عظة الأحد
الأحد الثاني عشر من زمن العنصرة - إيمان المرأة الكنعانيّة - " الإمرأة الكنعانية: جدتنا في الإيمان"
يأخذنا إنجيل هذا الأحد إلى منطقة صور وصيدا، خارج حدود أرض إسرائيل، إلى أرض كان اليهود يعتبرونها أرضًا وثنية وبعيدة عن شعب العهد. لقد أراد أن يبتعد قليلًا عن الأنظار، وأن يختلي بنفسه، لكن شهرته كانت قد انتشرت في كل مكان، فأصبح ملجأً لكل متألم ورجاءً لكل من يبحث عن الخلاص.
وفي تلك الأرض، يحدث لقاء غير متوقع بين يسوع وامرأة كنعانية، امرأة لا تملك سلطانًا ولا مكانة اجتماعية، لكنها تملك ما هو أعظم: قلبًا مؤمنًا لا يعرف اليأس، وإيمانًا قويًا ينقل الجبال.
لقد أحب آباء الكنيسة أن يروا في هذه المرأة صورةً للأمم التي دعاها المسيح إلى الخلاص، حتى إن بعضهم وصفها بأنها “جدّتنا في الإيمان”، لأنها تمثل كل إنسان يأتي إلى المسيح من خارج حدود شعب العهد، فيجد فيه المخلّص والرب.
كانت هذه المرأة كنعانية، غريبة ووثنية، وليست من بني إسرائيل. وفي الثقافة الدينية آنذاك، كان يُعدّ غير لائق باليهوديّ أن يتحاور مع امرأة، وبالأحرى مع امرأة أجنبية. فهي ليست من شعب إسرائيل لا بحسب الأصل ولا بحسب الثقافة، ولا تؤمن بإله إسرائيل، ولذلك كان اليهود يعتبرونها عابدة للأوثان. ومع ذلك، وبعدما سمعت عن يسوع، وضعت كل ثقتها فيه، وجاءت لا لتجادل ولا لتبرّر نفسها، بل تحمل جرحًا عميقًا: ابنتها تتألم، وهي تؤمن أن يسوع وحده قادر أن يردّ إليها الحياة.
أمام هذا النص الإنجيلي، نستعيد نحن أيضًا إيماننا بالرب يسوع، القادر على كل شيء. فمن منّا لم يختبر يومًا الخيبة أو الانكسار؟ ومن منّا لم يصرخ إلى الله طالبًا الرحمة؟ وكم من مرة شعرنا أن الله صامت، وأن صلاتنا لم تجد جوابًا! ومع ذلك، يبقى هذا الإنجيل دعوةً متجددة إلى الثقة، لأن رحمة الله لا تخيب من يلتجئ إليه.
الإيمان الذي يثابر ولا يستسلم أمام الصمت أو التجربة
ما يلفت انتباهنا أولًا هو صمت يسوع. فالمرأة تصرخ طالبة الرحمة، والإنجيل يقول: “فلم يجبها بكلمة.” كم يبدو هذا الصمت صعبًا!
ولم يكتفِ يسوع بالصمت، بل عندما تدخّل التلاميذ وطلبوا منه أن يصرفها لأنها تواصل الصراخ، أجابهم: “لم أُرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة.” ثم استخدم صورةً كانت مألوفة في ذلك الزمن، فقال إن الأولوية هي للأبناء، أي شعب إسرائيل، ثم للجراء، أي الأمم، لأن اليهود كانوا يستعملون لفظ “الكلاب” تعبيرًا ازدرائيًا عن الوثنيين.
قد تبدو هذه الكلمات قاسية، لكنها لم تكن رفضًا نهائيًا للمرأة، بل كانت تكشف إيمانها أمام الجميع، ولا سيما أمام التلاميذ الذين كانوا لا يزالون يفكرون ضمن حدود شعب واحد، بينما كان المسيح يهيئهم لقبول شمولية الخلاص.
