كتّاب المحبّة
الفينيقي: بين المجد والغزو "مُستَعْمِر ومُستَعْمَر"
لم يكن الفينيقيّ مجرّد إنسانٍ من زمنٍ قديم، بل كائنا ولد بين موجتين. كان حالةً حضاريّة تمشي على قدمين: قدمٌ في البحر، وقدمٌ في التاريخ. بلغ هذا الإنسان ذروة حضارته، في العصر الحديدي، بين القرن الثاني عشر والرابع قبل الميلاد، لا بسيفٍ رفعه، بل بسفينةٍ أطلقها، ولا بجيشٍ زحف به، بل بحرفٍ انتشر. فكان أن استَعْمَر… واستُعمِر.
-أولًا: حين خرج الفينيقي ليزرع العالم
لم يكن الفينيقيّ فاتحًا تقليديًا. لم يكن يحمل معه الحرب، بل السوق. ولا يحمل العقيدة السياسيّة، بل البضاعة. كان يتسرّب إلى الشعوب كتاجر، فلا يُخيف، بل يُغري. ولا يهدّد، بل يُنشّط. وحين كان يحلّ في أرضٍ، كان يوقظ فيها الحياة.
وفي كلّ البلدان التي وطئتها أقدام الفينيقيين كجاليات تجاريّة، ما لبثوا أن تحوّلوا إلى مستعمرين مُرحَّب بهم وبسفنهم التي تمخر عباب المتوسط، فتربط بين المستعمرة والأخرى وبين الوطن الأم. ولم تمضِ برهة من الزمن حتى أصبحت مستعمراتهم منتشرة من دلتا النيل إلى شواطئ كيليكيا(Cilicia)، وصولًا إلى بلاد الإغريق ومناطق أخرى من المتوسط (حتّي، 1978، ص. 139).
فرضت صور سيادتها على كيتيون (Kition) في قبرص، ومنها توسّعت إلى إيداليون (Idalion)، وتماسوس (Tamassos)، ولابيثوس (Lapithos)، ولارنكا (Larnaca)، فأحاطت مؤسّسات الفينيقيّين الصوريّين بالجزيرة من مختلف أطرافها. كما استقرّ الفينيقيّون في رودوس (Rhodes)، وياليزوس (Ialysos)، وكاميروس (Kamiros)، وكانوا يتّخذون لهم رئيسًا يُلقّب بـ"فالاس “. (Phalas) كذلك نزلوا في جزيرة كريت (Crete)، وجزر الأرخبيل، ولا سيّما الإسبوراد (Sporades) والكيكلاد (Cyclades)، بحسب ما يذكر توسيديد (كونتنو، 2001، ص. 68).
وتجدر الإشارة إلى أنّ الفينيقيّين لم يكونوا روّاد حروب وفتوحات، بل رجال فكر وتجارة؛ لذلك لم يؤسّسوا مستعمرات في البلدان التي كانت تتمتّع بحكومات قادرة على حماية نفسها، بل اكتفوا بإنشاء وكالات تجاريّة، يشترون فيها حقّ حرية التجارة .
ولم يقف توسّعهم عند هذا الحد، بل امتدّ إلى الجزر الوسطى من البحر المتوسّط، مثل صقلية (Sicily) وسردينية (Sardinia)، حيث يعود وجود الجاليات الفينيقيّة إلى منتصف القرن الحادي عشر ق.م. ومن أقدم المستعمرات التي تأسّست نحو سنة 1000 ق.م مدينة قادس في إسبانيا (Cádiz) ويوتيكا في تونس (Utica).
ويرتبط اسم قادس بأصل فينيقي يعني "الجدار" أو "المدينة المسوّرة"، بينما يُشتق اسم يوتيكا من لفظ ساميّ يدلّ على "العتيق" أو "القديم". أمّا قرطاج، "ابنة صور"، التي تأسّست سنة 814 ق.م، فيعني اسمها "المدينة الجديدة"، في مقابل "المدينة القديمة" (يوتيكا) (كونتنو، 2001، ص. 68).
