كتّاب المحبّة

جبل لبنان… من مراقي الوثنيّة إلى مذابح الحرية

جبل لبنان… من مراقي الوثنيّة إلى مذابح الحرية

ليس جبل لبنان مجرّد تضاريس ترتفع بين البقاع والبحر، بل هو مسرح تاريخٍ طويل، كتبه الإنسان بدمه، ونقشته السماء بنورها. في هذا الجبل، حيث تلتقي القمم بالصلاة، لم يكن الدخول إلى المسيحية أمرًا تلقائيًا أو سريعًا، بل مسيرة طويلة من الصراع، والبحث، والتحوّل. إنّ مسحنة هذا الجبل لم تكن حدثًا واحدًا، بل محاولتين كبيرتين سبقتا اكتمال الرسالة، كأنّ التاريخ كان يتهيّأ ببطء لاستقبال النعمة. وفي قلب هذا المسار، سيأتي الموارنة، لا كفاتحين، بل كحجّاج حرية، ليحوّلوا الجبل من ملاذٍ جغرافي إلى وطنٍ روحي.

١- محاولتان لم تكتملَا… حين طرق الإيمان أبواب الجبل ولم يُفتح له

شهد ممرّ الشرق الأوسط، الممتد بين الجبال الخضراء وزرقة البحر الأبيض المتوسط، عبور حضارات وجيوش، ديانات وأساطير. ومع ذلك، ظلّ جبل لبنان، ذلك "الجبل المقدّس" في المخيال الكتابي، عصيًّا على التغيير الديني السريع.

في القرن الرابع، ومع صعود قسطنطين الكبير، دخلت المسيحية مرحلة جديدة، إذ تحوّلت من ديانة مضطهدة إلى ديانة رسمية في الإمبراطورية الرومانية بعد مرسوم ميلانو. انتشرت المسيحية بسرعة في المدن الكبرى، وحلّت تدريجيًا محلّ العبادات الوثنية، كما يؤكد المؤرخون  (Daou, 1984).

لكنّ جبل لبنان لم يخضع بسهولة لهذا التحوّل. فقد أصدر قسطنطين أوامره بهدم المعابد الوثنية، ومنها معبد أفقا الشهير المرتبط بعبادة عشتروت. تحوّلت بعض الهياكل إلى كنائس، في محاولة لإعادة تقديس المكان. غير أنّ هذه العملية بقيت سطحية في عمقها، إذ ظلّ سكان الجبل أوفياء لمعتقداتهم القديمة، المرتبطة بالطبيعة، والخصب، والأسطورة.

ولم يلبث أن عاد المدّ الوثني بقوة في عهد يوليانوس الجاحد (361–363)، الذي سعى إلى إحياء الديانات القديمة، فأعاد بناء معبد أفقا، وكأنّ الجبل أعلن رفضه المبكر لأي إيمان يُفرض عليه من الخارج.

أما المحاولة الثانية، فجاءت في أواخر القرن الرابع على يد القديس يوحنا الذهبي الفم، أحد أعظم آباء الكنيسة. إذ أرسل مبشّرين إلى جبل لبنان لاستئصال الوثنية. لكنّ هؤلاء واجهوا مقاومة شديدة، كما يذكر الأب هنري لامنس، إذ طُرد بعضهم، وقُتل آخرون.

تكشف هذه المرحلة حقيقة عميقة: الإيمان لا يُفرض بالسيف ولا يُبنى بقرارات إمبراطورية، بل يحتاج إلى تربةٍ داخلية، إلى استعدادٍ في قلب الإنسان. لذلك، بقي الجبل ينتظر… ينتظر زمنه الخاص.

٢- حين صعد الرهبان إلى الجبل… وُلد وطنٌ اسمه الحرية

كان لا بدّ من انتظار نهاية القرن الخامس، ليحدث التحوّل الحقيقي. لم يأتِ هذه المرّة من الإمبراطورية، بل من الصحراء… من رهبان تلاميذ مار مارون، الذين حملوا في قلوبهم إيمانًا حرًا، لا سلطة فيه إلا للروح.

من بين هؤلاء، يبرز اسمان: إبراهيم القورشي وسمعان العامودي. لم يكونا قادة جيوش، بل شهودًا صامتين. سلكا طرقًا وعرة، عبر منبع نهر العاصي في الهرمل، حيث يتفرّع الطريق إلى جرود العاقورة ووادي قاديشا، تلك الأودية التي ستصبح لاحقًا قلب الروحانية المارونية.

لقد اختار الرهبان الجبل لأنّه يشبههم: قاسٍ في ظاهره، حرّ في أعماقه. كان الجبل ملاذًا للهاربين من الاضطهادات العقائدية في شمال سوريا، خاصة بعد الخلافات الكريستولوجية في القرن الخامس، كما يشير المؤرخ فيليب حتّي.

ويروي حتّي أنّ إبراهيم القورشي لم يدخل الجبل كمبشّر مباشر، بل كتاجر بسيط، في حكمةٍ لاهوتية عميقة: الإيمان يُزرع قبل أن يُعلن. وعندما كسب ثقة الناس، ووقف إلى جانبهم في وجه ظلم الجنود، فتحوا له قلوبهم، قبل أن يفتحوا آذانهم. وهكذا، دخلت المسيحية إلى الجبل من باب التضامن الإنساني، لا من باب الإلزام.

أما سمعان العامودي، فترتبط به رواية شعبية عميقة الرمزية: حين طلب منه أهل الجبل خلاصهم من الضواري، دعاهم إلى الإيمان بالمسيح وإقامة الصلبان حول قراهم. سواء قرأنا الرواية حرفيًا أو رمزيًا، فإن معناها واضح: الصليب هو حماية الإنسان، حين يتحوّل إلى إيمانٍ حيّ في حياته.

وهكذا، لم تكن مسحنة جبل لبنان حدثًا فجائيًا، بل مسيرة طويلة، تداخل فيها الجغرافيا مع اللاهوت، والخوف مع الرجاء، والبحث مع اللقاء.

لقد وجد الموارنة في هذا الجبل وطنًا يشبه رسالتهم: وطنًا لا يُقاس بالقوة، بل بالحرية.

وطنًا لا يُبنى على السلطة، بل على الإيمان. ومن هنا، لُقّب إبراهيم القورشي بـ “رسول لبنان”، لأنّه لم يفتح الأرض، بل فتح القلوب.


هكذا، لم يُعمَّد جبل لبنان بقرار إمبراطوري، ولا بسلطةٍ مفروضة، بل بدموع الرهبان، وصبر المبشّرين، وحرية الباحثين عن الله.

من أفقا الوثنية، إلى قاديشا الناسكة، ومن مقاومة الإيمان إلى احتضانه، سلك الجبل طريقًا طويلًا، لكنه كان طريقًا حقيقيًا.

واليوم، حين ننظر إلى هذا الجبل، لا نراه فقط كجغرافيا، بل كدعوة دائمة: أن يبقى الإنسان حرًّا في إيمانه،

وأمينًا لجذوره، وقادرًا، رغم كل شيء، أن يصعد… نحو الله.


الخوري ميخائيل قنبر

دراسات عليا في العلوم الدينية


عودة إلى المقالات

إخترنا لكم