كتّاب المحبّة
خميس الأسرار: "الحبّ الذي يبلغ المنتهى ويَنحني ليغسل"
«وكان قد أحبَّ خاصَّته الذين في العالم، فبلغ بهم الحبُّ أقصى حدوده» (يو 13: 1)
في هذا المساء المقدّس، تقودنا الكنيسة إلى علّية الأسرار، حيث لا يكشف يسوع حدثًا فقط، بل يكشف قلب الله ذاته.
قبل عيد الفصح، «كان يعلم أن ساعته قد أتت…»، ومع هذا الوعي الكامل لما ينتظره، لم يتراجع، بل أحبّ… حتى النهاية. إنها لحظة مفصلية:
المسيح لا يدخل آلامه كضحية، بل كمحبٍّ يختار أن يذهب حتى المنتهى. يحبّ “خاصته” — يعرف ضعفهم، ارتباكهم، بل وخيانتهم — ومع ذلك يبقى أمينًا لحبّه.
- بين النور والظلمة: قلب الإنسان أمام الحب
في هذا الجوّ العميق، يتجاور موقفان:
يوحنا الحبيب الذي يتكئ على صدر يسوع،
ويهوذا الإسخريوطي الذي يحمل في قلبه قرار الخيانة.
يقدّم يسوع ليهوذا اللقمة، في لحظة مفعمة بالرقة، كدعوة أخيرة. لكن الحرية تبقى حاسمة.
وهنا يدوّن الإنجيلي يوحنّا تلك العبارة المؤلمة:
«وكان قد أظلم الليل» (يو 13: 30).
لم يكن الليل خارجًا فقط، بل دخل إلى القلب.
إنها ظلمة رفض الحب.
وكما يعلّم البابا بندكتس السادس عشر:
«الإنسان يمكنه أن يرفض نور الله، لكن الله لا يتوقف عن الاقتراب».
- الحبّ الذي ينحني: سرّ غسل الأرجل
«قام عن العشاء… وابتدأ يغسل أقدام التلاميذ» (يو 13: 4-5).
الله ينحني.
الربّ يصير خادمًا.
هذا ليس مجرّد رمز، بل إعلان عن منطق الله:
المحبّة الحقيقية تُقاس بقدرتها على الخدمة.
عندما يصل إلى بطرس، يرفض هذا المنطق:
«لن تغسل قدميّ أبدًا».
إنه رفض غير مباشر لأن يُحَبّ بهذه الطريقة.
لكن جواب يسوع يكشف العمق:
«إن لم أغسلك، فلا نصيب لك معي».
أي لا شركة بدون أن نقبل أن ينحني الله نحونا، أن يلمس ضعفنا، وأن يطهّر قلوبنا.
وكما يقول البابا بندكتس السادس عشر:
«في غسل الأرجل، ينحني الله أمام ضعف الإنسان ليعيد إليه كرامته بالمحبّة».
- الإفخارستيا: الحبّ الذي يُعطى كليًا
في العلّية، لا يكتفي يسوع بالخدمة، بل يهب ذاته:
«هذا هو جسدي… هذا هو دمي» (لو 22: 19-20).
هنا يبلغ الحبّ قمّته: لا يعود عطاءً خارجيًا، بل حضورًا داخليًا. وكما يعلّم البابا بندكتس:
«في الإفخارستيا، يقدّم يسوع ذاته، ليجعلنا شركاء في حياته».
- « إلى المنتهى»: من العلّية إلى الصليب
«بلغ بهم الحب أقصى حدوده»…
هذه النهاية لا تتوقّف عند العلّية، بل تمتدّ إلى الجلجلة.
ما يبدأ بانحناء عند الأرجل،يكتمل ببذل على الصليب.
حبّ لا يتراجع أمام الخيانة، ولا ينكسر أمام الألم، ولا ينطفئ أمام الظلمة.
- دعوة خميس الأسرار: أن نُغسَل… ثم نَغسِل
«جعلتُ لكم من نفسي قدوة» (يو 13: 15).
هذا المساء يطرح علينا سؤالًا شخصيًا:
هل نسمح للمسيح أن يحبّنا حتى ضعفنا؟
أن يغسلنا من كبريائنا، من خوفنا، من برود قلوبنا؟
لأن من لا يقبل هذا الحب، لا يستطيع أن يعيشه.
ثم يدعونا: أن نحمل هذا الحب إلى الآخرين،
أن ننحني، أن نخدم، أن نحبّ دون انتظار مقابل.
في خميس الأسرار، لا نكتفي بأن نتأمّل في حبّ المسيح،
بل ندخل فيه.
هو يقول لكل واحد منا: أحببتك حتى النهاية…
فهل تسمح لهذا الحب أن يغيّرك؟ أن ينير ظلماتك؟
وأن يحوّلك أنت أيضًا إلى علامة حبّ في هذا العالم؟
الخوري جوني تنوري
من الأبرشية البطريركية المارونية - نيابة جونية