كتّاب المحبّة

مدن الساحل تخطّ اسم فينيقيا على الحجر وَزَبَدِ البحر

مدن الساحل تخطّ اسم فينيقيا على الحجر وَزَبَدِ البحر

حين ننهي القراءة في ألواح أوغاريت، ونطوي صفحات جبيل، ونعبر مرافئ صيدا، ونقف عند صخور صور، لا ينتابنا الشعور بأننا انتقلنا من مدينة إلى أخرى، بقدر ما نشعر أنّنا سرنا على درجٍ واحد طويل، تنحدر درجاته من الشمال إلى الجنوب، وتعود بنا من الساحل إلى الجبل.

فهذه المدن، على تعدّدها، لم تكن خرائط منفصلة، بل نبضًا واحدًا موزّعًا على مرافئ عدّة. في كلّ واحدة منها ملك، ومعبد، وسور، وميناء، ونقشٌ محفور في الحجر؛ لكن البحر الذي حمل سفنها واحد، والريح التي دفعت أشرعتها واحدة، والأرز الذي شُيّدت به المعابد والقصور واحد. ومن هذا التعدّد المدينيّ، كان يتشكّل تدريجيًا معنى أكبر من المدن نفسها: معنى البلاد التي ستُعرف لاحقًا باسم فينيقيا.

إنّ فهم تاريخ فينيقيا يقتضي التحرّر من المفهوم الحديث للدولة ذات الحدود السياسية الثابتة. فالعالم الفينيقي لم يكن كيانًا مركزيًا موحّدًا، بل شبكة من المدن–الدول المستقلة نسبيًا، لكلّ منها شخصيتها السياسية والاقتصادية، مع اشتراكها في قاعدة حضارية وثقافية واحدة (حتّي، 1978، ص. 154). ومن بين هذه المدن تبرز أوغاريت في الشمال، وجبيل في الوسط، وصيدا وصور في الجنوب، بوصفها محطات رئيسية في تكوّن هذا العالم الساحلي الذي جمع بين الحجر والبحر والكتابة.

*أوغاريت: النغم الأوّل

تكشف أوغاريت عن أحد أقدم الوجوه المشرقية للعالم الكنعاني–الفينيقي. فقد بدأ اكتشافها الحديث سنة 1929، حين عثر فلاح سوري في رأس شمرا، شمالي اللاذقية، على بلاطة اقتلعتها سكّة محراثه، فكانت تلك اللقية بداية حفريات كشفت مدينة مدفونة ذات طبقات حضارية متعاقبة (حتّي، 1978، ص. 154). ولم يكن معروفًا عن أوغاريت قبل ذلك إلا ما ورد في محفوظات تل العمارنة وبعض الرسائل المتبادلة بين ملوكها والفراعنة (Moran, 1992).

تشير الدراسات الأثرية إلى أنّ الموقع يعود إلى العصر الحجري الحديث، وأنّ المدينة تحوّلت نحو سنة 3000 ق.م. إلى مركز حضري مهم محاط بالتحصينات، ثم بلغت أوج ازدهارها التجاري نحو سنة 1400 ق.م. بفضل موقعها عند تقاطع الطرق البرية والبحرية في الشرق الأدنى (Yon, 2006). ولم تكن أوغاريت مدينة محليّة منغلقة، بل مركزًا دوليًا واسع الاتصال، تربطه علاقات ثقافية وتجارية وثيقة بكريت وغيرها من المراكز المتوسطية (حتّي، 1978، ص. 154).

وعلى الصعيد الديني، تكشف نصوصها عن عالم رمزي غني، يتصدره بعل، إله العاصفة والخصب، إلى جانب "يم" إله البحر، و"موت" إله الموت والحصاد، و"عنات" و"عشترت" وغيرهم من أرباب العالم الكنعاني (حتّي، 1978، ص. 155). غير أنّ أثمن ما قدّمته أوغاريت للباحثين هو corpus النصوص المكتشفة فيها، المكتوبة بلغات متعددة وكتابات مختلفة، وفي طليعتها الأبجدية الأوغاريتية المحلية التي استُعملت في النصوص الدينية والطقسية والإدارية والرسائل الخاصة، في حين استُخدمت الأكادية لغةً دولية للمراسلات السياسية الرسمية (Moran, 1992; Yon, 2006).

من هنا تبدو أوغاريت أكثر من مدينة شمالية قديمة؛ إنها أوّل النغم في هذا النشيد الساحلي، وبداية الوعي بأنّ الساحل ليس مجرد شريط جغرافي، بل فضاء حضاري مفتوح على العالم.

