كتّاب المحبّة

"الجمعة العظيمة، بجراحه شُفينا"

"الجمعة العظيمة، بجراحه شُفينا"

«بجراحه شُفينا» (أش 53: 5)

الصليب: حين دخل الله في جرح الإنسان.

في هذا اليوم المقدّس، تقف الكنيسة عند سرّ لا يُفسَّر بالعقل وحده، بل يُعاش بالقلب: سرّ الألم حين يصبح طريق خلاص. لا نأتي إلى الصليب لنفهم فقط لماذا نتألّم، بل لنكتشف أن الله نفسه دخل إلى عمق هذا الألم، وحوّله من لعنة إلى نعمة.

يضعنا النبي أشعيا أمام وجهٍ غريب عن توقّعات البشر:

«مُحتقَرٌ ومخذولٌ من الناس، رجل أوجاع ومختبر الحزن» (أش 53: 3).

ليس إلهاً بعيداً عن وجع الإنسان، بل إلهاً يلبس ضعفنا. وكما يقول القديس غريغوريوس النزينزي: «ما لم يتّخذه المسيح لم يُشفَ». لذلك أخذ كل شيء: الألم، الحزن، الرفض… لكي يخلّص كل إنسان.

على الصليب، لا نرى فقط إنساناً يتألّم، بل حبّاً يُصلَب.

حبّ يقبل أن يُرفَض، أن يُهان، أن يُسحَق، لكي لا يضيع الإنسان. وهنا يتجلّى سرّ النيابة العجيب:

«لكن أحزاننا حملها، وأوجاعنا تحمّلها… وهو مجروح لأجل معاصينا» (أش 53: 4-5).

إنه لا يتألّم فقط معنا، بل عنّا. يدخل إلى عمق جرحنا ليحمله في جسده. وقد عبّر القديس إيريناوس عن هذا السر بقوله: «المسيح صار ما نحن عليه، لكي نصير نحن ما هو عليه».

ففي الصليب، يحدث تبادل عجيب: يأخذ موتنا ويعطينا حياته، يحمل خطايانا ويمنحنا برّه. لكن ما يدهش أكثر، هو صمت هذا الحب.

«كشاةٍ تُساق إلى الذبح… ولم يفتح فاه» (أش 53: 7).

صمت ليس ضعفاً، بل قوة. وكما يقول القديس أفرام السرياني: «صمت المسيح كان صراخ محبّة أقوى من كل عنف العالم». إنه صمت الثقة، صمت الذي يسلّم ذاته للآب، ويغلب الشرّ لا بالقوة بل بالبذل.

وفي هذا الصمت، نكتشف وجه الله الحقيقي.

ليس إلهاً ينتقم، بل إلهاً يغفر. ليس إلهاً يدمّر، بل إلهاً يخلّص. وكما يذكّر البابا بندكتس السادس عشر: «على الصليب، لا نرى قسوة الله، بل محبّةً بلغت أقصاها».

إنه المكان الذي انكشف فيه قلب الله بالكامل.

ومع ذلك، لا يتوقّف الصليب عند الألم.

«بعد تعب نفسه يرى نوراً ويشبع» (أش 53: 11).

فالجرح لا يكون النهاية، بل بداية. والموت لا يكون الكلمة الأخيرة، بل معبرًا نحو الحياة.

وقد لخّص القديس يوحنا الذهبي الفم هذا السر بقوله: «حيث ظنّ الشيطان أنه انتصر، هناك بدأ خلاص العالم».

في هذا اليوم، لا نتأمّل في آلام المسيح كحدث بعيد، بل كحقيقة تمسّ حياتنا.

فكل واحد يحمل صليباً: وجعاً خفياً، خوفاً، خسارة، أو تعباً داخلياً. لكن الصليب يعلن لنا ثلاث حقائق لا تتزعزع:

-أولاً، الله ليس بعيداً عن ألمنا، بل فيه.

فالمسيح هو «رجل الأوجاع» الذي يعرف أعماقنا.

-ثانياً، الألم يمكن أن يتحوّل.

حين نتّحد بالمسيح، لا يبقى الألم عبثاً، بل يصبح طريق نعمة. كما يقول القديس يوحنا بولس الثاني: «الألم، متحداً بمحبة المسيح، يصبح مشاركة في عمل الخلاص».

-ثالثاً، الألم ليس النهاية.

فالصليب يقود دائماً إلى القيامة، والجمعة تفتح على فجر الأحد.

لهذا، في الجمعة العظيمة، لا نسجد لخشبة، بل لحبّ.

حبٍّ جُرح لكي يشفينا. حبٍّ انكسر لكي يقيمنا.

حبٍّ مات لكي يعطينا الحياة.

فلنقف أمام الصليب بصمتٍ عميق، لا كمتفرّجين، بل كأبناءٍ يعرفون أن خلاصهم كُتب بالدم. ولتظلّ هذه الكلمة محفورة في القلب:

«بجراحه شُفينا»… ليس لأن الألم جميل، بل لأن الحبّ أقوى من كل ألم. 


عودة إلى المقالات

إخترنا لكم