كتّاب المحبّة

هل نحن مخلصون بالمسيح أم بالسياسة، وهل رجاؤنا المسيح أم هذا العالم؟

هل نحن مخلصون بالمسيح أم بالسياسة، وهل رجاؤنا المسيح أم هذا العالم؟

مَجد يسوع المسيح الذي ظهر بتواضعه وآلامه وقيامته ومحبته لا يزول. لا نستطيع أن نماثل ملكوت الله بأي حكم أو شكل سياسي أو أن نستبدله بأي مُلك أرضي أو أن نذوبهما بعضهما ببعض  حتى لا يكون الإيمان في خدمة أي سلطة سياسية التي غالبًا ما تستغله لمصالحها.

  لم يغب عن تاريخ المسيحية صورة يسوع المسيح المصلوب والقائم من الموت وصورة باراباس الثائر الذي قاتل وقتل الرومان من أجل تحرير الأرض من المحتل. نحن أمام شكلين من المسيحانية يقفان بعضهما في وجه البعض. الخيار يقع إذًا بين مسيح يقود القتال ويَعِد بالحرية والمُلك وبين يسوع المسيح الذي يعلن أن بذل النفس هو الطريق إلى الحياة. وقف الناس في وقت محاكمة يسوع بين مسيحَين، بين خيارين ويقف اليوم مسيحيو العالم أمام  هذين الخيارين. خيار بارابس هو خيار العنف والقوة بإسم الله ولبناء مُلكه وخيار يسوع هو خيار اللاعنف في سبيل ملكوته وفي سبيل بناء مجتمع عادل.

 خلاص المسيحي لا يتعلق بأية قوة أرضية ، بأية قوة من هذا العالم، بل بصليب المسيح العبد المتألّم والقائم من الموت.

يحق لله وحده العبادة والسجود. يسوع المسيح هو خلاصنا لأنه حمل إلينا الله وبالتالي الحقيقة حول من أين أتينا وإلى أين نذهب، حمل إلينا الإيمان والرجاء والمحبة. نعم أن قدرة الله في هذا العالم خافتة لكنها هي القدرة الحقيقية والباقية. 

يسوع المسيح هو خلاصنا لأنه حمل إلينا ملكوت الله الذي أصبح بيسوع المسيح حاضرًا في العالم. وقد شبهّت الأناجيل ملكوت الله بتشابيه بسيطة. حبة الخردل أصغر الحبوب التي تصبح شجرة كبيرة تعشعش فيها العصافير، الخميرة التي تخمّر العجين كله، الكنز الذي وجده الفلاح فباع كل شيء ليشتريه. ملكوت الله في داخلنا وفي وسطنا ويسكن فينا بقوة الروح القدس. إنه ملكوت الحب والخدمة والتواضع والحياة ، ملكوت ينبذ العنف والدمار والقتل باسم الله.

 عندما نصلي ونقول ليأت ملكوتك نعترف قبل كل شيء بألوية الله الذي هو محبة. ملكوت الله هو يسوع المسيح بشخصه وحيث يكون يسوع هناك يكون ملكوت ألله ويسقط ملكوت الله من القلب الذي لا يتغذى من قوة حياة يسوع. 

لنتذكر أن أولوية المسيحيين أن يستقبلوا ملكوت ألله في قلوبهم، في حياتهم، وأن يعلنوا مجيء ملكوت الله للعالم أجمع، أن يعلنوا حب الله له.

إعلان ملكوت الله لا يعفي المؤمن من الانخراط السياسي والاجتماعي  لأنه مدعو من خلال انخراطه أن يدافع عن الخير العام وعن كرامة الإنسان المقدسة. هذا الإنسان ، أي كل انسان، العزيز في عيني الله الذي أحبه حتى الصليب. لقد فدى الله الإنسان وفدى العلاقات البشرية. لا يخلص الإنسان بالسياسة، بل يمارسها لخدمة الإنسان والخير العام. مُبتغى المؤمن ليس هذا العالم، بل العالم الذي لا يزول، لكنه متجسّد في"الآن وإلهُنا"، شاهدًا لمعلّمه يسوع بأقواله وأفعاله وممارساته. يمارس المؤمن السياسة المُفتداة المؤسَسة على قِيم الكتاب المقدس وعلى تعليم الكنيسة. يمارس لا السياسة الشعبوية، بل السياسة الشعبية التي تعمل لأجل السلام والخير العام وحقوق الإنسان، المؤمن المُفتدى يمارس سياسة مُفتداة.


الخوري الدكتور ميلاد عبود

دكتوراه فـي اللاهـــوت العقائدي وفي الفلسفة الإسلامية


عودة إلى المقالات

إخترنا لكم