*جبيل: المدينة التي تعلّمت أن تكتب

إذا كانت أوغاريت قدّمت النغم الأوّل، فإنّ جبيل قدّمت الذاكرة التي تعلّمت أن تدوّن. وقد ارتبط اسمها منذ أقدم الأزمنة بعلاقات وثيقة مع مصر القديمة، وهو ما تؤكده النصوص والحفريات معًا. فقد أظهرت المكتشفات الأثرية في الموقع وجود هدايا ملكية مصرية في قبور ملوك جبيل، منها ما يعود إلى زمن أمنمحات الثالث، ومنها ما يحمل اسم رمسيس الثاني، بما يدل على قدم الروابط التجارية والدينية والسياسية بين المدينتين (كونتنو، 2001، ص. 22–23).

عرفت المدينة في الفينيقية باسم "جِبَل"، وفي المصرية باسم "كبنة"، بينما دعاها الإغريق "بيبلوس". ويرى بعض الباحثين صلةً بين هذا الاسم الأخير وكلمة Papyrus، ومنها بالكتاب أو السِفْر، وهي صلة تزداد دلالة حين نتذكّر أنّ المدينة ستصبح لاحقًا واحدة من أهم المحطات في تاريخ الكتابة (كونتنو، 2001، ص. 23). وقد ورد ذكر جبيل في الكتاب المقدس، في سفر حزقيال وسفر الملوك الأول، بما يعكس شهرة أهلها في البناء وصناعة الخشب والمهارة الحرفية (حزقيال 27: 9؛ 1 ملوك 5: 32).

ولم تقتصر صلة جبيل بمصر على خشب الأرز، وإن كان هذا الخشب أثمن صادراتها وأبرزها؛ بل شملت أيضًا الزيت والخمور والصموغ العطرية المستخدمة في التحنيط، كما كانت المدينة محطةً أساسية على الطريق البحرية والبرية بين وادي النيل والساحل الشامي (حتّي، 1978، ص. 85؛ كونتنو، 2001، ص. 46). وتشير وثائق مثل "حجر باليرمو" إلى وصول سفن محمّلة بأرز لبنان إلى مصر منذ عصور موغلة في القدم (Wilkinson, 2000).

غير أنّ القيمة الكبرى لجبيل لا تقف عند التجارة فقط. فـ"بردية وينامون" تُظهر بوضوح استقلالية قرار أمرائها في مرحلة كان فيها ميزان القوى يتبدّل بين مصر ومدن الساحل، بينما يشكّل ناووس أحيرام إحدى العلامات الفارقة في تاريخ الأبجدية الفينيقية، بصفته حاملًا لأقدم نقش فينيقي أبجدي متكامل معروف حتى الآن ( Gardiner, 1932; حتّي، 1978، ص. 90). وهكذا تبدو جبيل كأنها المدينة التي لم تكتفِ بأن تكون ميناءً، بل صارت ذاكرة البحر حين تحوّل إلى كتابة.

*صيدا: السيادة الأولى

ليست صيدا مجرّد مدينة من مدن الساحل، بل هي في كثير من النصوص أسبق ذكرًا من صور، وأوسع منها نفوذًا في مراحل مبكرة. ويظهر هذا بوضوح في النصوص المسمارية التي سبقت اسمها بكلمة "كور" الدالة على الإقليم أو البلاد، بينما سبق اسم صور مصطلح "أورو"، أي المدينة، بما يوحي باتساع المجال الصيداوي في مرحلة أقدم (حتّي، 1978، ص. 118).

ارتبطت صيدا، في الذاكرة التاريخية، بالسيادة البحرية المبكرة، وبروح الملاحة والانطلاق والاستيطان. وتُظهر بعض نقودها ادعاءها الأمومة لمدن متوسطية مثل هيبّون وكيتيون، بما يعكس طموحها البحري والاستعماري (حتّي، 1978، ص. 118). كما أنّ النصوص الكتابية نفسها تحتفظ بصورة صيدا بوصفها مدينة ذات شأن سياسي وبحري بارز (أشعيا 23: 8–12).

وقد خضعت صيدا، شأنها شأن بقية المدن الفينيقية، لتعاقب القوى الكبرى: المصريين، والآشوريين، والبابليين، فالفرس، فالمقدونيين، ثم الرومان. غير أنّها احتفظت، رغم ذلك، بقدرة لافتة على الاستمرار، وعلى ممارسة دورها التجاري والبحري داخل هوامش متبدّلة من الحكم الذاتي (حتّي، 1978، ص. 119–123). وتكشف رسالة زيمردا، حاكم صيدا، ضمن ألواح تل العمارنة، مكانة المدينة داخل النظام الدولي للقرن الرابع عشر قبل الميلاد، حيث بدت المدينة لاعبًا محليًا مرتبطًا بإحدى أكبر القوى الإقليمية، لا مجرد ميناء تابع بلا إرادة (Moran, 1992).

