كتّاب المحبّة

من خلف الأبواب المغلقة… يولد الرجاء من جديد...

من خلف الأبواب المغلقة… يولد الرجاء من جديد...

في زمنٍ مثقلٍ بالخوف والقلق، يأتي “الأحد الجديد” المتزامن مع عيد الرحمة الإلهية ليحمل رسالة تتجاوز الطقوس إلى عمق الحياة: القيامة ليست حدثًا ماضيًا، بل واقعٌ يُعاش كل يوم.

يروي إنجيل ظهور يسوع المسيح لتلاميذه مشهدًا شديد الواقعية: جماعةٌ مختبئة خلف أبوابٍ مغلقة، لا يملؤها الفرح بل الخوف. هذا المشهد لا يختلف كثيرًا عن واقع الإنسان اليوم، حيث تتكاثر الأبواب المغلقة في القلوب قبل البيوت، نتيجة القلق، والحروب، والانقسامات.

ومع ذلك، لا تقف القيامة عند حدود هذه الأبواب. فالمسيح لا ينتظر أن تُفتح له، بل يدخل إليها ويقف في الوسط، معلنًا كلمته الفاصلة: “السلام لكم”. إنّه سلامٌ لا يرتبط بغياب الأزمات، بل بحضور الله في قلبها. سلامٌ يبدأ من الداخل، ويعيد ترتيب الإنسان من جديد.

ضمن هذا المشهد، يبرز توما، التلميذ الذي لم يكتفِ بشهادة الآخرين. شكّ، وطلب أن يرى ويلمس. غير أن هذا الشك لم يكن نهاية الطريق، بل بدايته. فالمسيح لم يرفضه، بل اقترب من ضعفه، وفتح له باب الإيمان من خلال جراحه. وهكذا تحوّل الشك إلى أعمق اعتراف: “ربي وإلهي”. في هذا البُعد، يتجلّى معنى عيد الرحمة الإلهية، حيث لا يُدان الإنسان على ضعفه، بل يُدعى إلى لقاء يغيّره.

إنّ الجراح التي أظهرها المسيح القائم ليست علامة هزيمة، بل شهادة حب. فهي تكشف أن الألم، حين يُعاش في الله، يتحوّل إلى قوة خلاص. وهذا ما يحتاجه عالم اليوم، حيث تتكاثر الجراح الفردية والجماعية، وتكاد تُختزل الحياة بمنطق الألم. غير أن القيامة تعلن أن الجرح ليس النهاية، بل يمكن أن يصبح بدايةً جديدة.

من هنا، تكتسب كلمات رسالة بولس الرسول الثانية إلى أهل كورنثوس معناها العميق: “إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة”. فالأحد الجديد لا يعني مجرد زمنٍ يلي الفصح، بل حياةً مختلفة بالكامل. إنّه دعوة للخروج من أسر الماضي، ومنطق الخوف، إلى أفقٍ جديد تُصاغ فيه الهوية على ضوء القيامة.

وفي عالمٍ يميل إلى الانتقام والانقسام، يبرز بُعدٌ أساسي لهذا الأحد: الرحمة. فالمؤمن مدعوّ اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى أن يكون شاهدًا للرحمة، لا بالكلام فقط، بل بالموقف والحياة. الرحمة هنا ليست ضعفًا، بل شجاعة تتخطّى ردّات الفعل، وتفتح باب المصالحة في وجه الانغلاق.

إنّ الأحد الجديد يضع الإنسان أمام خيار واضح: إمّا أن يبقى خلف الأبواب المغلقة، أسير الخوف والشك، وإمّا أن يفتح قلبه لحضور الله الذي يحوّل كل شيء. فحين يدخل المسيح، لا يكتفي بتهدئة القلق، بل يمنح حياة جديدة، ويحوّل الإنسان نفسه إلى رسالة رجاء في عالمٍ متعطّش إلى النور.

في النهاية، تبقى الحقيقة الأعمق:

الأبواب المغلقة لا تمنع القيامة… لكنها قد تمنع الإنسان من اختبارها.

أما من يجرؤ على فتح قلبه، فيكتشف أن القيامة ليست خبرًا يُروى، بل حياة تُعاش.


الخوري طوني بو عساف

دكتور في العلوم التربوية 

من الأبرشية البطريركية - نيابة جونيه

عودة إلى المقالات

إخترنا لكم