كتّاب المحبّة
التعليم في زمن الأزمات في لبنان
في ظلّ الوضع الأمني الذي يشهده لبنان، يجد الأطفال أنفسهم مرة جديدة أمام واقع تعليمي غير مستقر، يتراوح بين التعليم الحضوري في مناطق أكثر أمانًا نسبيًا، والتعليم عن بُعد في مناطق أخرى، أو حتى الانقطاع التام عن التعليم نتيجة النزوح. إلا أن ما يزيد من تعقيد هذا الواقع هو أنّ هذه التجربة لا تأتي بمعزل عن الماضي القريب، بل تتقاطع بشكل مباشر مع تداعيات جائحة كورونا، التي تركت أثرًا عميقًا على المسار التعليمي والنفسي للأطفال.
خلال جائحة كورونا، انتقل التلاميذ بشكل مفاجئ إلى التعليم عن بُعد، ما أدى إلى تحديات كبيرة تمثلت في العزلة الاجتماعية، ضعف التفاعل، وتراجع الدافعية للتعلم، إلى جانب فجوات تعليمية واضحة، خاصة لدى الفئات الأكثر هشاشة تحديدا" لدى الأطفال ذوي صعوبات التعلم وذوي الاحتياجات الخاصة، الذين يحتاجون إلى دعم مستمر وإشراف مباشر لتسهيل فهم المواد واستيعابها. ورغم العودة التدريجية إلى التعليم الحضوري، إلا أن العديد من الأطفال لم يتمكنوا من استعادة توازنهم الكامل، سواء على المستوى الأكاديمي أو النفسي.
اليوم، ومع عودة أنماط التعليم غير المستقرة نتيجة الحرب، يعيش الأطفال ما يمكن وصفه بـ "تراكم الأزمات" أو "الإجهاد النفسي التراكمي"، حيث لم تُتح لهم فرصة التعافي من الأزمة السابقة قبل مواجهة أزمة جديدة، أكثر حدة وخطورة، كونها تمسّ بشكل مباشر شعورهم بالأمان الجسدي.
في المناطق التي لا تزال تشهد تعليمًا حضوريًا، يذهب الأطفال إلى مدارسهم وهم يحملون مشاعر خوف وقلق مستمرين. هذا القلق يضعهم في حالة تأهّب نفسي دائم، ما يؤثر على قدرتهم على التركيز، ويضعف من استيعابهم، وقد يظهر ذلك من خلال سلوكيات انسحابية أو عدوانية داخل الصف. فغياب الشعور بالأمان، وهو شرط أساسي للتعلم، يجعل العملية التعليمية أقل فعالية، حتى وإن استمرت بشكلها الطبيعي.
أما في المناطق التي انتقلت إلى التعليم عن بُعد بسبب التصعيد، فتبرز تحديات مشابهة لتلك التي ظهرت خلال كورونا، ولكن بحدة أكبر. فالتعلم من المنزل في بيئة قد تكون غير آمنة أو مكتظة، ومع انقطاع الكهرباء أو الإنترنت، يضعف من قدرة الطفل على المتابعة. كما أن غياب التفاعل الاجتماعي يزيد من شعور العزلة، ويؤثر سلبًا على الصحة النفسية والدافعية للتعلم. ومع تكرار هذه التجربة، يشعر بعض الأطفال بالإرهاق والرفض لهذا النمط من التعليم.
ويأتي النزوح كأحد أكثر العوامل تأثيرًا، حيث يُجبر الطفل على مغادرة منزله ومدرسته، ما يؤدي إلى انقطاع تعليمي وفقدان الروتين اليومي، إضافة إلى خسارة شبكة الدعم الاجتماعي من أصدقاء ومعلمين. هذا الانقطاع لا ينعكس فقط على التحصيل الدراسي، بل يترك آثارًا نفسية عميقة، مثل القلق، الحزن، اضطرابات النوم، وصعوبة التكيف مع بيئة جديدة. كما يزيد من خطر التسرب المدرسي واللجوء إلى آليات تكيف سلبية مثل عمالة الأطفال.
إن ما نشهده اليوم هو تفاقم لفجوات التعلم التي بدأت خلال جائحة كورونا، حيث تتسع الفروقات بين الأطفال تبعًا لقدرتهم على الوصول إلى التعليم، سواء الحضوري أو عن بُعد. هذا التفاوت، إذا لم يُعالج، قد يؤدي إلى تأخر دراسي مزمن، ويهدد مستقبل جيل كامل.
من منظور نفسي، فإن تداخل هذه الأزمات يضع الأطفال تحت تأثير ما يُعرف بـ "الإجهاد السام"، الذي قد يؤثر على نمو الدماغ، والقدرة على التعلم، وتنظيم المشاعر. في هذه الحالة، لا يعود التعليم وحده كافيًا، بل يجب أن يكون مصحوبًا بدعم نفسي واجتماعي يلبّي احتياجات الطفل الأساسية.
لذلك، تبرز الحاجة إلى استجابة شاملة ومتكاملة تأخذ بعين الاعتبار البعدين التعليمي والنفسي معًا. ويشمل ذلك:
• تعزيز برامج الدعم النفسي والاجتماعي داخل المدارس وخارجها
• تكييف أساليب التعليم لتكون أكثر مرونة وتفاعلية، خاصة في التعليم عن بُعد
• التركيز على تعويض التأخر التعليمي بدلًا من الالتزام الحرفي بالمناهج
• دعم الأهل وتمكينهم من مرافقة أطفالهم في هذه الظروف الصعبة
• توفير بيئات آمنة ومساحات تتيح للأطفال التعبير عن مشاعرهم
في الختام، لا يمكن فصل التعليم عن الصحة النفسية، خاصة في سياق الأزمات المتكررة. إن الأطفال في لبنان اليوم لا يواجهون أزمة واحدة، بل سلسلة من التحديات المتراكمة التي تهدد استقرارهم ونموهم. من هنا، فإن ضمان استمرارية التعليم يجب أن يترافق مع استثمار حقيقي في الصحة النفسية، من أجل حماية هذا الجيل وتعزيز قدرته على الصمود والتعافي في مواجهة الحاضر وبناء المستقبل.
الدكتور ربى موسى
أخصائية نفسيّة