عظة الأحد
الأحد الخامس من الصوم - شفاء المخلّع - حين فُتح السقف… قام الإنسان
إنجيل المخلّع ليس قصة شفاء جسدي فحسب، بل هو إعلان سرّ القيامة الداخلية. المخلّع في عمقه ليس ذاك الرجل المستلقي على فراشه، بل هو الإنسان حين تنفصل روحه عن مجراها، وحين تثقل إرادته بخطايا غير مُعترفٍ بها. الشلل هنا ليس في الأطراف، بل في القلب؛ هو عجز الإرادة أمام الخطيئة، هو تعب النفس من محاولات متكرّرة بلا نعمة. إنسان يعرف الخير لكنه لا يقدر أن يفعله.
كان المخلّع محمولًا، لأن النفس حين تضعف تحتاج إلى من يحملها. تحتاج إلى جماعة تؤمن عنها حين يخفت إيمانها، وإلى صلاة تسندها حين تعجز عن الوقوف. الإيمان في هذا المشهد ليس فرديًا؛ إنه إيمان مشترك، جسد واحد يحمل عضوًا متألمًا إلى موضع اللقاء.
البيت كان ممتلئًا حتى الباب، والباب مغلق. صورة الداخل المزدحم بالضجيج، بالأفكار، بالحسابات، بالمخاوف. كثيرًا ما نحاول الوصول إلى الله عبر طرقنا المعتادة، بمنطقنا الخاص، فنصطدم بالعائق. لذلك صعدوا إلى السطح.
الصعود هو حركة التأمل؛ انتقال من مستوى الحواس إلى مستوى الرؤية الداخلية. السطح طبقة الفكر، والسقف هو البنية الصلبة التي بنيناها عبر السنين: قناعات راسخة، مخاوف دفينة، كبرياء خفي، وصورة ذاتية نتشبث بها. نقب السقف يعني كسر ما نظنه ثابتًا. لا شفاء بلا كسر، ولا نور بلا فجوة في الظلام الذي ألفناه.
ومن الصور الرائعة صمتُ صاحب المنزل عن التذمّر مما حدث في سقف بيته؛ كأن الرسالة تقول إن على المؤمن أن يحتمل بعض الخسارة لأجل شفاء أخيه. والصمت الثاني هو صمت حَمَلة المخلّع. بعد كل هذا الجهد لم يطلبوا شيئًا، ولم يناقشوا، ولم يحتجّوا. إيمان بسيط ومطلق: لتكن مشيئتك.
ويبدأ المسيح من حيث لا نتوقع: «مغفورة لك خطاياك». يضع إصبعه على الجرح غير المرئي. فالخطيئة ليست مجرد فعل، بل حالة انفصال. والغفران ليس إسقاط عقوبة، بل إعادة وصل؛ إعادة النفس إلى مجراها الأول، وإعادة النَّفَس الإلهي إلى صدرٍ كان مختنقًا. لذلك قبل أن تتحرك أطرافه، تحرّرت روحه. قبل أن يقوم جسده، قام داخله من موتٍ خفي.
اعتراض الكتبة يرمز إلى عقلٍ يحاول أن يحيط الله بقوانين ضيقة. فهموا النص، لكنهم لم يفهموا القلب. رأوا تجديفًا لأنهم لم يحتملوا فكرة إله يغفر بهذه الجرأة. في العمق، هم أيضًا مخلّعون، لكن شللهم مستتر تحت عباءة المعرفة. هناك شلل ظاهر يصرخ طالبًا الشفاء، وهناك شلل خفي يظن نفسه سليمًا. الأول أقرب إلى الملكوت.
(قم، احمل سريرك وامشِ). ليست أوامر عابرة، بل ثلاث مراحل للتحوّل.
«قم» هي قيامة الهوية؛ اكتشف من أنت في عين الله لا في عين خطيتك.
«احمل سريرك» هي مصالحة مع الماضي؛ لا تهرب من تاريخك، بل احمله بعد أن تغيّر معناه.
«امشِ» هي حركة الرسالة؛ الشفاء ليس لتبقى في البيت، بل لتدخل العالم شاهدًا لنعمة لم تصنعها أنت.
الذي كان يُحمل صار حاملًا. الذي كان موضوع شفقة صار موضوع دهشة وتسبيح.
«وفي الحال قام». لحظة النعمة لا تؤجَّل حين يلمس السلطان الإلهي عمق الإنسان. قد تطول رحلة الوصول، لكن التحوّل الحقيقي يحدث كبرقٍ يخترق السماء. قام أمام الجميع، لأن الشفاء الداخلي لا يبقى سرًّا. النفس التي تتجدّد تشعّ، والناس يمجّدون الله حين يرون إنسانًا كان مكسورًا وصار حيًّا.
كان ملتصقًا بالأرض، ثم صار يمشي فوقها. صورة الإنسان الجديد: لم يعد منجذبًا إلى الأسفل، بل صار قادرًا أن يسير نحو الأفق. التمجيد الحقيقي لا يولد من خطاب، بل من حياةٍ مبدَّلة. حين يشفى الداخل، يصير الجسد نفسه تسبيحًا متحركًا.
إنجيل المخلّع دعوة لاكتشاف شللنا الخفي: أين فقدنا القدرة على الصلاة؟ أين ثقلت قلوبنا؟ أين استسلمنا لفكرة أننا لن نتغيّر؟ المسيح ما زال يقول الكلمة ذاتها: «قم». ليست أمرًا قاسيًا، بل نفخة حياة.
قم من يأسك.
قم من تكرار خطيتك.
قم من صورة قديمة عن نفسك.
احمل سريرك، أي احمل قصتك، وامشِ في نور جديد.
فالذي له سلطان أن يغفر، له سلطان أن يقيم.
والذي يلمس الجذر، يشفي كل الثمر.
هذا الإنجيل ليس ذكرى حدث، بل خريطة عبور من الشلل إلى الحرية، من الأرض إلى السماء المفتوحة فوق سقفٍ مكسور
الأب شادي أبي إسحق الأنطوني