عظة الأحد

التاريخ: 2026-03-01 لوقا (8 ، 40 - 56) المونسنيور الياس الحلو المونسنيور الياس الحلو

الأحد الثالث من الصوم - شفاء النازفة - "فعادت روحها إليها"

لقاء يائيرس بيسوع المسيح قاطعته المرأة المنزوفة، وكلاهما له حاجاته وعنده ظروفه القاسية، وفي اللقائين نتأمل بالكثير من التحديات وبالكثير من العِبر:

1 ـ يائيرس يتحدى ذاته، فكيف لرئيس المجمع أن يرتمي على قدمي يسوع ويتوسله راجيًا أن يشفي إبنته؟

والنازفة تتحدى القوانين والجماعة الحاضرة، فكيف لمريضة تعاني من نزف دمها أن تقتحم الحشود المجتمعة؟

ويسوع يتحدى المرض والموت، فكيف له أن يشفي من عجز الطب عن شفائها طوال إثنتي عشرة سنة،  وكيف يعيد الروح للصبيّة المائتة؟ 

تحدٍّ أساسه لهفة أبٍ ممزوجة بالإيمان، وثقة مريضة آمنت أن لمسة طرف ردائه تكفيها، هذا الهدب يحمل في التقليد اليهودي وصايا الربّ، وكأنها شاءت أن تعلن للجميع أن لا شفاء ولا خلاص خارج تعاليم الربّ ووصاياه.

هذه التعاليم يدعونا سفر العدد في قراءات اليوم أن نلتزم بها: "تذكرون وصايا الربّ وتعملون بها... وتكونوا قديسين لإلهكم". في هذا المعنى نفسه يحثنا الرسول بولس على التوبة عربون عودتنا الى قلب الآب.

2 ـ بالعودة الى اللقاء المتقطع بين يائيرس والرب، نتأمل بمحبة الربّ وعظمة قدرته، فهو يشفي المرأة وكأنه يعوّض ضعف البشر ولكنه لم ينسَ الصبيّة فقصد منزلها ـــ متأخرًا بمفهوم البشر ـــ فأقامها من الموت، ليعلمنا: ـ أن توقيته غير توقيتنا وأن محبته ورحمته لا تحدهما سنوات طويلة (12 سنة من المرض والرقم 12 هو رقم كمال، أي أن المرض إكتمل فيها) أو موت بشري...، فهو وحده قادر أن يوقف مسيرة الموت ووحده قادر أن يحيي وهو يعطي الحياة ويعطيها وافرة أليس هو القائل "أنا الطريق والحق والحياة"، وأن قدرته لا تنحصر بالأجساد بل تتخطاها الى عمق القلوب...

ـ أنه هو هو للجميع، للقريبين وللبعيدين، وأنه ما جاء لأجل الأصحاء فقط بل لأجل المرضى والمتعبين، فهو يدعو اليه جميع المتعبين والثقيلي الأحمال ليريحهم...

ـ الفتاة ذات الإثنتي عشرة سنة تمثّل الشعب اليهودي بأسباطه الإثني عشر. بعيدًا عن الربّ ماتت الفتاة أما حضوره فأحياها، وهذه هي حالة الشعب اليهودي الذي لن يعرف الحياة إلا مع المسيح. وهذه هي حالنا أمس واليوم والى الأبد، لأنه وحده قادر أن يوقف إنحدار بعض ما فينا الى الموت، ووحده قادر أن يحيي ما مات فينا، فهل لنا الجرأة أن نجثو ملتمسين رحمته؟ وهل لنا الرغبة أن نطلب منه أم إننا نخشى أن نزعجه مثل الموفد الى رئيس المجمع؟ "لا تزعج المعلم..."

حتمًا كلنا نرغب لأننا كلنا نعلم ونؤمن أن حضوره يبدّل الأحوال الى ما هو أفضل وأجمل وأحسن. 

لذلك فلنصلي على نية كل مريض خاصة من بلغ منهم حافة اليأس طالبين شفاءهم الروحي والجسدي، ولنصلي على نية بعضنا البعض لتكون لنا الجرأة الكافية والثقة الأكيدة بقدرة الربّ ونعمته فنسرع إليه واضعين أمامه ضعفنا وخطايانا ونزيفنا الروحي والإجتماعي والإنساني على الصعيد الفردي وعلى الصعيد الجماعي، ملتمسن منه أن يدخل بيوتنا وجماعاتنا ومجتمعاتنا، لنسمع كلمته تتكرر كل لحظة في عمق إيماننا "إيمانكم خلصكم" ... "فتعود روحنا إلينا" آمين.