عظة الأحد
الأحد الخامس عشر من زمن العنصرة - توبة المرأة الخاطئة -"كانوا ينظرون إلى ماضيها… ويسوع إلى مستقبلها"
في ذلك البيت، كان الجميع يعرفون المرأة… إلا يسوع.
كانوا يعرفون خطيئتها، وسمعتها، وماضيها. كانوا يعرفون عنها ما يكفي لكي يحكموا عليها. أمّا يسوع، فلم ينظر إليها كما نظروا إليها. لم يرَ امرأةً خاطئة فقط، انما رأى إنسانةً ما زال في قلبها مكان لله.
دخلت المرأة إلى بيت الفريسي ولم تحمل معها دفاعًا عن نفسها، ولا تفسيرًا لماضيها، ولا محاولة لتبرير ما فعلت. حملت شيئًا واحدًا: قلبًا منكسرًا. جاءت بالطيب، لكن يسوع كان ينتظر منها شيئًا أعمق من الطيب: أن تفتح له قلبها.
ولذلك لم تكن دموعها مجرد دموع ندم. كانت دموع إنسانة اكتشفت أخيرًا أن الله لا يخاف من حقيقتها.
وهذه، في رأيي، إحدى أجمل مفاجآت هذا الإنجيل: المرأة لم تكن خائفة من أن يكتشف يسوع خطيئتها، لأنها اكتشفت أنه يعرفها ولا يرفضها. أما سمعان الفريسي، فكان جالسًا بالقرب من يسوع، لكنه كان أبعد الناس عنه.
وهنا علينا أن نتوقف قليلًا.
يمكن للإنسان أن يكون داخل الكنيسة ويبقى بعيدًا عن المسيح. يمكن أن يجلس في القداس كل أحد، ويعرف الصلوات، ويحفظ التعاليم، ويخدم في الجماعة، ومع ذلك يحمل في داخله قلبًا لا يعرف الرحمة.
المشكلة ليست دائمًا أنني خاطئ. فنحن جميعًا خطأة.
المشكلة الأخطر هي أن أصبح عاجزًا عن رؤية خطيئتي، وأن أحتاج دائمًا إلى شخص آخر لأقارن نفسي به حتى أشعر أنني أفضل.
الفريسي رأى خطيئة المرأة. أما المرأة فرأت نفسها أمام رحمة الله. ولهذا خرجت هي من البيت إنسانة جديدة، بينما بقي هو في مكانه.
أيها الأحباء،
التوبة ليست أن أكره نفسي، ولا أن أعيش أسيرًا لماضيّ. التوبة هي أن أتوقف عن الهرب من الله بسبب خطيئتي، وأبدأ بالهروب إليه بسببها. كم من إنسان ابتعد عن الكنيسة لأنه يظن أن الله غاضب منه!
وكم من إنسان لا يجرؤ أن يعود إلى سر المصالحة لأنه يعتقد أن ماضيه أكبر من رحمة الله!
لكن إنجيل اليوم يقول لنا شيئًا واضحًا: الله لا ينتظر منك أن تصبح صالحًا لكي يأتي إليك؛ هو يأتي إليك لكي يبدأ في تغييرك. المسيح لم يقل للمرأة: "أصلحي حياتك أولًا ثم اقتربي مني." بل اقتربت هي منه، وهناك، في حضوره، بدأت حياة جديدة.
ولعل أجمل ما في القصة أن يسوع لم يقل لها: "اذهبي وانسي ما حدث". قال لها: «إيمانك خلّصك، اذهبي بسلام».
فالصفح المسيحي ليس محوًا للذاكرة، بل تحريرًا للمستقبل. قد يبقى الماضي في ذاكرتك، لكن لا يعود يملك حق تحديد من تكون. قد تتذكر خطيئتك، لكنك لا تعيش بعدها كأنك خطيئتك. قد تعرف أنك سقطت، لكنك تعرف أيضًا أن يد المسيح أقوى من سقوطك.
وهنا رسالة اليوم لكل واحد منا: لا تجعل الناس يحاكمونك على ماضيك، ولا تجعل أنت نفسك تحاكمك على ماضيك بعد أن غفر الله لك. وإذا كنت اليوم مثل هذه المرأة، تحمل في قلبك خطيئة لا يعرفها أحد، أو جرحًا قديمًا، أو ندمًا تخجل منه، فلا تهرب من المسيح. اقترب... ضع ما تخجل منه عند قدميه. لا تحتاج إلى كلام كثير.
هي لم تتكلم كثيرًا… لكن دموعها قالت كل شيء. ولنا نحن الذين في الكنيسة أيضًا امتحان آخر:
هل نحن مثل يسوع، نفتح أبوابنا للإنسان الذي يريد أن يعود؟ أم مثل سمعان، نفتح له الباب ثم نجعله يشعر أنه غير مرغوب فيه؟
فالكنيسة التي لا يستطيع الخاطئ أن يعود إليها ليست قديسة كما تظن، مهما كانت صلواتها جميلة.
القداسة ليست أن لا يكون بيننا خطأة؛ القداسة أن يجد الخاطئ بيننا طريق العودة إلى المسيح.
لذلك، في هذا الأحد، لا نسأل فقط: «ماذا فعلت المرأة؟» بل نسأل أنفسنا: أين أنا من هذه المرأة؟ وأين أنا من سمعان؟ هل ما زلت أملك شجاعة أن أقول للمسيح: «يا رب، هذه أنا، وهذا أنا، بكل ما فيّ»؟
إن كانت الإجابة نعم، فقد بدأت التوبة. وعندها، لا تخف من دموعك. فبعض الدموع لا تُضعف الإنسان؛ بعض الدموع هي أول علامة على أن قلبه بدأ يعود إلى الحياة.
ولعل المسيح يقول لك اليوم، كما قال لها: "إيمانك خلّصك. اذهب بسلام". فلا تعد إلى خطيئتك كما خرجت منها. ولا تعد إلى بيتك كما دخلته. لقد التقيتَ بالمسيح. آمين.
المطران مار متياس شارل مراد