كتّاب المحبّة

ثورة الحب

ثورة الحب

"ونحن نعلم أنّ كلّ الأشياء تعمل معًا للخير للّذين يحبّون الله، الّذين هم مدعوّون بحسب قصده" (رومة 8: 28).

في رسالته إلى أهل رومة، يكشف القدّيس بولس الرسول جوهر الحياة المسيحيّة القائم على فعل التسليم الكامل لله من خلال الحبّ. فالعلاقة الحقيقيّة مع الله لا تُبنى على الخوف أو المصلحة أو العادة، بل على محبّة حيّة تدفع الإنسان إلى الثقة بالخالق مهما اشتدّت الضيقات وتعقّدت دروب الحياة.

فالحبّ، أعظم الفضائل المسيحيّة، يتجلّى في صفحات الكتاب المقدّس كلّه، لكنّ ذروته ظهرت على الصليب، حين قبل الأقنوم الثاني للثالوث، أي الابن، أن يبذل نفسه عن البشريّة جمعاء: "ليس لأحد حبّ أعظم من هذا: أن يبذل الإنسان نفسه عن أحبّائه" (يوحنا 15: 13).

ومن هنا بدأ العهد الجديد بين الله والإنسان، لا بشريعة جامدة، بل بفعل حبّ إلهيّ لا يزال كثيرون عاجزين عن إدراك عمقه، حتى بعد أكثر من ألفَي عام على حدث الفداء.

فالصليب ليس مجرّد أداة ألم أو عار ولعنة، بل هو إعلان العلاقة الكاملة بين السماء والأرض. فالبعد العامودي فيه يرمز إلى علاقة الله بالإنسان، فيما يرمز البعد الأفقي إلى علاقة الإنسان بأخيه الإنسان، وتلتقي العلاقتان في نقطة واحدة يتجلّى فيها الحبّ الكامل والصادق، حبٌّ لا يعرف المواربة ولا الأنانيّة.

لقد أحبّنا الله لدرجة أنّه أرسل ابنه الوحيد لخلاصنا: "لأنّه هكذا أحبّ الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كلّ من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبديّة" (يوحنا 3: 16).

إنّها مصالحة أبديّة بين الخالق والمخلوق، مصالحة بدأت على الجلجلة وما تزال مستمرّة في قلب كلّ إنسان يقبل الحبّ الإلهيّ ويجعل منه منهج حياة.

فالله أشبه بشمسٍ لا تتوقّف عن إرسال أشعّة حبّها إلى العالم بأسره، مجانًا ومن دون استثناء. وإذا كان الخالق يحبّنا إلى هذا الحدّ، فمن نحن كي نحرم الآخر من الحبّ؟ وكيف نتجرّأ على التشكيك بمحبّة الله لنا عندما تعترضنا التجارب والضيقات؟

لهذا قال المسيح: "أحبِب قريبك كنفسك" (متى 22: 39).

فوصيّة المحبّة هذه ليست عبارة أخلاقيّة عابرة، بل امتداد مباشر لسرّ حبّ الله للبشر. وحين يبتعد الإنسان عن هذا المصدر، يغرق في العدمية والوحدة والألم، "حيث يكون البكاء وصرير الأسنان" (متى 8: 12).

ويعبّر القدّيس أوغسطينوس عن هذه الحقيقة بقوله الشهير: "قلوبنا ستبقى قلقة يا ربّ حتى تستريح فيك". فالإنسان، مهما حاول أن يملأ فراغه بالنجاح أو السلطة أو المال، يبقى تائهًا إن لم يجد جذوره في الحبّ الإلهيّ.

وعندما ينفصل الإنسان عن الله، يتحوّل إلى ما وصفه القدّيس بولس: "نحاسًا يطنّ أو صنجًا يرنّ" (1 كورنثوس 13: 1)، أي وجودًا صاخبًا من الخارج لكنّه فارغ من الداخل.

