كتّاب المحبّة

بيروت… أمّ الشرائع ومرضعَة العدالة

بيروت… أمّ الشرائع ومرضعَة العدالة

قبل أن تُكتب صفحات التاريخ بالسيف، كُتبت في بيروت بالقلم. وقبل أن تُضاء الكنائس على الجبال، أضاءت هذه المدينة عقول العالم بنور القانون. لم تكن بيروت يومًا مجرّد مدينة ساحليّة، بل كانت مدرسةً للعدالة، ومختبرًا للفكر، ومنبرًا تُصاغ فيه علاقة الإنسان بالحقّ. في هذا المقال، نعود إلى بيروت الأولى، إلى تلك اللحظة التي صارت فيها "أمّ الشرائع"، لنقرأ تاريخها لا كوقائع جامدة، بل كملحمةٍ إنسانيّة تفيض علمًا وألمًا ومجدًا.

١- حين صار الفكر موطنًا

عند مطلع الألفيّة الأولى، كانت بيروت منارةً ثقافيّة في قلب الشرق الروماني. فيها نشأ أشهر معهدٍ للحقوق خارج إيطاليا، معهدٌ لم يكن مجرّد مكانٍ للتعليم، بل فضاءً حيًّا لصياغة العدالة. 

كانت قبلة طلاب القانون من مختلف أرجاء المشرق، لأن دراسة الحقوق لم تكن علمًا نظريًا فحسب، بل طريقًا إلى الحكم والإدارة. فمن هنا تخرّج القضاة والحكّام، ومن هنا تبلورت أسس التنظيم المدني الذي قامت عليه الإمبراطورية.

وقد تميّز هذا المعهد بكونه الأقدم والأشهر في المقاطعات الرومانيّة، واستمرّ أكثر من سواه، لأنّه لم يكن فقط مؤسسة تعليمية، بل مركزًا فكريًا خلاّقًا، اجتمع فيه طلاب وأساتذة من خيرة العقول، قدّموا للتراث الروماني إضافاتٍ ما زالت حيّة حتى اليوم.

كانت لغة التدريس في بداياته اللاتينية، لغة السلطة والقانون، قبل أن تتحوّل في القرن الخامس إلى اليونانية، لغة الثقافة البيزنطية، في انعكاسٍ حيّ لتحوّلات الإمبراطورية نفسها.

٢- رجالٌ كتبوا العدالة بدمهم… من بابنيانوس إلى أولبيانوس

لم يكن مجد بيروت في حجارتها، بل في رجالها. ومن بين هؤلاء، يبرز اسمان نقشا اسميهما في تاريخ الإنسانية: بابنيانوس وأولبيانوس.

كان بابنيانوس من أعظم المشترعين، وقد ارتبط اسمه بالإمبراطور سبتيموس سيفيروس، الذي استدعاه ليكون مستشاره. غير أنّ هذا الرجل لم يكن موظفًا في بلاط، بل ضميرًا حيًّا. وعندما قتل الإمبراطور ابنه جيتا، رفض بابنيانوس تبرير الجريمة، فدفع حياته ثمنًا لموقفه، إذ أُعدم سنة 212.

لكن موته لم يكن نهاية، بل بداية خلود. فعندما جمع الإمبراطور يوستنيان شرائعه سنة 533، أدخل فيها ما يقارب 595 مادة من كتابات بابنيانوس، لتصبح أساسًا لكثير من القوانين الحديثة.

أما أولبيانوس، ابن صور، فقد حمل مشعل الفكر البيروتي إلى روما. درّس في معهد بيروت، ثم أصبح مستشارًا للإمبراطور الإسكندر سيفيروس، الذي عُرف بعدله وتسامحه. تحت حمايته، خاض أولبيانوس معركةً شرسة ضد الفساد، وسعى إلى إصلاح القوانين وضبط الحرس الإمبراطوري. لكنه، ككلّ صاحب حق، دفع الثمن: إذ قُتل سنة 228 على يد الثائرين، في مشهدٍ يختصر صراع العدالة مع السلطة.