-ثانيًا: قرطاج… حين هربت أليسار فأسّست تاريخًا
ومن بين كلّ المدن التي ولدت من رحم البحر، تظلّ قرطاج الحكاية الأجمل. هي ليست مدينة فقط، بل أسطورة تمشي. هناك، في صور، حيث اشتعل الصراع بين السلطة والطمع، وقفت أليسار - ديدون (Dido / Elissa) لا كأميرةٍ مهزومة، بل كقدرٍ يُبحر. حملت خدعةً، لا سيفًا، وذكاءً، لا جيشًا. ملأت الأكياس رملًا، وأقنعت الخدّام أنّها ذهب، ثم عبرت البحر، لا لتنجو، بل لتؤسّس.
وعندما وصلت إلى الشاطئ الأفريقي، طلبت أرضًا بحجم جلد ثور، فأخذت الأرض بحجم حيلة. قطّعت الجلد، وأحاطت به مدينة. هكذا وُلدت قرطاج سنة 814 ق.م، لا كمدينة جديدة فقط، بل كامتداد لروح صور. لكن النهاية كانت تراجيديّة، حين فضّلت أليسار النار على الخضوع، وكأنّ الفينيقيّ، حتى في موته، يرفض أن يُستعمَر.
-ثالثًا: حين صار البحر وطنًا
في إيبيريا (Iberia)، لم يكن الفينيقيّ غريبًا، بل صار صاحب أرض. في ترشيش (Tartessus)، في قادس (Gadir / Cádiz)، في ملغا (Malaka / Málaga)، حتى في أسماء المدن، ترك بصمته اللغويّة.
كانت تلك الأرض وطنًا ثانيًا للحضارة اللُبْنَانيّة. وفي بلاد الإغريق (Greece / Hellas)، لم يحمل معه البضائع فقط، بل الحكايات.
فقدموس (Cadmus) الصوري الشرقيّ، الذي حمل الأبجديّة إلى الغرب، لم يكن مجرّد أسطورة، بل جسرًا بين عالمين. ومن لبنان إلى اليونان (Greece)، انتقلت الأشجار، والعطور، والثمار، كما انتقلت الحروف. وكان البحر الأبيض المتوسّط (Mediterranean Sea)، ليس حدًّا، بل طريقًا.
-رابعًا: حين استُعمِر الفينيقي
لكن التاريخ لا يُكتب باتجاه واحد. جاء الإسكندر، الشاب الذي أراد أن يوحّد العالم، فاستسلمت المدن، إلا مدينةً واحدة: صور.
هناك، وقفت الصخرة في وجه الإعصار. سبعة أشهر من الحصار، والبحر يُردم، والمدينة تقاوم. سقطت صور… لكنّها لم تُهزم. فبقي صمودها أشهر من سقوطها، ومقاومتها أقوى من انتصار الإسكندر عليها. هنا، صار الفينيقيّ مستعمَرًا، لكنّه لم يفقد روحه.
خامسًا: التبادل الذي يصنع الحضارات
بعد الفتح، لم يتوقّف الفينيقيّ عن العطاء. امتزجت الحضارات، وتدفّقت السلع، وتلاقحت الأفكار. لم يعد الشرق شرقًا خالصًا، ولا الغرب غربًا خالصًا. بل وُلدت حضارة جديدة:
الهلنستيّة . وفي ظلّ الرومان، حين ساد Pax Romana، حدث ما يشبه المعجزة: تأثّر المحتلّ بالمحتلّ.
أثّر اليونان في الرومان، والفينيقيّون أثّروا في الاثنين معًا. حتى في الموت، تغيّر كلّ شيء. فمن الحرق إلى الدفن، ومن النهاية إلى الرجاء، انتقلت فكرة الحياة بعد الموت.
الفينيقيّ ليس صفحةً في كتاب، بل فكرة. هو الإنسان الذي: استعمر بلا سيف، ونشر حضارته بلا قسر، وتألّم دون أن يفقد ذاته. هو الذي علّم العالم أن: البحر طريق، والحرف رسالة، والحضارة تبادل. وأنّ أعظم الانتصارات ليست تلك التي تُكتب بالدم، بل تلك التي تُكتب بالحرف.
الخوري ميخائيل قنبر
دراسات عليا في العلوم الدينية