الأخبار
في المئوية الثامنة لوفاة مار فرنسيس... الأرشيف الفاتيكاني يكشف "تاجه الثاني"
في الذكرى المئوية الثامنة لوفاة القديس فرنسيس الأسيزي، فتح الأرشيف الرسولي الفاتيكاني سجلّ البابا هونوريوس الثالث الذي يحتفظ بـ«القانون المثبّت ببراءة بابوية» الصادر عام 1223، والذي يُعدّ الوثيقة الرسمية المؤسسة لرهبنة الإخوة الأصاغر.
واستعاد الأرشيف، في هذه المناسبة، ما وصفه دانتي أليغييري في الأبيات 97 إلى 99 من النشيد الحادي عشر من «الفردوس» بـ«التاج الثاني» للقديس فرنسيس، أي القانون الفرنسيسكاني النهائي الذي ثبّته البابا هونوريوس الثالث عام 1223، بعد الموافقة الأولى التي منحها سلفه البابا إينوسنت الثالث.
ويشكّل هذا القانون برنامج حياة أتباع «فقير أسيزي»، الذين كان عددهم يتزايد حتى قبل وفاته ليلة 3 إلى 4 تشرين الأول 1226 في البورسيونكولا.
ويبدأ نص القانون بالقول: «باسم الرب تبدأ حياة الإخوة الأصاغر. إن قانون وحياة الإخوة الأصاغر هما أن يحفظوا إنجيل ربنا يسوع المسيح المقدس، عائشين في الطاعة، من دون امتلاك شيء، وفي العفة. والأخ فرنسيس يعد بالطاعة والإجلال للسيد البابا هونوريوس ولخلفائه المنتخبين قانونيًا وللكنيسة الرومانية، وعلى سائر الإخوة أن يطيعوا الأخ فرنسيس وخلفاءه».
ويكتسب الرجوع إلى هذه الكلمات اليوم أهمية خاصة، فيما تتواصل حتى كانون الثاني 2027 الاحتفالات بالمئوية الثامنة لوفاة القديس فرنسيس، بين عامي 1226 و2026.
ويُحفظ التسجيل الرسمي للقانون في مجلدات ديوان البابا هونوريوس الثالث داخل الأرشيف الرسولي الفاتيكاني، حيث عرضه إنريكو فلاياني، أستاذ علم الأرشيف العام والتطبيقي وحفظ الممتلكات الأرشيفية في الأرشيف الفاتيكاني.
وأشار فلاياني إلى السطر التاسع من رسالة هونوريوس الثالث إلى فرنسيس الأسيزي، حيث تظهر بداية القانون باللاتينية: «In nomine Domini incipit vita Minorum Fratrum»، أي: «باسم الرب تبدأ حياة الإخوة الأصاغر».
وأوضح أن «القانون المثبّت ببراءة بابوية محفوظ في السجل الفاتيكاني رقم 12، في الصفحات 155 إلى 156»، لافتًا إلى أن المخطوط ينتمي إلى سلسلة سجلات الرسائل البابوية ويضم مختارات من مراسلات هونوريوس الثالث بين عامي 1222 و1224، موزعة بحسب سنوات حبريته.
وأضاف أن براءة هونوريوس الثالث هي، في جوهرها، رسالة إلى فرنسيس الأسيزي ثبّت فيها الحبر الأعظم قانون الإخوة الأصاغر.
والنص الطويل موجّه «إلى الأخ فرنسيس وسائر إخوة رهبنة الإخوة الأصاغر»، ويحمل تاريخ 29 تشرين الثاني 1223 من اللاتران، ويضم القانون الفرنسيسكاني نفسه كما تلقّته الكوريا الرومانية، بعدما خضع لبعض التعديلات تمهيدًا للموافقة البابوية عليه.
وبعد ثمانية قرون، لا يزال فرنسيس، بحسب فلاياني، يحتفظ بالجاذبية نفسها التي رافقت بداياته، إذ قال إن جميع الذين تحدثوا عنه أو كتبوا عنه، من كاثوليك وبروتستانت وغير مسيحيين وغير مؤمنين، تأثروا بشخصيته وغالبًا ما انجذبوا إليها.
ورأى أن فرنسيس قدّم نموذجًا جديدًا للقداسة، لم يظهر أساسًا من خلال المعجزات، رغم كثرتها، ولا عبر استعراض الفضائل، على ندرتها وروعتها، بل من خلال حياة كاملة اتّسمت بالمثالية.
وأضاف أن فرنسيس وصل إلى الأجيال بوصفه «صديقًا وأخًا لجميع المخلوقات وللخليقة كلها»، وقد أظهر عناية وفهمًا أخويًا ومحبة للجميع بالمعنى الأسمى للكلمة، أي المحبة، وهو ما قابله التاريخ بالتعاطف والإعجاب نفسه.
ولفت فلاياني إلى أن بساطة فرنسيس جعلته شخصية معقدة، معتبرًا أنه هزّ الدين والحضارة والمجتمع في عصره، إذ كان في آن واحد قريبًا من الحياة الدينية ومن العلمانيين، وصاغ ممارسة جديدة للفقر والتواضع والكلمة، على هامش المؤسسة الكنسية من دون السقوط في الهرطقة، فكان «متمردًا من دون عدميّة».
وكانت المدينة، بالنسبة إلى ابن التاجر، الميدان الأول لرسالته، إذ أراد أن يمنحها معنى الفقر في مواجهة المال والأغنياء، وأن يستبدل السلام بالصراعات الداخلية التي عرفتها أسيزي وبين أسيزي وبيروجيا.
