كتّاب المحبّة

الأحد السابع من زمن القيامة وعيد الصعود

الأحد السابع من زمن القيامة وعيد الصعود

في هذا الزمن الليتورجيّ الذي تعيش فيه الكنيسة بين مجد القيامة ووعد العنصرة، تقودنا كلمة الله إلى سرّ عميق: المسيح الذي صعد إلى السماء لم يترك العالم، بل فتح أمام الإنسان طريق القداسة والمحبة والرجاء. فالصعود ليس وداعًا، بل بداية حضور جديد؛ والقداسة ليست فكرة بعيدة، بل حياة تُعاش في قلب العالم؛ والمحبة ليست عاطفة عابرة، بل وجه المسيح الظاهر في حياة المؤمنين.

يقول الربّ لتلاميذه في إنجيل الصعود:

«اِذهبوا إلى العالم كلّه، وأعلنوا البشارة إلى الخلق أجمعين» (مر 16: 15).

ويقول أيضًا في إنجيل الأحد السابع بعد القيامة:

«أعطيكم وصيّة جديدة: أن يحبّ بعضكم بعضًا كما أحببتكم أنا» (يو 13: 34).

وكأنّ الكنيسة تسمع في هذين النصّين نبض رسالتها الحقيقيّة: أن تخرج إلى العالم، لا بالقوّة ولا بالإدانة، بل بالمحبّة التي تعلّمتها من المسيح.

إنّ الربّ، قبل أن يصعد إلى السماء، لم يطلب من التلاميذ أن يبقوا متعلّقين بالماضي أو خائفين من المستقبل، بل أرسلهم. فالإيمان المسيحيّ ليس انغلاقًا داخل جدران الكنيسة، بل مسيرة خروج دائم نحو الإنسان. منذ إبراهيم الذي خرج من أرضه، مرورًا بموسى الذي أخرج الشعب من العبوديّة، وصولًا إلى المسيح الذي خرج من مجد الآب إلى فقر بشريّتنا، يبقى الله إله الخروج، إله اللقاء، إله البحث عن الإنسان.

لكن كيف تستطيع الكنيسة أن تحمل هذه الرسالة؟ الجواب يقدّمه لنا سفر اللاويين:

«كونوا قديسين، لأنّي أنا الرب إلهكم قدوس» (لا 19: 2).

فالكنيسة لا تبشّر بالكلام فقط، بل بحياة متحوّلة. القداسة ليست امتيازًا لقليلين، وليست صورة مثاليّة بعيدة عن الواقع، بل دعوة كلّ معمَّد. القداسة تبدأ حين يسمح الإنسان لله أن يدخل إلى قلبه، فيغيّر نظرته وكلامه وعلاقاته. لذلك يربط الكتاب المقدّس القداسة بالحياة اليوميّة:

«لا تكذبوا… لا تظلموا… لا تحقدوا… أحبب قريبك كنفسك» (لا 19: 11-18).

كم يحتاج عالمنا اليوم إلى هذه القداسة البسيطة والعميقة! عالمنا متعب من العنف، ومن الكلمات الجارحة، ومن الأنانيّة، ومن القلوب المغلقة. كثيرون فقدوا الرجاء، وكثيرون يعيشون في خوف دائم: خوف من المستقبل، خوف من الآخر، خوف من الخسارة والموت. وهنا يأتي عيد الصعود ليقول لنا إنّ الإنسان لم يُخلق للأرض فقط، بل للسماء أيضًا. المسيح بصعوده أدخل إنسانيّتنا إلى قلب مجد الآب، وكشف لنا أنّ مصير الإنسان الحقيقيّ ليس التراب، بل الحياة الأبديّة.

لكنّ الربّ لا يريد مؤمنين يحدّقون إلى السماء وينسون الأرض. لذلك يقول الإنجيل إنّ التلاميذ «خرجوا وكرزوا في كلّ مكان، والرّب يعمل معهم» (مر 16: 20). فالمسيحيّ الحقيقيّ لا يهرب من العالم، بل يدخل إلى جراحه حاملاً نور الإنجيل.

ومن هنا نفهم الوصيّة الجديدة:

«أحبّوا بعضكم بعضًا كما أحببتكم أنا.»

الجِدّة ليست فقط في المحبّة، بل في طريقة المحبّة. فالمسيح لم يحبّ عندما كان الأمر سهلاً، بل أحبّ حتى الصليب، حتى الغفران، حتى غسل الأرجل، حتى حبّ الذين خانوه وتركوه. لذلك تصبح المحبّة المسيحيّة علامة حضور الله في العالم. الكنيسة تُقاس بقدرتها على المحبّة، لا بعدد نشاطاتها فقط. والرعيّة تصبح حيّة عندما يجد فيها الإنسان المتعب مكانًا للرحمة، والغريب مكانًا للقبول، والخاطئ بابًا مفتوحًا للعودة.

إنّ العلامات التي يذكرها إنجيل الصعود لا تزال مطلوبة اليوم:

أن نطرد شياطين هذا العصر: الكراهية، الإدمان، اليأس، عبادة المال، والعنف؛

أن نتكلّم بلغات جديدة، أي أن نتعلّم الإصغاء إلى الإنسان المعاصر بدل الاكتفاء بإدانته؛

أن نضع أيدينا على المرضى، أي أن نقترب من المجروحين والمتألّمين والمنسيّين؛

وأن نحمل الرجاء وسط عالم يختنق بالخوف.

ويصلّي القديس بولس اليوم من أجلنا قائلاً:

«ليستنرَت عيون قلوبكم» (أف 1: 18).

ما أجمل هذه الصلاة! لأنّ أخطر ما يمكن أن يصيب الإنسان هو أن يعرف الكثير عن الله من دون أن يعرف الله حقًّا. الإيمان ليس معلومات دينيّة، بل لقاء حيّ مع المسيح القائم. وحين يستنير القلب، يبدأ الإنسان برؤية الحياة بطريقة جديدة: يرى الألم بعين الرجاء، ويرى الآخر كأخ، ويرى الكنيسة كجسد حيّ، ويرى السماء كغاية حقيقيّة لمسيرته.

في هذا الزمن بين الصعود والعنصرة، تدعونا الكنيسة إلى أن نسأل أنفسنا:

هل حياتنا تحمل شيئًا من نور المسيح؟

هل وجودنا يزرع سلامًا أم انقسامًا؟

هل عائلاتنا أماكن محبّة وغفران؟

هل رعايانا تشهد فعلًا للمسيح الحيّ؟

إنّ الربّ لا ينتظر الكاملين ليعمل بهم. التلاميذ أنفسهم كانوا خائفين وضعفاء، ومع ذلك أرسلهم إلى العالم كلّه. وهذا هو رجاؤنا: أنّ الله يعمل من خلال ضعفنا، وأنّ القوّة ليست منّا، بل منه.

فلنرفع اليوم عيوننا نحو المسيح الصاعد، لا هربًا من الأرض، بل لكي نتعلّم كيف نعيش عليها بروح السماء.

ولنطلب أن يجعلنا الربّ كنيسة تحمل الرجاء، وجماعات تعيش المحبّة، وقلوبًا تسير نحو القداسة.

ولتتشفع لأجلنا العذراء مريم، أمّ الكنيسة، والقديس مارون وجميع قديسي الشرق، لكي تصبح حياتنا إنجيلاً حيًّا يعلن حضور المسيح في العالم.


الخوري جوني تنوري

من الأبرشية البطريركية المارونية - نيابة جونية


عودة إلى المقالات

إخترنا لكم