كتّاب المحبّة

من الباب إلى العمق: "التجلّي الفصحي والدعوة الكهنوتية بين هوية الراعي ورسالة الصيّاد"

من الباب إلى العمق: "التجلّي الفصحي والدعوة الكهنوتية بين هوية الراعي ورسالة الصيّاد"

في زمن القيامة، لا تكتفي الكنيسة بإعلان حدث القيامة، بل تدخل في مسار تعرّف متجدّد إلى حضور المسيح القائم. إن نصوص إنجيل يوحنا (10: 1–10؛ 21: 1–14) وإنجيل لوقا (5: 1–11) تكشف أن القيامة ليست حدثًا ماضيًا، بل خبرة كنسية حيّة تتشكّل فيها هوية التلميذ، وبشكل خاص الدعوة الكهنوتية، بين “الدخول” في سرّ المسيح و”الخروج” إلى عمق الرسالة.

١- “أنا الباب” — هوية تُبنى في المسيح.

يعلن يسوع: “أنا باب الخراف” (يو 10: 9)، محدِّدًا أن الخلاص هو عبور شخصي من خلاله. هذه الصورة تُؤسّس لهوية كهنوتية قائمة على العلاقة، لا على الدور.

يقول القديس أغسطينوس: “Ego sum ostium: per me intrant pastores et oves” (أنا الباب: بي يدخل الرعاة والخراف)، مشيرًا إلى أن كل خدمة كنسية أصيلة تمرّ عبر المسيح نفسه¹.

ويضيف القديس غريغوريوس الكبير أن “من لا يدخل من الباب، يطلب مجده لا مجد المسيح”².

في التعليم المعاصر، يوضح البابا بندكتس السادس عشر أن الإيمان “ليس فكرة أخلاقية، بل لقاء مع حدث، مع شخص يعطي الحياة أفقًا جديدًا”³. ويشدّد البابا فرنسيس على أن الراعي الحقيقي هو من يعيش “قربًا ثلاثيًا: من الله، ومن شعبه، ومن ذاته”⁴.

٢- من الليل إلى الفجر — مسار التعرّف إلى القائم.

في إنجيل يوحنا (21)، يظهر التلاميذ في حالة توتّر روحي: “ذهبوا ليصطادوا… فلم يصيبوا شيئًا” (يو 21: 3). إنها صورة الكنيسة حين تعمل بمعزل عن حضور المسيح.

يعلّق القديس يوحنا الذهبي الفم: “حين كان يسوع غائبًا عن أعينهم، كانت الشباك فارغة؛ وحين أطاعوا كلمته، امتلأت”⁵.

أما القديس كيرلس الإسكندري فيرى أن “عدم المعرفة” هو مرحلة ضرورية للعبور إلى الإيمان الحقيقي⁶.

يقف يسوع “على الشاطئ” (يو 21: 4)، في قلب الحياة اليومية، لكنهم “لم يعرفوا أنه هو”. هنا يكمن التحدي المعاصر: المسيح حاضر، لكن يحتاج إلى عين الإيمان.

٣- “أبعد إلى العمق” — الطاعة التي تلد الرسالة.

تتردّد دعوة “أبعد إلى العمق” (لو 5: 4) كبرنامج دائم للكنيسة. فبعد خبرة الفشل، تأتي الطاعة التي تفتح على فيض غير متوقّع.

يؤكّد القديس يوحنا بولس الثاني أن “Duc in altum” ليست مجرد عبارة إنجيلية، بل نداء متجدّد للكنيسة لكي تنطلق بثقة في زمن التحديات⁷.

ويضيف القديس أغسطينوس أن الشباك ترمز إلى الكنيسة التي “تجمع الجميع دون أن تنكسر، لأن وحدتها قائمة في المسيح”⁸.

٤- الحبّ والمعرفة — من التلميذ الحبيب إلى بطرس.

“إنه الربّ!” (يو 21: 7). التلميذ الحبيب يتعرّف أولاً، لأن الحبّ يسبق المعرفة. أمّا بطرس، فيتحرّك: “ألقى بنفسه في البحر”.

يرى القديس غريغوريوس الكبير أن “الحبّ يرى ما لا تراه العين، والإيمان يتحرّك حيث يتردّد العقل”⁹.

هذا التكامل بين الحبّ (يوحنا) والإيمان العامل (بطرس) يشكّل بنية الكنيسة ورسالتها.

٥- سرّ المائدة — الجماعة شرط اللقاء.

يصل التلاميذ إلى الشاطئ، حيث ينتظرهم الربّ بمائدة: “أخذ الخبز وأعطاهم” (يو 21: 13). إنها علامة إفخارستية واضحة.

يشير البابا بندكتس السادس عشر إلى أن الإفخارستيا هي “المكان الذي فيه يتجلّى القائم ويصنع الشركة”¹⁰.

ويشدّد البابا فرنسيس على أن الكنيسة لا تعيش القيامة إلا كجماعة: “لا يمكن أن نلتقي المسيح بمعزل عن الآخرين”¹¹.

٦- الدعوة الكهنوتية اليوم — قداسة في قلب العالم.

بين “الباب” و”العمق”، تتحدّد هوية الكاهن: رجل علاقة ورسالة. يدخل في سرّ المسيح، ويخرج إلى عالمٍ متقلّب، حيث التحدّي الأكبر هو التمييز.

يؤكّد القديس يوحنا بولس الثاني أن الكاهن هو “راعٍ على مثال قلب المسيح”¹²، بينما يدعو البابا فرنسيس إلى كاهن “منفتح، قريب، ومنطلق نحو الأطراف”¹³.

القداسة هنا ليست انسحابًا، بل اندماجًا مُقدَّسًا: أن يكون الكاهن في العالم دون أن يفقد جذوره في الله.


إن التجلّي الفصحي لا يُعاش إلا في هذا التوتر الخلّاق: بين عدم المعرفة والتعرّف، بين الليل والفجر، بين الباب والعمق.

هناك، حيث يطيع التلميذ الكلمة، ويصغي لصوت الراعي، ويلتقي بإخوته حول المائدة، يصبح القائم حاضرًا. وهناك أيضًا تتجدّد الدعوة الكهنوتية: عبورٌ دائم في المسيح، ورسالة لا تتوقّف في قلب العالم.


الخوري جوني تنوري

من الأبرشية البطريركية المارونية - نيابة جونية


عودة إلى المقالات

إخترنا لكم