ورأى فلاياني أن فرنسيس أراد، من موقعه كعلماني، أن يُظهر أن العلمانيين قادرون، كما الإكليروس ومعهم، على عيش حياة رسولية حقيقية.
وتعود قداسة فرنسيس إلى تفاصيل الحياة العادية في عصره. فقد وُلد فرنسيس ابن بييترو دي برناردوني في أسيزي بين عامي 1181 و1182، وحين كان والده، تاجر الأقمشة، مسافرًا إلى فرنسا، عمدته والدته جيوفانا باسم يوحنا المعمدان، قديس البرية والكرازة والبشارة، الذي ظل فرنسيس يحمل له تكريمًا خاصًا.
وفي شبابه، عاش ثقافة وذهنية الطبقة التجارية الميسورة التي انتمى إليها، واهتم بالشعر، وشارك في مواجهات مسلحة بين أسيزي وبيروجيا، وكان يطمح إلى أن يصبح فارسًا.
لكن عام 1206 شكّل نقطة تحول، حين دخل في خلاف مع والده وتنازل عن إرثه أمام أسقف أسيزي غيدو، ثم كرّس نفسه لخدمة المرضى في مستعمرات المصابين بالبرص في ريف أسيزي، ولترميم الكنائس الريفية المتهالكة.
وبدأ الإخوة بعد ذلك يكرزون اثنين اثنين في وسط إيطاليا، غير أن كرازة العلمانيين غير المصرح لهم كانت قد تعرضهم للعقوبات الكنسية المرتبطة بمكافحة الهرطقة.
ومن هنا جاءت الرحلة إلى روما وصياغة القانون الأول بين عامي 1209 و1210، وهو نص فُقد لاحقًا، إلا أن المعروف عنه، ولا سيما من خلال فرنسيس نفسه والقديس بونافنتورا، أنه كان مختصرًا وبسيطًا ومؤلفًا بصورة أساسية من عدد من المقاطع الإنجيلية.
وفي السنوات التالية، اقترح الكاردينال أوغولينو من أوستيا على فرنسيس إدخال إخوته ضمن رهبنة قائمة، إلا أن فرنسيس رفض وفضّل الانطلاق للكرازة في مصر، وعند عودته كانت الأخوية قد توسعت إلى حد كبير.
وشرح فلاياني أنه عندما مثُل فرنسيس الأسيزي أمام البابا عام 1221 طالبًا قبول قواعد الحياة الإنجيلية التي كان يتبعها، أعجب هونوريوس الثالث بنقاوة الرجل وبساطة روحه، لكنه لم يوافق فورًا على «القانون غير المثبّت»، وهو نص طويل من 23 فصلًا، ربما بسبب رأي بعض الكرادلة الذين وجدوه غريبًا وشاقًا على القوى البشرية.
وبحسب ما يرويه بونافنتورا من بانيوريجو، كان تدخل الكاردينال جيوفاني دي سان باولو حاسمًا، إذ قال: «إن هذا الفقير لا يطلب في الحقيقة سوى أن يُعتمد له نمط حياة إنجيلي. وإذا رفضنا طلبه لأنه صعب وغريب أكثر مما ينبغي، فلنحذر من أن نسيء بذلك إلى الإنجيل».
فأجاب البابا فرنسيس: «صلِّ إلى المسيح، يا بُني، لكي يُظهر لنا بواسطتك إرادته».
ولم يتأخر ختم بطرس، إذ صدّق هونوريوس الثالث في 29 تشرين الثاني 1223، بواسطة البراءة «Solet annuere»، على «قانون حياة» فرنسيس وثبّته، وإن بصيغة أكثر اختصارًا من تلك التي عُرضت على البابا إينوسنت الثالث.
ويتكوّن «القانون المثبّت» من 12 فصلًا تحدد ركائز الحياة الإنجيلية كما تصورها فرنسيس، ويُعتبر «شهادة الميلاد الرسمية» للحركة الفرنسيسكانية.
ولفت فلاياني إلى أن الوثيقة أصبحت تتعلق بجماعة دينية لم تعد تشبه كثيرًا الأخوية الأولى الصغيرة المؤلفة من عدد محدود من أبناء أسيزي، إذ كانت قد تحولت عمليًا إلى رهبنة دينية نتيجة التدفق الكبير للإكليروس إليها.
وتضمن القانون أمرًا واضحًا وحازمًا بعدم قبول المال، وبطاعة الرؤساء، والتعامل مع الراهبات والمتكرسات ضمن شروط محددة.
وفي ختام النص، طلب فرنسيس، بدافع الطاعة للكنيسة الرومانية، تعيين كاردينال حامٍ للرهبنة، وهو ما اعتبره فلاياني دلالة على اهتمام فرنسيس، القلق على مستقبل رهبنة الإخوة الأصاغر، بإضفاء طابع مؤسسي على علاقة التعاون الوثيقة مع الكاردينال أوغولينو من أوستيا.
وبعد إقرار القانون، ومع ازدياد ضعف فرنسيس الجسدي نتيجة الحرمان الذي كان يفرضه على نفسه، اتجه بصورة أكبر إلى حياة الاختلاء والتنسك.
وفي تلك المرحلة وقعت أحداث ظهور السمات، وكتب «نشيد المخلوقات» ووصيته.
ومع تدهور حالته نهائيًا، نُقل إلى كنيسة البورسيونكولا، حيث توفي في الليلة الفاصلة بين 3 و4 تشرين الأول 1226.
وفي 16 تموز 1228، أعلنه البابا غريغوريوس التاسع، وهو الكاردينال أوغولينو نفسه بعد انتخابه حبرًا أعظم، قديسًا.