كتّاب المحبّة

عيد العنصرة

عيد العنصرة

 في عيد العنصرة، لا تقف الكنيسة أمام ذكرى حدثٍ مضى، بل تدخل من جديد في سرّ الولادة الدائمة التي يصنعها الروح القدس في قلب العالم. فالعنصرة ليست مجرّد نهاية لزمن القيامة، بل بداية الزمن الجديد، زمن الكنيسة الحيّة التي تتنفّس من روح الله وتسير بقوّته.

 إنّ كلمة الله اليوم تقودنا في مسيرة عميقة: من برج بابل إلى علّية أورشليم، من تشتّت الإنسان إلى وحدة الروح، ومن الكبرياء التي تُغلق القلب إلى النعمة التي تفتحه على الله والآخرين.

 في بابل، أراد الإنسان أن يصنع مجده بنفسه: «لنصنع لأنفسنا اسمًا» (تك 11: 4). كان المشروع كبيرًا في ظاهره، لكنه كان فارغًا من حضور الله. لذلك تحوّلت الوحدة إلى انقسام، واللغة إلى بلبلة. فحين يبني الإنسان حياته على ذاته فقط، يفقد القدرة على اللقاء الحقيقي. يقول القديس أوغسطينوس إنّ «الكبرياء هي بداية كلّ انقسام، لأنّ الإنسان يريد أن يحتلّ مكان الله».

 وكم يبدو عالمنا اليوم شبيهًا ببابل! نملك وسائل اتصال لا تُحصى، لكنّ القلوب تزداد بعدًا؛ نعرف كيف نرسل الكلمات بسرعة، لكننا ننسى كيف نصغي بمحبة؛ نبني حضارة متقدّمة، لكنّ الإنسان يبقى عطشانًا إلى السلام الداخلي. فالمشكلة الحقيقية ليست في تعدّد اللغات، بل في غياب لغة الروح، لغة المحبة.

 أمّا في العنصرة، فكلّ شيء يتغيّر. التلاميذ مجتمعون في العلّية، خائفون وضعفاء، يحملون جراح الصليب وثقل الأسئلة. لكنّ الروح القدس ينزل عليهم «كألسنة من نار» (أع 2: 3)، فيحوّل خوفهم إلى جرأة، وانغلاقهم إلى رسالة، وضعفهم إلى قوّة تشهد لعظائم الله.

 في بابل حاول الإنسان أن يصعد إلى السماء، أمّا في العنصرة فالسماء نفسها تنزل إلى الإنسان. وهذه هي حقيقة الله: هو دائمًا المبادر إلى الخلاص، الآتي ليبحث عن الإنسان ويعيد إليه الحياة. لذلك يقول الرب يسوع: «لا أترككم يتامى» (يو 14: 18). العنصرة هي وعد المسيح الذي يتحقّق، حضور الله الذي لا يغيب عن كنيسته.

 ويعلّمنا البابا بندكتس السادس عشر أنّ العنصرة هي «عكس بابل». ففي بابل صار الاختلاف سببًا للانقسام، أمّا في العنصرة فقد صار الاختلاف غنىً في الوحدة. فالروح القدس لا يمحو وجوه الشعوب ولا يلغي تنوّعها، بل يوحّدها في حقيقة المحبة. وكان البابا بندكتس السادس عشر يقول أيضًا إنّ الروح القدس «يفتح الحدود بين البشر ويهدم جدران اللامبالاة والخوف، لأنّه يقود الإنسان إلى شركة الله».

 إنّ الكنيسة وُلدت يوم العنصرة كنيسةً مُرسَلة. فالرسل لم يبقوا في العلّية، بل خرجوا إلى العالم يحملون نار الإنجيل. الروح القدس لا يسمح للمؤمن أن يعيش منغلقًا على ذاته، بل يدفعه دائمًا إلى اللقاء والشهادة والخدمة. ولهذا قال البابا فرنسيس إنّ «الروح القدس يزعجنا لكي يخرجنا من راحتنا ويقودنا إلى الرسالة».

 وفي التقليد السرياني الماروني، تُفهم العنصرة كعيد النار الإلهية التي تحيي القلب. فالنار التي نزلت على الرسل ليست نار دينونة، بل نار حبّ وتنقية وتجديد. يقول القديس أفرام السرياني: «طوبى لمن صار قلبه مذبحًا لنار الروح القدس». فالروح يأتي ليعيد إلى الإنسان صورته الأولى، صورة الابن المحبوب.

 ومن هنا نفهم كلام الرب: «إن كنتم تحبّونني فاحفظوا وصاياي» (يو 14: 15). فالإيمان المسيحي ليس مجموعة أوامر خارجية، بل حياة جديدة يصنعها الروح في الداخل. الروح القدس يجعل الوصية طريق حبّ، ويحوّل الإنجيل من نصّ مكتوب إلى حياة معاشة.

 نحن أيضًا بحاجة إلى عنصرتنا اليوم. فكم من أبراج بابل نبنيها في عائلاتنا وكنائسنا وقلوبنا: كبرياء، أحكام، خصومات، وانقسامات خفيّة. وكم نحتاج إلى نار الروح لكي تحرق فينا القساوة والخوف والأنانية، وتعيد إلينا فرح الإنجيل.

 فالروح القدس:

* هو الذي يعلّمنا الصلاة عندما تتعب الكلمات؛

* وهو الذي يمنحنا السلام وسط القلق؛

* وهو الذي يقوّينا لنغفر ونحبّ؛

* وهو الذي يجعل الكنيسة حيّة عبر التاريخ.

ويقول القديس بولس: «حيث يكون روح الرب هناك الحرية» (2 قور 3: 17). ليست الحرية أن يفعل الإنسان ما يشاء، بل أن يصبح قادرًا أن يحبّ كما أحبّ المسيح.

 وفي قلب العلّية كانت مريم حاضرة، تصلّي بصمت مع الرسل. هي التي اختبرت أوّل حلول للروح يوم البشارة، بقيت أمًّا للكنيسة المنتظرة نار العنصرة. ويقول القديس يعقوب السروجي: «إن نار الروح نزلت على مريم قبل أن تنزل على الرسل».

 فلنسأل أنفسنا اليوم:

هل نعيش بحسب روح الإنجيل أم بحسب روح العالم؟

هل كلامنا يبني الشركة أم يزيد الانقسام؟

هل قلوبنا مفتوحة لعمل الروح القدس؟

 إنّ العنصرة ليست عيدًا من الماضي، بل نعمة حاضرة ومتجدّدة. الروح القدس ما زال يعمل في الكنيسة، وما زال قادرًا أن يحوّل خوفنا إلى رجاء، وضعفنا إلى رسالة، وقلوبنا إلى هيكل حيّ لحضور الله.

 فلنصلِّ مع الكنيسة:

«تعال أيها الروح القدس،

املأ قلوب المؤمنين بك،

وأشعل فيها نار محبتك،

وجدّد وجه الأرض».


الخوري جوني تنوري

من الأبرشية البطريركية المارونية - نيابة جونية

عودة إلى المقالات

إخترنا لكم