كتّاب المحبّة

من الجراح إلى الرحمة: "لقاء يبدّل الحياة"

من الجراح إلى الرحمة: "لقاء يبدّل الحياة"

في هذا الأحد، لا تقودنا الكنيسة فقط إلى الإيمان بالقيامة، بل إلى قلبها النابض: الرحمة الإلهية. فالمسيح القائم لا يظهر بقوةٍ مهيبة، بل بجراحٍ مفتوحة، تحمل سلامًا وغفرانًا. عندما وقف يسوع في وسط التلاميذ، قال: «السلام لكم» (يو 20:26).

هذا السلام ليس تحية عابرة، بل عطية تنبع من رحمته التي غلبت الخطيئة والموت.

توما يلمس الجراح… وهناك يكتشف أن الله ليس إله إدانة، بل إله رحمة. فيصرخ: « ربي وإلهي!» (يو 20:28).

1. الرحمة: اسم الله الأعمق.

علّم القديس يوحنا بولس الثاني أن: « الرحمة هي اسم الله الثاني».

وفي إعلانه أحد الرحمة الإلهية، أراد أن يذكّر الكنيسة والعالم أن القيامة تبلغ كمالها في الغفران.

فمن قلب المسيح المطعون، تتدفّق الرحمة كنبع خلاص لكل إنسان.

القيامة إذًا ليست فقط انتصارًا، بل دعوة للثقة:

أن نقترب من الله كما نحن، بجراحنا وخطايانا، دون خوف.

2. من الشك إلى الثقة.

توما يمثّل الإنسان الذي يريد أن يفهم قبل أن يؤمن.

لكن المسيح يقوده إلى ما هو أعمق: الثقة.

كما قال القديس يوحنا بولس الثاني:  « يسوع، إني أثق بك» — هذه هي الصلاة التي تلخّص روحانية الرحمة الإلهية.

الإيمان الحقيقي لا يقوم فقط على البرهان، بل على علاقة ثقة. الله لا يطلب كمالنا، بل انفتاح قلبنا.

3. المصالحة: مكان اختبار الرحمة.

يذكّرنا بولس: « تصالحوا مع الله» (2 كور 5:20).

الرحمة ليست فكرة، بل خبرة تُعاش، خصوصًا في سرّ التوبة. هناك نختبر أن الله:

لا يتعب من غفراننا

لا يرفض عودتنا

بل ينتظرنا دائمًا

في عالمٍ مثقل بالجراح، تصبح الكنيسة بيت رحمة، حيث يجد كل إنسان مكانًا للعودة والشفاء.

4. أن نصير شهود رحمة.

إشعيا يدعونا:

«ما أجمل أقدام المبشّر بالسلام» (إش 52:7)

لكن أي سلام نحمل؟ إنه سلام الرحمة. هذا يعني عمليًا:

أن نغفر كما غُفر لنا

أن نقترب من المتألمين بدل أن ندينهم

أن نكون حضور عزاء ورجاء

كما شدّد البابا فرنسيس: « الكنيسة مدعوّة لأن تكون مستشفى ميدانيًا», أي مكانًا يضمّد الجراح قبل أن يحاكمها.

5. تطبيقات رعوية في روح الرحمة.

في العائلة:  ازرعوا ثقافة الغفران، لا الحساب. الرحمة تبني ما لا يبنيه العدل وحده.

في الرعية: لتكن الكنيسة مكان استقبال، حيث لا يُقصى أحد، بل يُحتضن الجميع بمحبة المسيح.

في حياتك الشخصية: كرّر ببساطة: « يسوع،إني أثق بك»

واجعلها موقف حياة، لا مجرد كلمات.

"الرحمة طريق القيامة"

توما لمس الجراح، فاكتشف الرحمة.

ونحن، عندما نقترب من قلب المسيح، نكتشف أن:

الله لا يرفضنا

بل ينتظرنا

ويحوّل ضعفنا إلى حياة جديدة

في هذا الأحد، لنجدّد إيماننا، لا فقط بالمسيح القائم، بل بمحبته الرحيمة.

ولنعلن معه، بثقة وفرح:  « ربي وإلهي!»

ولنردّد في أعماقنا: يسوع، إني أثق بك. آمين


الخوري جوني تنوري

من الأبرشية البطريركية المارونية - نيابة جونية


عودة إلى المقالات

إخترنا لكم