كتّاب المحبّة
قيامة يسوع المسيح من بين الأموات، جواب على حزن الإنسان
إنّ نصّ لقاء يسوع بتلميذي عمّاوس هو خاصّ بالقدّيس لوقا، ويُبيّن مدى قيمة الإفخارستيا بالنسبة للمسيحيّين، فالنص يُبيّن أقسام القدّاس، حيث قسم الكلمة " وكان يُكلّمهم ويشرح لهما الكتب..." وقسم القربان" كسر الخبز". ولكن لن نتوسّع في هذا الكلام ، بل سنتأمّل في قيامة يسوع التي تشفي من الحزن.
1 - نتأمّل اليوم في كيف يمكن لقيامة السّيّد المسيح أن تشفي أحد أمراض زمننا: الحزن. فالحزن متفشٍّ ومتغلغل، يرافق أيام أناس كثيرين. إنّه شعور بعدم الاستقرار، وأحيانًا باليأس العميق الذي يغزو داخل الإنسان ويبدو كأنّه يتغلَّب على كلّ اندفاع نحو الفرح. " رَوِّحْ عن نَفسِكَ وفَرَجْ عن قَلبِكَ واطرُدِ الحُزنَ عَندً بَعيدًا. فانَّ الحُزنَ قَتَلَ كَثيرينَ ولَيسَ فيه مَنفَعَة". (يشوع بن سيراخ 30: 23).
2 - الحزن يسلب معنى الحياة وحيويّتها، فتصير أشبه برحلة بلا وجهة ولا معنى. هذا الواقع المعاصر يُعيدنا إلى القصة المعروفة في إنجيل لوقا (24، 13-29) عن تلميذَي عِموَاس. فهذان التّلميذان، المُحبَطان والكئيبان، غادرا أورشليم وتركا خلفهما الآمال التي وضعاها في يسوع، الذي صُلِب ودُفِن.
3 - هذا الحدث، في بدايته، يُبيِّن نموذجًا من حزن الإنسان: نهاية الهدف الذي بُذلت فيه طاقات كثيرة، وانهيار ما كان يبدو جوهر الحياة. لقد تلاشى الرّجاء، واستولت الكآبة على القلب.
4 - المفارقة هنا بليغة حقًّا: هذه الرّحلة الحزينة، رحلة الهزيمة والعودة إلى الحياة العاديّة، تمّت في اليوم نفسه الذي تحقّق فيه انتصار النّور، يوم الفصح الذي اكتمل تمامًا. لقد أدار التّلميذان ظهريهما إلى الجلجلة، إلى مشهد الصّليب الرّهيب الذي كان لا يزال مطبوعًا في أعينهما وقلبيهما. ( النظر إلى ألم المسيح...).
5 - وفجأة، انضم مسافر إلى التّلميذين، ربما كان أحد الحجّاج الذين كانوا في أورشليم للاحتفال بالفصح. إنّه يسوع القائم من بين الأموات، لكنّهما لم يعرفاه. فالحزن غَشَى نظرَهما، ومَحَا من ذاكرتهما الوعد الذي كرّره المعلِّم مرارًا: أنّه سيُقتل وفي اليوم الثّالث سيقوم. اقترب الغريب وأظهر اهتمامًا بما كانا يتكلّمان. ويقول النّص إنّهما "وَقفا مُكتَئِبَين" (لوقا 24، 17). الصّفة اليونانيّة المستخدمة تصف حزنًا شاملًا: فملامح وجهيهما تُعبِّر عن شلل في النّفس.
6 - أصغى يسوع إليهما، وتركهما يعبّران عن إحباطهما. ثمَّ وبّخهما بصراحة كبيرة لأنّهما كانا "قَليلَيْ الفَهم وبطيئَيْ القَلْبِ عنِ الإِيمانِ بِكُلِّ ما تَكَلَّمَ بِه الأَنبِياء" (الآية 25)، وبيَّن لهما من خلال الكتب المقدّسة أنّ المسيح كان يجب عليه أن يتألّم ويموت ويقوم من بين الأموات. فاشتعلت حرارة الرّجاء من جديد في قلب التّلميذَين، وعندما حلّ المساء ووصلَا إلى وِجهتهمَا، دَعَيا رفيق طريقهما الغريب ليبقى معهما.
7 - قَبِلَ يسوع دعوتهما وجلس معهما على المائدة. ثمّ أخذ الخبز وكسره وقدّمه لهما. في هذه اللحظة عرفه التّلميذَان... لكنّه غاب مباشرة عن نظرهما (الآيات 30-31). فتحت علامة كَسر الخبز أعين قلبيهما من جديد، وأنارت من جديد رؤيتهما التي ظلَّلها اليأس.
8 - اشتعل الفرح من جديد مباشرة، وتدفّقت الطّاقة من جديد في الأعضاء المُنهكة، وعادت الذّاكرة لِتَشكُر. فرَجِع الاثنان بسرعة إلى أورشليم ليخبرا الآخرين بكلّ ما حدث. "الرّبّ قام حقًّا" (راجع الآية 34). في هذا الوصف، تَحَقَّقَتْ "حقًّا" قمّة تاريخنا البشريّ.
خلاصة روحيّة
أ - ليَكُن فرح تلميذَي عِمْوَاس غير المُنتظر تنبيهًا عذبًا لنا عندما تصير مسيرتنا صعبة. ويشهد على هزيمة الموت ويؤكّد انتصار الحياة، على الرّغم من ظلمات الجلجلة.
ب - أن نعترف بقيامة الرّبّ من بين الأموات يعني أنْ نُغيِّرْ نظرنا إلى العالم: أنْ نعود إلى النّور لندرك الحقيقة التي خلّصتنا وما زالت تُخلِّصنا.
ج - لِنَفتَحْ قلوبَنا للرَّبِّ القائِمِ مِن بَينِ الأمواتِ الَّذي يَسيرُ مَعَنا ومِن أجلِنا، والقادِرِ على أنْ يَملأَ قَلبَنا بالرَّجاءِ والفَرَحِ أمامَ صِعابِ الحياة. آمين.
الخوري حنا عبود
من الأبرشية البطريركية المارونية - منطقة زغرتا