كتّاب المحبّة

68 سنة من فرسان العذراء: بذور الإيمان تكبر في قلب الكنيسة

68 سنة من فرسان العذراء: بذور الإيمان تكبر في قلب الكنيسة

في زمنٍ يبحث فيه الإنسان عن معنى أعمق للحياة، وتكثر فيه التحديات التي تطال القيم والهوية والانتماء، تبقى الأخويات في قلب الكنيسة علامة رجاء حيّة، ومساحة تنشئة لا تكتفي بنشاطات عابرة، بل ترافق الإنسان في مسيرة متكاملة، روحياً وإنسانياً وكنسياً، ليكتشف دعوته، ويعيش إيمانه بصدق، ويترجمه خدمةً ومحبةً ورسالة.

الأخويات حركة حياة مسيحية انطلقت من روما وانتشرت في بلدان عدّة، قبل أن تصل إلى لبنان مع الأب جورج خوري عام 1951، حيث وجدت أرضاً خصبة للنموّ والعطاء. ومنذ ذلك الحين، أدّت دوراً أساسياً في تنشئة أجيال متعاقبة، فكانت بمثابة مدرسة أولى يتعلّم فيها المؤمن كيف يعيش إيمانه ضمن جماعة حيّة، وكيف يحوّله من ممارسة فردية إلى شهادة يومية قوامها الصلاة، والخدمة، والمحبّة، والعطاء.

وتتألّف هذه الرابطة من علمانيين، إلى جانب السلطة الكنسية من كهنة ورهبان وراهبات، يجتمعون حول هدف واحد: تنشئة إنسان ناضج، مسيحي في العمق، ورسول في المجتمع. وهنا يكمن تميّز الأخويات، إذ تجمع بين التكوين الروحي العميق والعمل الجماعي المنظّم، وتخلق توازناً بين الإيمان والحياة، وبين الالتزام الكنسي والحضور الفاعل في المجتمع.

وانطلاقاً من هذه الرسالة، تتوزّع الأخويات بحسب الفئات العمرية لتلبّي حاجات كل مرحلة. تبدأ المسيرة مع الأطفال عبر أخوية فرسان العذراء من 5 إلى 12 سنة، حيث يختبر الطفل خطواته الأولى في الحياة المسيحية ضمن أجواء من الفرح والبساطة. ثم تتابع مع طلائع العذراء من 13 إلى 19 سنة، حيث تنمو شخصية المراهق ويتعمّق وعيه لإيمانه. بعدها تأتي شبيبة العذراء من 20 إلى 35 سنة، لمرافقة الشباب في مرحلة النضوج واتخاذ القرارات المصيرية. وتستمر المسيرة مع الأخويات الأم أو الكبار من 36 سنة وما فوق، حيث يواصل الفرد رسالته في خدمة الكنيسة والمجتمع.

ضمن هذه المسيرة، تبرز أخوية فرسان العذراء كخطوة أولى وأساسية. فهي ليست نشاطاً ترفيهياً للأطفال فحسب، بل مساحة تربوية وروحية تساعد الطفل على اكتشاف الله بطريقة تناسب عمره، وعلى بناء علاقة شخصية معه تنمو مع الزمن. ففي هذه المرحلة الحساسة يُزرع الأساس الذي يُبنى عليه إيمان الإنسان في المستقبل.

وتهدف الأخوية إلى مساعدة الأطفال ليصبحوا شهوداً للمسيح في أقوالهم وأفعالهم ومحبتهم، على مثال العذراء مريم في الطاعة والإيمان والتواضع. كما تشجّعهم على عيش القيم المسيحية في البيت والمدرسة ومع الأصدقاء، فيتعلّمون الصدق، والتعاون، والمحبّة، وروح المشاركة.

تأسست هذه الفئة في لبنان عام 1958، بعد مئة عام على إعلان عقيدة الحبل بلا دنس، لتكون مساحة خاصة بالأطفال ينمون فيها ضمن جماعة حيّة يشعرون فيها بالانتماء والفرح. ومنذ ذلك الحين، رافقت آلاف الأطفال، وتركت أثراً عميقاً في حياتهم، إذ حمل كثيرون منهم القيم التي تعلّموها في الأخوية إلى مراحل لاحقة من حياتهم الكنسية والإنسانية.

وتسعى أخوية فرسان العذراء إلى تنشئة متكاملة ترتكز على خمسة أبعاد: البعد الروحي من خلال الصلاة والتأمل وكلمة الله، والبعد الاجتماعي عبر العيش ضمن جماعة والتدرّب على التعاون، والبعد الجسدي من خلال الألعاب والنشاطات الحركية، والبعد الفكري عبر التعلّم واكتساب المعرفة، والبعد النفسي من خلال تعزيز الثقة بالنفس والشعور بالأمان والانتماء.