أما المرأة، فلم تعتبر الصمت رفضًا، بل فرصةً لتزداد ثقة. ولم تستسلم أمام الكلمات الصعبة، بل بقيت ثابتة في الرجاء.
كم يشبه هذا واقعنا! نصلي من أجل مريض، أو من أجل عائلة، أو من أجل وطننا، ولا نرى استجابة فورية، فنميل إلى الاعتقاد بأن الله لا يسمعنا.
لكن الله لا يصمت لأنه غير مبالٍ، بل لأن الإيمان يحتاج أحيانًا إلى أن ينضج في قلب الإنسان. وفي قلب هذا الصمت نتعلم أن نصغي إلى همسات الله. فالصلاة ليست وسيلة لإجبار الله على تحقيق رغباتنا، بل هي مسيرة تجعلنا نثبت في الثقة كأبناء، حتى عندما لا نفهم.
ولهذا كافأ يسوع مثابرة هذه المرأة بقوله: “يا امرأة، عظيم هو إيمانك.” لم يقل: عظيمة هي صلاتك، أو عظيمة هي حججك، بل عظيمة هي ثقتك. فالمعجزة بدأت في قلبها قبل أن تظهر في شفاء ابنتها.
فهل يبقى إيماننا ثابتًا عندما يطول الانتظار؟ وهل نستطيع أن نستمر في الصلاة حتى عندما يبدو الله صامتًا؟
التواضع الذي يفتح القلب لاستقبال نعمة الله
كان بإمكان المرأة أن تغضب أو أن تنسحب بعد سماع كلام يسوع، لكنها فعلت العكس تمامًا. لقد قلبت الصورة التي استخدمها يسوع لصالحها وقالت بتواضع وإيمان: "نعم يا رب، ولكن حتى الجراء تأكل من الفتات الذي يسقط من مائدة أربابها".
وهنا يكمن سر القداسة. فالله لا يستطيع أن يملأ يدًا منغلقة، لكنه يملأ اليد المفتوحة. والقلب الممتلئ بكبريائه لا يترك مكانًا لله ولا يسمح لله ان يعمل من اجل توبته وولادته الجديدة، أما القلب المتواضع فيصبح إناءً لنعمة الله، ويخرج الى النور خطيئته، فيشفى ويتحرر من آلامه، ويغدق الرب عليه مواهبه ونعمه.
وفي الحقيقة، نحن جميعًا مثل هذه المرأة. لا أحد منا يدخل إلى ملكوت الله لأنه يستحق، بل لأن الله رحيم، طويل الآنات. نحن جميعًا نعيش من “فتات” نعمته، وهذا الفتات يكفينا ويغنينا، لأن عطية الله، مهما بدت صغيرة في أعين البشر، تحمل ملء الحياة.
إخوتي، إن لقاء يسوع بالآخر لا يغيّر فقط من يلتقيه، بل يترك أثرًا أيضًا في مجرى الرسالة نفسها. فقد كان يسوع يعرف أن رسالته تبدأ ببيت إسرائيل، لكنه كان يعلم أيضًا أن مشروع الله الخلاصي يشمل البشرية كلها، وأن الإصغاء إلى صرخة المتألم، مهما كان أصله أو انتماؤه، هو جزء من رسالته كعبد الرب الذي يحمل أوجاع الجميع. وهكذا يكشف لنا هذا الإنجيل قلب المسيح المنفتح على كل إنسان، من دون تمييز أو انغلاق.
لنطلب من الروح القدس أن يمنحنا مثابرة المرأة الكنعانية، وتواضعها، وروح شفاعتها، وأن يولّد فينا ثقةً لا حدود لها، وشجاعةً عظيمة، لكي نسير معًا نحو الملكوت، عالمين أن حياتنا على هذه الأرض ليست سوى مسيرة إلى بيت الآب، حيث يمسح الله كل دمعة من العيون، ويمنح أبناءه سلامًا لا يستطيع أحد أن ينزعه منهم.
آمين
الخوري عيد بو راشد