ومع ذلك، بقي أثره أعظم من موته، إذ استُخرج من كتاباته أكثر من 2500 نص في مجموعة يوستنيان، أي ما يقارب ثلثها.

هؤلاء لم يكونوا مجرّد فقهاء… بل شهداء للعدالة.

٣- حين ارتجف الحجر… وسقطت أمّ الشرائع

لكنّ المجد، ككلّ شيء بشري، لم يخلُ من المأساة. ففي النصف الأول من الألفية الأولى، تعرّضت بيروت لسلسلة من الزلازل، بدأت سنة 349، وتكرّرت في 494 و502، مسبّبة أضرارًا متفاوتة.

غير أنّ الكارثة الكبرى وقعت سنة 551. اهتزّت الأرض بعنف، ثم حدث ما يشبه القيامة المعكوسة: انسحب البحر إلى الوراء، ثم عاد كموجةٍ عاتية اجتاحت المدينة، فدمّرت كل شيء.

انهارت الأبنية، تحطّمت السفن، وغرقت الأشجار، وقُتل ما يقارب ثلاثين ألف إنسان. تحوّلت المدينة، التي كانت منارة الفكر، إلى صمتٍ ثقيل من الركام. هرب الناجون، وتركوا وراءهم مدينةً بلا حياة. وانتقل الأساتذة والتجّار إلى صيدا، كأنّ الروح غادرت الجسد.

ثم، وكأن المأساة لم تكتفِ، اندلع حريق هائل أثناء إعادة البناء، فأجهز على ما تبقّى، وكانت تلك الضربة القاضية التي أنهت معهد الحقوق. رثاها الشعراء، وبكاها التاريخ. ومن الذين أجادوا في رثائها محام إغريقي من آسيا الصغرى معاصر لتلك الحوادث: "بيروت، أجمل المدن، الدرّة في تاج فينيقيا، فقدت لألأها ورونقها. بناياتها التي تعدّ آيات في فنّ العمارة تداعت وسقطت ولم يبق فيها جدار واقفًا. لم يثبت منها سوى الأساسات". 

وقد رثاها أيضًا شاعر إغريقي معاصر من اسبانيا، وقد سبق أن استشهدت في قصيدته يوم انفجار بيروت في الرابع من آب: "هانذا، المدينة التاعسة، كومة من خرائب، أبنائي أموات. يا للحظ العاثر المشؤوم. إلهة النار أحرقتني بعد أن هزّت إلهة الزلزال أركاني. يا لتعاستي، بعد أن كنت مجسم الجمال أصبحت رمادًا. هل تبكون عليّ أيّها العابرون الماشون فوق أطلالي، هل تسكبون عليّ دمعة حزن، هل تأسون لمجد بيروت، بيروت التي لا وجود لها، أيها الملاح لا تمل بشراعك نحو شاطئي، لا تنزل شراع مركبك، فإنّ المرفأ الأمين أصبح أرضًا يابسة قفراء. أصبحت لحدًا موحشًا. مِل عنّي، سِر إلى المواني الفرحة التي لا تعرف البكاء، إلى موانيها سر على قرع المجذاف، هكذا شاء الإله بوسيدون، إله البحر والزلزال، وهكذا شاءت الآلهة السمحاء. وداعًا يا ملّاحي البحّار. وداعًا أيتها القوافل الآتية من وراء الجبال" (حتّي 1978: 284).


لم تعد بيروت "أمّ الشرائع" كما كانت، لكنها لم تمت. لأن المدن، وإن سقطت حجارتها، تبقى حيّة في أفكارها.

وبيروت، التي أنجبت القانون، ما زالت، حتى اليوم، تلد المعنى. هي ليست فقط مدينة، بل ذاكرة العدالة…

وصوت الإنسان حين يبحث عن حقّه في عالمٍ مضطرب.

وهكذا، بين المجد والانهيار، تبقى بيروت… أمًّا، وإن جُرحت.


عودة إلى المقالات

إخترنا لكم