كتّاب المحبّة
مار يوسف البتول والعائلة
"وعملَ يوسفُ بما أمرهُ بهِ الملاكُ وأخذَ مريمَ إلى بيتِه" (متى 1: 24)
نستوحي من الإنجيل، من المقاطع التي تتكلّم عن يوسف ودوره في تدبير الله الخلاصيّ الذي كشفه بتجسّد ابنه يسوع المسيح من مريم العذراء، لنتكلّم عن العائلة وَفْقَ رغبة الله وسرّ تدبيره منذ الخلق، وعن دور يوسف في تحقيق هذه الرغبة وهذا التدبير انطلاقًا من أمانته للدور الذي أسنده إليه كحارسٍ وكحامٍ تجاه مريم ويسوع، وكأبٍ أرضيّ ليسوع وكشريكٍ لمريم في تربيته.
إذا كان عهد الزواج وَفْقَ شريعة الله في العهد القديم كما في العهد الجديد هو الشرط الأساسيّ لتكوين عائلة وَفْقَ شريعة الله منذ الخلق، فإنّ يوسف كان بخطبته لمريم وَفْقَ الشريعة قد تمّم هذا العهد وصار زوجها الشرعيّ، وما كان عليه سوى أن يأخذها إلى بيته. وهذا ما أكّده الملاك حين خاطبه وطلب إليه قائلاً أن يتمّم هذا الزواج: "يا يوسف ابن داود، خذ مريم امرأتك ولا تخف، فمن روحٍ قدس ما تحمل..." (متى 1: 20). ولمّا قام من النوم فعل كما أمره الملاك، تمامًا مثل مريم، بطاعةٍ كلّيةٍ لمشيئة الله، وأخذ مريم امرأته إلى بيته. فرباطهما الزوجيّ هو رباط صحيح ومقدّس.
وإذا كانت العائلة المسيحيّة يجب أن تُبنى على الإيمان بابن الله يسوع المسيح كصخرة أساس لها، وبه تُنسج كلّ علاقاتها وقراراتها ومواقفها، وحوله تتمحور حياتها اليوميّة، وإليه تصبو في كلّ ما تعمل لأنّه هو المعنى والغاية لحياتها، لأن الزواج هو طريق إلى القداسة، أي طريق إلى ملء الشركة في حياة الله في يسوع المسيح، لأن في السماء "لا يزوّجون ولا يتزوّجون" كما أعلن يسوع، فإن يوسف بعد مريم هو ثاني من آمن بحقيقة يسوع كابنٍ لله مولود بالروح القدس من مريم، وكمسيحٍ مخلّص وكعمّانوئيل، الله معنا، كما شرح له الملاك، وذلك بفعل تصديقه وقبوله لهذا الكشف وتبنّيه لمريم الحامل بيسوع وأخذها دون تردّد إلى بيته.
وإذا كانت العائلة بحاجة لأبٍ شرعيّ، فإن زواج يوسف بمريم يؤسّس لهذه الأبوّة الشرعيّة. ولهذا حدّد متى الإنجيلي نسل يسوع انطلاقًا من يوسف فكتب: "يعقوب ولد يوسف، زوج مريم، ومن مريم ولد يسوع الذي يُقال له المسيح" (متى 1: 16). وتصديقًا على شرعيّة هذه الأبوّة أمر الملاك يوسف، بحسب شريعة العهد القديم، أن يسمّي الطفل الإلهي يسوع، بالرغم من أنّه لم يولد منه بل من الروح القدس (متى 1: 25). ولأن مريم ويوسف مختاران من الله بقوّة الروح لهذا الدور، فإنهما يستحقّان أن يُدعيا والد وأم يسوع، كما قال أهل الناصرة: أليس هذا ابن يوسف النجّار وأمّه مريم (متى 13: 55).
وإذا كان من طبيعة الزواج الذي يؤسّس لعائلة أن يكون مبنيًّا على اتحاد النفوس والقلوب في الرضى المتبادل، فإنّنا نجد كلّ هذه العناصر في زواج يوسف ومريم. فمريم ويوسف، بعكس آدم وحوّاء، توافَقا بحبٍّ عظيم أن يستقبلا الحبّ الإلهيّ المتجسّد في شخص يسوع ويحتضناه ويكرّسا له ذاتهما بحبٍّ حتّى بذل الذات، لتصير عائلتهما مصدر نعمة وبركة وقداسة لكلّ الشعوب. هكذا بدأ الله المخلّص عمل خلاصه بهذا الاتّحاد البتوليّ المقدّس، حيث تجلّت قدرة إرادته في تنقية وتقديس العائلة، التي هي هيكل الحبّ والحياة.