وتتحقّق هذه الأهداف عبر برنامج غني يشمل الصلاة المشتركة، التأمل في الكتاب المقدس، الألعاب التربوية، الأعمال اليدوية، النشاطات الاجتماعية والثقافية. كما تشكّل اللقاءات الأسبوعية مساحة للفرح الجماعي والصداقة المبنية على المحبة والاحترام.

ولا يقتصر هذا الدور على الأطفال فحسب، بل يشمل أيضاً المرشدين والمسؤولين الذين يكرّسون وقتهم لمرافقة هذه الفئة، فيكونون مثالاً حياً وشهادة إيمانية تنقل القيم إلى الصغار، لا بالكلام وحده، بل بالحضور والمرافقة والالتزام.

واحتفلت أخوية فرسان العذراء بعيدها الثامن والستين في 10 أيار 2026، حيث قدّم أعضاؤها الذبيحة الإلهية في رعاياهم، حاملين نوايا مشتركة شملت جميع أعضاء الأخويات، أحياءً وراقدين، كما الوطن لبنان.

ومع كل عيد، يتجدّد الفرح والانتماء في قلوب الأعضاء، الذين يكبرون لا بالعمر وحده، بل بالإيمان والرسالة. ففرسان العذراء ليسوا مجرد مجموعة أطفال، بل هم بذور مستقبل الكنيسة، يحملون في قلوبهم محبة الله ويترجمونها بأعمال صغيرة، لكنها مليئة بالمعنى.

وفي حديث خاص عبر موقع "صوت المحبّة" مع رئيس اللجنة المركزية لأخويات فرسان العذراء شربل أبي راشد، أكد أن التعاون بين الفئات الأربع هو ما يجعل الأخويات اليوم حركة ناشطة وفعّالة. وأشار إلى أن الانتماء إلى الرعية هو ما يميّز هذه الحركة الكنسية عن غيرها، حتى قيل إن "الأخويات هي نبض الرعية".

وشدّد أبي راشد على دور الأهل في تشجيع أبنائهم على الالتزام، موضحاً أن للمسؤول في أخوية الفرسان دوراً كبيراً في التوعية على أهمية الاستمرار في مختلف المراحل، ليكون مثالاً حسناً أمام الأهل والأولاد.

وأشار إلى أن أخوية الفرسان تُعدّ أكبر جماعة مسيحية للأطفال في لبنان، إذ يبلغ عدد الفرسان نحو 20 ألف فارس موزّعين على 365 رعية، مع إمكان تأسيس فروع جديدة في عدد من الرعايا.

وعن التحديات، لفت أبي راشد إلى أن الوضع في لبنان أثّر على انعقاد الاجتماعات والنشاطات في بعض الأقاليم، وكذلك على احتفالات العيد التي كانت مقررة هذا الشهر. لذلك، سيُحتفل بعيد الفرسان في الفروع بدل الأقاليم، وفق برنامج أعدّته اللجنة المركزية تحت عنوان "Piece of Peace – Foursan Edition" المستوحى من اللقاء العام لمسؤولي فرسان العذراء الذي عُقد في تشرين الثاني الماضي تحت عنوان "Piece of Peace"، وهو أول لقاء عام للفرسان في لبنان والعالم.

ويستند البرنامج إلى رسالة البابا الداعية إلى أن نكون صنّاع سلام، خصوصاً في الظروف التي يمرّ بها لبنان. ويتضمن ثلاثة أبعاد رئيسية: النعمة، والفرح، والسلام. وقد وُزّع على الأقاليم ليصل إلى الفروع، نظراً إلى صعوبة جمع نحو 20 ألف فارس في مكان واحد.

وفي رسالة وجّهها عبر موقع "صوت المحبّة" إلى الفرسان لمناسبة عيدهم الثامن والستين، قال أبي راشد: "الفرسان هم أساس رابطة الأخويات، وللمسؤولين في هذه الفئة مسؤولية كبيرة في أن يساعدوا الفارس على أن ينمو مثل يسوع، بالقامة والحكمة والنعمة. ثمانية وستون عاماً ليست رقماً عادياً، بل مسيرة يجب أن نفتخر بها. واللجنة المركزية فخورة بكل مسؤول يرافق الفارس، وبكل فارس سيصبح لاحقاً في الطلائع والشبيبة. وكما نقول دائماً: فارس اليوم… مسؤول بكرا. علينا أن نكون أمناء على هذه الأجيال كي تواصل الرسالة".

ويبقى الرجاء أن تستمر هذه المسيرة، فتجذب المزيد من الأطفال والشباب ليختبروا جمال الحياة مع المسيح، ويعيشوا فرح الإيمان ضمن جماعة حيّة. فالأخويات ليست مرحلة عابرة، بل طريق حياة يرافق الإنسان ويساعده على أن ينمو ويثمر، ليكون نوراً في مجتمعه، على مثال العذراء مريم، الأم الحاضنة والمرشدة لكل من يسير في طريق الإيمان والخدمة.


ماريا حمد


عودة إلى المقالات

إخترنا لكم