كتّاب المحبّة
على طريق عمّاوس: "من الحيرة إلى اكتشاف الحضور الإلهي"
يُعدّ إنجيل تلميذي عمّاوس من أكثر النصوص الإنجيليّة عمقًا وقربًا من الخبرة الإنسانيّة، وهو من المقاطع التي أحبّها شخصيًّا لما يحمله من صدقٍ روحيّ يلامس واقع الإنسان في إيمانه وتساؤلاته. فهذا النص لا يقدّم إيمانًا مثاليًّا خاليًا من الشك، بل يكشف مسيرة إنسان يعيش بين الرجاء والحيرة، وبين المعرفة وعدم الفهم.
يُظهر هذا الإنجيل أنّ الإيمان ليس دائمًا واضحًا أو مكتملًا. فكثيرًا ما نؤمن، لكننا في الوقت عينه نتساءل ونحتار. نسمع عن القيامة ونردّدها، لكننا قد نعجز عن إدراك معانيها وأبعادها في حياتنا اليوميّة، خاصة في لحظات الألم أو الضياع. وهذا ما عاشه تلميذا عمّاوس: لم يكونا فاقدَي الرجاء بالكامل، بل كانا يتحدّثان عمّا جرى في أورشليم، عن يسوع، عن القبر الفارغ، وعن الأخبار التي سمعاها. كان يسوع حاضرًا في حديثهما، لكنّه لم يكن حاضرًا في نظرهما.
وهنا تكمن المفارقة العميقة: يمكن للإنسان أن يتحدّث عن الله، وأن يسمع عنه، بل وأن ينشغل به، ومع ذلك لا يدرك حضوره الفعلي في حياته. قد يكون الله قريبًا جدًّا، يسير معنا في الطريق نفسه، لكن عيوننا تكون عاجزة عن التعرّف إليه.
في هذا السياق، يقدّم يسوع نموذجًا إلهيًّا مميّزًا في مرافقة الإنسان. فهو لا يفرض نفسه، ولا يوبّخ، بل يقترب ويسير مع التلميذين، يصغي إليهما، ويفسّر لهما ما جرى. إنّه يقودهما تدريجيًّا نحو الفهم، لا من خلال إعطائهما معلومات مجرّدة، بل عبر إشعال قلبيهما. فالفهم الحقيقي في الإيمان لا يقتصر على العقل، بل يشمل القلب أيضًا، حيث يتحوّل الكلام إلى خبرة حيّة.
وتبلغ هذه المسيرة ذروتها “عند كسر الخبز”، حيث تنفتح أعينهما ويعرفانه. لم يكن التعرّف إلى يسوع في حدث خارق أو استعراض قوّة، بل في فعل بسيط ومألوف، يحمل في طيّاته عمق الشركة والحضور. وهنا يكتشف التلميذان أنّ الطريق كلّه كان مملوءًا بالحضور الإلهي، لكن ما كان ينقصهما هو عين ترى وقلب حاضر.
هذا الإنجيل يحمل رسالة تعزية وتشجيع لكل إنسان. فالحيرة والأسئلة ليست ضعفًا في الإيمان، بل قد تكون بداية طريق نحو لقاء أعمق مع الله. إنّ الإيمان الحقيقي لا يُبنى فقط على اليقين، بل أيضًا على المسيرة، على البحث، وعلى الانفتاح التدريجي على حضور الله.
في ضوء ذلك، يمكن لكل واحد منّا أن يرى في حياته “طريق عمّاوس” خاصًّا به. طريق قد يمتلئ بالأسئلة، وربما بالتردّد، لكنّه في الوقت عينه طريق يسير فيه المسيح معنا، حتى وإن لم ننتبه. والسؤال الجوهري الذي يطرحه هذا النص ليس إن كان الله حاضرًا، بل إن كنّا مستعدّين للَمس حضوره.
إنّ إدراك هذه الحقيقة يمنح الإنسان سلامًا عميقًا: ففي أضعف لحظاته، ليس لوحده. قد لا يرى، وقد لا يفهم، لكن الله يرافقه دائمًا، بحب وحنان، منتظرًا اللحظة التي تنفتح فيها العينان ويشتعل القلب.
الإعلامي روي أبو زيد