عظة الأحد

التاريخ: 2026-10-04 متى (4 ، 23 - 31) الخوري أنطوان الدويهيّ الخوري أنطوان الدويهيّ

الأحد الثالث بعد عيد الصليب - المسحاء الدجّالون وعودة ابن الإنسان - "حيث الجثّة، هناك تجتمع النسور"

ماذا تعني هذه الآية؟ وما علاقتها بموضوع مجيء ابن الإنسان؟

نحنُ في زمن النهيويَّات وهذا الزمن مليء بأمور لا يدركها العقل البشريّ بسهولة: "يأتي ابن الإنسان كالبرق"، "حيثُ تكون الجثَّة هناك تجتمع النسور"، وسواهما من الآيات الغريبة وتفسيرها صعب للغاية.

اختارت الكنيسة المارونيَّة في هذا الأحد الثالث من زمن العنصرة نصَّ مجيء ابن الإنسان. بعدما سأل التلاميذ يسوعَ: متى يُنقض الهيكل؟ وما هي علامة مجيء ابن الإنسان؟ أجاب يسوع قائلاً: "كَمَا أَنَّ البَرْقَ يُومِضُ مِنَ الـمَشَارِق، ويَسْطَعُ حَتَّى الـمَغَارِب، هـكَذَا يَكُونُ مَجِيءُ ابْنِ الإِنْسَان." وأكمل قائلاً: " حَيْثُ تَكُونُ الـجُثَّةُ هُنَاكَ تَجْتَمِعُ النُسُور." وبحسب القدّيس لوقا، يقول الربُّ يسوع: "حيثُ يكون الجسد، هناك تتحلَّق الطيور الكاسرة". سوف أتوقَّف فقط عند شرح هذه الآية الغنيَّة، لأنَّها تستحقُّ التفكير والتأمُّل. وسوف أتطرَّق إلى تفسير واحد من ضمن تفاسير أخرى قدَّمها بعض المفسّرين.

- يتكلَّم يسوع عن مجيء ابن الإنسان. كيف سيكون؟ كالبرق. يأتي بسرعة ويراه جميع الناس، من مشرق الشمس إلى مغربها. وأضاف: "حيث الجثّة تجتمع النسور". إذًا، يرتبط هذا المثل مباشرة بمجيء ابن الإنسان، أي الربّ يسوع. أعطى بعض آباء الكنيسة ومنهم يوحنّا فم الذهب تفسيرًا رائعًا جعل مجيء الربّ حاضرًا في كلِّ قدَّاس، عندما ربط "الجثَّة" بجسد المسيح المصلوب. فالمؤمنون يشبهون النسور المحلَّقة التي ترتفع عن الأمور الأرضيَّة وتتَّجه نحو العلى. فالذين "ينظرون" إلى جسد المسيح المعلَّق ينبغي أن يكونوا كالنسور، قلوبهم مرتفعة نحو السماء، ولا تبغي ما في هذه الدنيا. فالمؤمنون الحقيقيّون هم أولئك الذين يشاركون في القدَّاس الإلهيّ ويعملون بما يقوله الكاهن قبل كلام التأسيس: "لتكن أفكارنا وعقولنا وقلوبنا مرتفعة إلى العلى"، إلى المسيح، إلى حيث يجذبنا بحبّه كما قال: "وإذا ارتفعتُ عن العالم أجذب إليَّ الجميع". هو يريد أن يجذب جميع الناس، لكنَّ الذين يعتبرون أنفسهم "نسورًا" محلِّقة هم وحدهم الذين تجذبهم "رائحة جسده الذكيَّة" فيقتاتون منه ويرتقون إلى السماء. فالمسيح، الذي بذل جسده على الصليب، هو الذي يجذب إليه المؤمنين. وحيث المسيح حاضر في جسده، أي الإفخارستيّا، هناك تجتمع النفوس التي تبحث عنه فيرفعها معه إلى العلى. وهكذا يصبح النسر رمزًا للإنسان الذي لا يبقى أسير الأرض، بل يرفع فكره وعقله وقلبه إلى الله. فالمسيحيّ الحقيقيّ مدعوٌّ إلى أن تكون نظرته مليئة بالإيمان، ترنو إلى فوق، وأن يبحث عن المسيح لاسيَّما في القدَّاس، لا عن الأشياء الزائلة التي تعيق تقدُّمه وارتقاءه. فالمسيح هو غذاء النفس، والنفس التي تعرف قيمته تترك الأرض وترتفع إليه.

- لا يتوقَّف القدّيس جيروم عند الإفخارستيَّا فقط، بل يربط أيضًا اجتماع النسور حول الجثَّة باجتماع المؤمنين حول كلمة الله. فالمسيح هو المركز والمؤمنون يتجمّعون حوله. أمّا القدّيس أوغسطين فتعمَّق أكثر وتحدَّث عن "جسد المسيح السرّيّ" أي الكنيسة التي تجمع المؤمنين حول سرّ المسيح.

- من ناحية ثانية، يتميَّز النسر بنظره الثاقب فيرى فريسته من بعيد ويتَّجه إليها وينقضُّ عليها فتكون غذاءه. على مثاله، ينبغي للمؤمن أن يشعر دومًا بهذا الجوع الدائم إلى الربِّ يسوع في الإفخارستيّا، و"ينقضُّ" عليه كالنسر ويلتهمه بكلِّ شهيَّة. وإذا كان النسر لا يأكل جثَّة هامدة، بل يفتّش عن فريسة حيَّة ليأكلها، كذلك نحن لا نأكل جسدًا فانيًا، بل جسدًا حيًّا يُجري فينا حياة أبديَّة. وهكذا تصبح الآية: "حيث المسيح هناك المسيحيّ".

- من ناحية ثالثة، هذا الشرح يكتمل بهذا المعنى: عندما يأتي ابن الإنسان، سيكون حضوره ودينونته واضحين كوضوح تجمُّع النسور حول الجثَّة. فلا نصدّق القائلين: "إنّه هنا، أو هناك"... فالآية تؤكِّد أنَّ مجيء ابن الإنسان ليس حدثًا سرّيًّا يحتاج الناس إلى اكتشاف مكانه، بل هو واضح وضوح الشمس.

في هذا اليوم، تحتفل الكنيسة الكاثوليكيَّة جمعاء بعيد القدّيس فرنسيس الأسّيزيّ الذي عرف كيف يحلِّق عاليًا كالنسر وعيناه محدِّقتان على المصلوب، حتَّى طُبعت سمات المسيح في جسده في السنة الأخيرة من حياته، فما عاد يخاف الموت، بل اعتبر الموت أخاه، لأنَّ الموت لم يعد نهاية بل أضحى عبورًا إلى الحياة الحقَّة. لهذا، اختار قداسة البابا هذه السنة 2026، سنة مار فرنسيس، لمناسبة مرور 800 سنة على انتقاله السعيد إلى السماء.

كما تحتفل الكنيسة أيضًا اليوم بأحد الورديَّة المقدَّسة، هذه الوردة التي اختارها الله لتكون أمًّا لابنه الوحيد فتجسَّد منها وصار إنسانًا، إلى أن صار "جثَّة" معلَّقة على خشبة الصليب تتحلَّق حولها النسور...