنان كان يُنظر إليه بوصفه مكانًا يرتبط بالإله الأعلى إيل في الميثولوجيا الكنعانيّة، أي كأنه موضع اجتماع الآلهة أو مسكنها.

-لبنان في الكتاب المقدّس

وتأتي شهادة الكتاب المقدّس لتؤكّد هذه الصورة الرمزيّة والروحيّة للبنان. ففي سفر حزقيال يظهر لبنان بوصفه فضاءً ذا قدسيّة خاصة، ويُشار إليه على أنّه "جبل الله المقدّس".

ويأتي هذا الوصف ضمن نصّ يتحدّث عن رمزيّة الجبل المقدّس وعلاقته بالمجد الإلهي، في إطار الصورة اللاهوتيّة التي ربطت بين الجبال واللقاء مع الله في التقليد الكتابي.

-فينيقيا في المخيّلة الإغريقيّة

أما الإغريق فقد وصفوا فينيقيا بأنّها أرض مقدّسة، بل إنّ بعض النصوص الإغريقيّة تحدّثت عنها بوصفها "شاطئ الآلهة". وقد تغنّى الشعراء الإغريق بعطر أشجار الأرز التي كانت تفوح من جبال لبنان. ويظهر ذلك في وصف هوميروس لكهف الحوريّة كاليبسو في ملحمة الأوديسة، حيث يقضي أوديسيوس سبع سنوات في مكان تحيط به الأشجار العطرة والغابات الوارفة: (هوميروس، الأوديسة، ترجمة خشبة، 2013، ص. 59)

وفي موضع آخر من الملحمة نفسها يرد ذكر الفينيقيين بوصفهم أهل مهارة في الملاحة والصناعات البحريّة والتجارة: (هوميروس، الأوديسة، ترجمة خشبة، 2013، ص. 177)

-شهادة اللاتين: شذا الأرز اللبناني

أما اللاتين فقد تحدّثوا بدورهم عن لبنان وغاباته، وخصوصًا عن شذا الأرز الذي كان يملأ الفضاء بعطره. ويظهر ذلك في النصوص اللاتينيّة التي تصف عالم الشرق، ومن بينها ما يورده الشاعر فيرجيل في سياق وصفه لشخصيّة سيرسي ابنة الشمس، حيث يشير إلى العطور الشرقية والأخشاب العطرة التي كانت تصل إلى عالم البحر المتوسّط. (فيرجيل، كما في الخالدي، 1978، ص. 150)


حين يلتقي التاريخ بالأسطورة

وهكذا، حين نقرأ هذه النصوص المتعدّدة – من سومر وبابل ومصر وأوغاريت إلى الكتاب المقدّس واليونان وروما – نكتشف أنّ لبنان لم يكن مجرّد رقعة جغرافيّة صغيرة على ساحل المتوسّط، بل كان في نظر حضارات العالم القديم جبلًا مقدّسًا وأرضًا للآلهة ومصدرًا للخشب الثمين والحضارة البحريّة.

ومن هنا يمكن القول إنّ الأسطورة، حين تُقرأ قراءة علميّة نقديّة، لا تعود مجرّد حكاية من الماضي، بل تصبح نافذةً تطلّ منها الذاكرة الإنسانيّة على حقيقة تاريخيّة أعمق: أنّ لبنان، منذ فجر التاريخ، كان حاضرًا في مخيّلة الشعوب بوصفه جبل الأرز الذي يلامس السماء.


الخوري ميخائيل قنبر

دراسات عليا في العلوم الدينية



عودة إلى المقالات

إخترنا لكم