كتّاب المحبّة
الوضع النفسي خلال الأزمات والحروب المتكررة في لبنان
في ظل الأزمات المتكررة التي يشهدها لبنان، من تدهور اقتصادي إلى تصعيدات أمنية وحروب متقطعة، يواجه الأفراد ضغوطًا نفسية مركبة تتجاوز القدرة الطبيعية على التكيف. إن التعرض المستمر لحالات عدم الاستقرار، والإنذارات المتكررة بالإخلاء، وترك المنازل، يضع الإنسان في حالة تأهب دائم، ويؤثر بشكل مباشر على صحته النفسية وسلوكه اليومي.
التأثيرات النفسية المتراكمة
الأزمات المتكررة لا تمنح الأفراد الوقت الكافي للتعافي، مما يؤدي إلى ما يُعرف بـ"الضغط النفسي المزمن". يعيش كثير من الأشخاص حالة من القلق المستمر، والخوف من المجهول، واضطرابات النوم، إلى جانب الشعور بفقدان السيطرة على مجريات حياتهم.
كما أن تكرار مشاهد الخطر أو النزوح قد يؤدي إلى أعراض مرتبطة بالصدمة، مثل استرجاع الأحداث المؤلمة، أو الحساسية المفرطة تجاه الأصوات والتنبيهات.
تأثير ذلك على الأطفال والمراهقين
الأطفال والمراهقون من أكثر الفئات هشاشة في مثل هذه الظروف. فالطفل يحتاج إلى بيئة آمنة ومستقرة ليشعر بالطمأنينة. وعند غياب هذا الأمان، قد تظهر عليه سلوكيات مثل الخوف الزائد، التعلق المفرط، أو التراجع في المهارات المكتسبة.
أما المراهقون، فقد يعبرون عن توترهم من خلال الغضب، الانسحاب، أو فقدان الحافز والأمل بالمستقبل.
الحاجات الأساسية والصحة النفسية
توضح نظرية "هرم ماسلو للحاجات" أن تلبية الاحتياجات الأساسية مثل الأمان، الغذاء، والمأوى تُعد أساسًا للصحة النفسية. في ظل الأزمات، عندما تصبح هذه الاحتياجات مهددة، يتراجع الشعور بالاستقرار، ويزداد الإحباط والقلق، مما ينعكس سلبًا على الصحة النفسية والقدرة على التكيف.
الإنهاك النفسي الجماعي
مع استمرار الأزمات، قد يصل المجتمع إلى حالة من "الإنهاك النفسي الجماعي"، حيث يشعر الأفراد بالتعب العاطفي، وفقدان الأمل، وتراجع القدرة على الاستجابة لأزمات جديدة. هذه الحالة قد تؤدي إلى اللامبالاة أو زيادة التوتر داخل المجتمع.
- إرشادات نفسية للتعامل مع الضغوط خلال الأزمات
على مستوى الأفراد:
• تنظيم الروتين اليومي: الحفاظ على نمط يومي بسيط (نوم، طعام، أنشطة) يعزز الشعور بالسيطرة.
• تقليل التعرض للأخبار المقلقة: متابعة الأخبار من مصادر موثوقة وبأوقات محددة فقط.
• ممارسة تقنيات الاسترخاء: مثل التنفس العميق أو تمارين التأمل.
• التعبير عن المشاعر: التحدث مع شخص موثوق أو كتابة ما يشعر به الفرد.
• طلب الدعم عند الحاجة: عدم التردد في التواصل مع مختص نفسي عند الشعور بضغط شديد.
على مستوى الأطفال:
• توفير شعور بالأمان: طمأنة الطفل بكلمات بسيطة وصادقة.
• الحفاظ على الروتين: حتى في الظروف الصعبة، الروتين يمنح الطفل استقرارًا نفسيًا.
• الاستماع للطفل: السماح له بالتعبير عن مخاوفه دون تجاهل أو تقليل منها.
• استخدام اللعب كوسيلة تفريغ: اللعب والرسم يساعدان الطفل على التعبير عن مشاعره.
على مستوى مقدمي الخدمات:
• اعتماد نهج يركز على الناجي/المستفيد: احترام مشاعر وقرارات الأفراد دون فرض.
• توفير مساحات آمنة: سواء كانت مادية أو نفسية للتعبير والدعم.
• المتابعة المستمرة: بسبب الطبيعة المتغيرة للأزمات.
• دعم الكادر العامل: لتجنب الاحتراق النفسي (Burnout
إن الصحة النفسية في أوقات الأزمات ليست أمرًا ثانويًا، بل هي عنصر أساسي في صمود الأفراد والمجتمعات. وفي لبنان، حيث تتكرر الأزمات، تبرز الحاجة إلى تعزيز خدمات الدعم النفسي والاجتماعي، إلى جانب تلبية الاحتياجات الأساسية، لضمان قدرة الأفراد على التكيف والاستمرار.
الدكتور ربى موسى
أخصائية نفسيّة