وإذا كان جوهر العائلة وواجباتها يُحدَّدان بالمحبّة، ومن رسالة العائلة أن تحفظ وتكشف وتنقل الحبّ، كعلامة حيّة ومشاركة فعليّة لحبّ الله للبشريّة ولحبّ المسيح للكنيسة عروسه، ففي عائلة الناصرة، هذه الكنيسة المصغّرة بامتياز، تتجلّى هذه الحقيقة. فيوسف لبّى نداء الله لخدمة شخص ورسالة يسوع بعيش أبوّته له، وفي حمايته ومساعدته لمريم في عيش دعوتها وأمومتها، فشارك، مثل مريم، في عمل الخلاص واستحقّ لقب خادم الخلاص. وبحبٍّ عظيم عاش يوسف دعوة الزوج الأمين لمريم، فكان لها رفيق الحياة، والشاهد على عذريّتها، والحارس لشرفها، وشريكًا في كرامتها في عهد الزواج بينهما. وبحبٍّ عظيم عاش، بمساعدة مريم، أبوّته تجاه شخص ورسالة يسوع الابن الذي وُلد في كنفه، فكرّس ذاته وحياته وعمله في خدمتهما. وما حال البتوليّة التي عاشها مع مريم سوى الارتقاء إلى أعلى درجات الحبّ البشريّ الذي به يحبّ الإنسان الله بكلّ نفسه وقوّته وقلبه، وبهذا الحبّ نفسه يحبّ أقرب الناس إليه. والله الآب الذي أراد أن يرفع يوسف إلى مستوى الحارس لابنه، مستوى الأب الأرضيّ، والابن يسوع الذي رضي بتواضع أن يخضع لهذا الأب ويطيعه كما تقتضي واجبات البنُوّة، أعطيا ليوسف أن يختبر ويعيش الحبّ الطبيعيّ والعناية الحارّة والحنونة التي يعرفها قلب كلّ أب.
وإذا كانت العائلة هي التي تُدخل الأولاد في التاريخ فتعطيهم الهويّة المدنيّة، فيوسف، بتسجيله اسم يسوع في الإحصاء الرسميّ للدولة الرومانيّة، أعطاه الحالة المدنيّة: يسوع، ابن يوسف من الناصرة (يوحنا 1: 45)، والتي تُظهر بوضوح انتماء يسوع للجنس البشريّ، كإنسان بين البشر، ومواطن من هذا العالم، خاضع للشريعة وللقوانين المدنيّة، ولكن أيضًا "مخلّص العالم". وإذا كانت العائلة المؤمنة هي التي تقدّم أولادها للربّ وتطلب من خدّامه تطبيق الشريعة ليصبحوا شركاء فيه، فيوسف قام بواجبه الدينيّ كأب وحمل يسوع الطفل إلى الهيكل ليُختن، لأنّ الختان هو علامة العهد بين الله وإبراهيم، علامة الانتماء إلى الشعب المختار، وبذلك أعطى ليسوع أن ينتمي لهذا العهد، هذا العهد الذي سيتحقّق بملء وعوده في "النِّعَم" التي قالها يسوع للآب حتّى الموت على الصليب. كذلك الأمر عند إعطائه اسم يسوع كما أمره الملاك، مارس يوسف أبوّته الشرعيّة تجاه يسوع، وبلَفظه هذا الاسم، الذي به وحده الخلاص (أعمال 4: 12)، أعلن رسالة هذا الابن وهي "المخلّص" (متى 1: 21). كذلك الأمر في الهرب بيسوع وأمّه إلى مصر لينجّيه من اضطهاد هيرودس ورغبته في قتله، وعودته إلى الناصرة، أعطى لهذا الابن أن يدخل في مسيرة الشعب المختار ويعيش فصحه: "من مصر دعوت ابني" (متى 2: 15)، وأن تتحقّق النبوءة فيه ويُدعى ناصريًّا.
ويلخّص الإنجيل دور يوسف تجاه عائلة الناصرة في حدث الحجّ إلى أورشليم (لوقا 2: 40-52)، فنفهم أنّ نموّ يسوع في "الحكمة والقامة والنعمة والحظوة عند الله والناس" (لوقا 2: 52)، كان يتمّ في إطار هذه العائلة المقدّسة، تحت نظر يوسف الذي كان لديه هذه المهمّة العظيمة بأن يُعيل يسوع، أي أن يغذّيه ويلبسه ويعلّمه الشريعة ويكسبه مهنة، بحسب ما تقتضي واجبات الأب. وفي الوقت نفسه نفهم في هذا الحدث أنّ يسوع كان يعي انتماءه إلى الآب السماويّ، وأنّ يوسف ومريم احترما وآمنا وخدما هذا الوعي، بالرغم من أنّ يسوع عاش كلّ حياته الخفيّة طائعًا لهما.
فإذا أضفنا الدور الذي لعبته مريم في حياة يوسف لكي يحقّق دعوته كأب وزوج بتول، وفي حياة الطفل يسوع، تتجلّى لنا بوضوح صورة عائلة الناصرة كعائلة مقدّسة ومُقدَّسة، كما يريد الربّ أن تكون كلّ عائلة مؤمنة به؛ عائلة حيث كلّ أفرادها يعيشون الحبّ الكلّيّ لله، والحبّ لبعضهم البعض، هذا الحبّ الذي وصل بقوّة الروح القدس إلى أسمى درجاته الإنسانيّة إذ تحلّى بالتخلّي والتجرّد ونكران الذات في سبيل سعادة وخير وخلاص الآخر، وتزيّن بأسمى عواطف الحنان والرِّقّة والعذوبة واللطف والخدمة، وتجمّل بشركة واتّحاد كاملين في خدمة مشروع الله الخلاصيّ، ضمن احترام كلّيّ لدعوة كلٍّ منهم، وتكريس الذات لمساعدة الآخر لتحقيق هذه الدعوة.
فيا ربّ، أعطِ لعائلاتنا المسيحيّة أن ترى ذاتها كما في مرآة في عائلة الناصرة، وتنسج تفاصيل حياتها على مثال ما نُسج بالحبّ في عائلة الناصرة. نسألك ذلك بشفاعة القدّيس يوسف، آمين.