الى ذلك، قاد المسيح العالم وسيقوده بفعل الحبّ لا بمنطق القوّة. فثورته الحقيقيّة هي انقلابٌ فعليّ على الكراهية والبغض والظلمة والعبثيّة. لذلك يقول بولس الرسول: "فإنّ مصارعتنا ليست مع دمٍ ولحم، بل مع الرؤساء، مع السلاطين، مع ولاة العالم على ظلمة هذا الدهر" (أفسس 6: 12).

ومن هنا، فإنّ المسيحي مدعوّ لأن يكون امتدادًا حيًّا لثورة الحبّ هذه، لا بالكلام فقط، بل بالفعل والشهادة. فنحن مدعوّون إلى حمل نور المسيح إلى الآخرين، وإضاءة دروبهم المظلمة، لأنّ الإيمان الذي لا يتحوّل إلى محبّة حيّة يبقى إيمانًا ناقصًا.

وكما تقول القدّيسة الأم تريزا: "الربّ لن يسألنا عن كمّ الأعمال العظيمة التي قمنا بها، بل عن كميّة الحب التي وضعناها في هذه الأعمال". وهذا ما تؤكّده كلمات يسوع: "ليس كلّ من قال: يا ربّ، يا ربّ، يدخل ملكوت السماوات، بل الذي يفعل إرادة أبي" (متى 7: 21).

إذًا، ثورة يسوع مستمرّة فينا ومن خلالنا، نحن الذين دُعينا لنكون "أناجيل حيّة" وأعضاء في الكنيسة، جسد المسيح السرّي.

ولهذا يشير الربّ الى أنّني "الكرمة وأنتم الأغصان" (يوحنا 15: 5). إذ علينا النموّ والإثمار والمساهمة في تقدّم البشريّة نحو الخير، لأنّ الله نفسه "محبّة" (1 يوحنا 4: 8).

والحبّ الحقيقيّ يقترن دائمًا بالثقة. لذلك، حين نسلّم ذواتنا لله، يمنحنا الروح القدس الحكمة والقوّة لنتمّم رسالتنا كما يجب. وهكذا نترك للأجيال القادمة ميراث المحبّة والإيمان، فنصبح حقًا كما وصفنا المسيح: "أنتم نور العالم... أنتم ملح الأرض" (متى 5: 13-14).

في النهاية، إنّ الله يحبّنا حبًّا كاملًا لأنّه كامل، أمّا نحن فنحبّه حبًّا ناقصًا لأنّنا بشر محدودون. لكنّ المفارقة العجيبة تكمن في أنّ الله يقبل هذا الحبّ الناقص ويفرح به، بينما يبقى الإنسان طامعًا دومًا بالمزيد من حبّ الله ونِعَمه.

وربّما هنا يكمن الفرق الحقيقيّ بيننا وبين القدّيسين تحديدًا. فهؤلاء سعوا بكلّ طاقتهم إلى الاقتراب من الله، وإلى جعل حبّهم له يقترب أكثر فأكثر من الكمال، رغم محدوديّتهم البشريّة. إنّه أشبه بخطٍّ متقارب في الرياضيات أو الـasymptote ،  يقترب باستمرار من هدفه من دون أن يبلغه بالكامل.

لذلك، إذا أردنا أن نسير في طريق القداسة، علينا أن نحبّ الله بكلّ كياننا، وأن نُفعّل نعمة البنُوّة التي نلناها في سرّ العماد، حين أصبحنا أبناء لله بالتبنّي. وعلينا أيضًا أن نحبّ قريبنا كنفسنا، لأنّ الإنسان لا يستطيع أن يحبّ الله حقًّا إذا كان قلبه مغلقًا تجاه أخيه الإنسان.

فثورة المسيح لم تكن ثورة سيفٍ أو سلطة، بل ثورة حبّ. وكلّما اقترب الإنسان من هذا الحبّ، اقترب أكثر من وجه الله نفسه، لأنّ الله، في جوهره، هو المحبّة الكاملة التي لم ولن تزول الى الأبد.


الإعلامي روي أبو زيد


عودة إلى المقالات

إخترنا لكم