وفي العهد الفارسي استعادت صيدا ازدهارًا لافتًا، وأسهمت في الأسطول الأخميني، وشهدت نهضة عمرانية ودينية مهمة، من أبرز شواهدها معبد أشمون والمقابر الملكية. لكن هذه العلاقة مع السلطة الفارسية انتهت إلى واحدة من أكثر الصفحات مأساوية في تاريخها، حين ثارت المدينة سنة 351 ق.م. وأُحرقت في كارثة جماعية دوّنتها المصادر القديمة بمرارة بالغة (كونتنو، 2001، ص. 68). ثم دخلت العصر الهلنستي فالروماني، محتفظةً بمكانتها الإدارية والاقتصادية في الساحل والداخل (حتّي، 1978، ص. 123).

كانت صيدا، في جوهرها، الرغبة الأولى في الانطلاق؛ المدينة التي سبقت غيرها إلى البحر، ثم دفعت ثمن هذا السبق مرارًا في لعبة الإمبراطوريات.

*صور: الإرادة التي لا تنكسر

إذا كانت صيدا تمثّل السيادة الأولى، فإنّ صور تمثّل الذروة الصلبة للعالم الفينيقي. واسمها نفسه، في الفينيقية، يعني "الصخرة"، وكأنّ الاسم كان نبوءةً بمصيرها وشخصيتها. فقد قامت في الأصل على جزيرة صخرية حصينة، لها ميناءان مستقلّان، أحدهما شمالي والآخر جنوبي، بما يعكس امتداد علاقاتها البحرية وتوازنها بين جهتي المتوسط (حتّي، 1978، ص. 119). وقد وصفها النبي حزقيال بأنها "تاجرة الشعوب إلى جزائر كثيرة" (حزقيال 27: 3)، وهو وصف يختصر مكانتها التجارية العالمية.

ارتبط مجد صور بقوتها البحرية وشبكتها الاستعمارية الواسعة. ففي الألف الأول قبل الميلاد، ولا سيما بين نحو 1000 و500 ق.م.، بلغت تجارتها أوجها، وامتدت وكالاتها ومستعمراتها عبر المتوسط الغربي، حتى بلغت ذروة هذا التوسع في تأسيس قرطاجة سنة 814 ق.م.، التي أصبحت أعظم مستعمراتها وأقوى امتداداتها التاريخية (حتّي، 1978، ص. 120؛ Virgil, 2006).

كما ارتبط اسم صور بعلاقاتها الشهيرة مع مملكة إسرائيل، ولا سيما في عهد حيرام الأول الذي دعم سليمان في بناء الهيكل عبر إرسال خشب الأرز والبنائين المهرة، في واحدة من أشهر الشراكات السياسية والعمرانية في تاريخ الشرق القديم (Josephus, 1987; 1  ملوك 5: 15–32). وقد عزّزت هذه العلاقات حضور صور في الذاكرة الكتابية والتاريخية معًا.

غير أنّ عظمة صور لم تُبنَ فقط على التجارة، بل أيضًا على قدرتها الفريدة على الصمود. فقد دفعت الجزية للآشوريين حينًا، وواجهتهم حينًا آخر، وحوصرت من البابليين ثلاثة عشر عامًا، ثم واجهت الإسكندر الأكبر نفسه سنة 332 ق.م. في حصار دام سبعة أشهر وانتهى بردم البحر واقتحام الجزيرة (Arrian, 1976;  حتّي، 1978، ص. 123). وفي كل تلك المحطات بقيت صور، حتى في هزيمتها، صورةً عن إرادة لا تنكسر بسهولة.

*من تعدّد المدن إلى وحدة الاسم

إنّ أوغاريت وجبيل وصيدا وصور ليست مجرّد محطات متجاورة على خريطة الساحل الشرقي للمتوسط، بل هي طبقات متراكمة في تكوّن معنى حضاري واحد. فمن أوغاريت جاء البعد الأسطوري–النصي، ومن جبيل جاءت الذاكرة التي كتبت، ومن صيدا انطلقت السيادة البحرية الأولى، ومن صور بلغت الإرادة الفينيقية أوج اتساعها وصلابتها.

هكذا تتراصف المدن على الساحل كأنها حبّات مسبحة يشدّها خيط خفي. وهذا الخيط ليس البحر وحده، بل الجبل أيضًا؛ الجبل الذي منحها الخشب والاسم والعمق. ومن تنوّع هذه المدن، ومن وحدة أفقها الحضاري، بدأ يتكوّن تدريجيًا مفهومٌ أكبر من المدينة وأوسع من المرفأ: مفهوم البلاد التي ستُختصر لاحقًا في اسم واحد هو لبنان.


الخوري ميخائيل قنبر

دراسات عليا في العلوم الدينية


عودة إلى المقالات

إخترنا لكم