عظة الأحد
الأحد الرابع من زمن القيامة - ظهور يسوع للرسل على البحيرة - اللهُ المُنْتَصِر على الموتِ معكم جميعًا!
نقف سويّةً اليوم على شاطئ القيامة، وقد أتعبنا ليلُ بحر الموتِ الفارغ. أعيُنُنا على مَعينِ الحياة الأبديّة، مُحيطِ الرحمةِ التي لا تنتهي، نهارِ العدل وشمسِ الحقيقة.
تضعُ أمامنا الكنيسةُ المارونيّة في هذا الأحد الرابع من زمن القيامة قراءاتٍ ثلاثًا؛ الأولى من سِفْر التكوين (1: 20-23)، وفيها يأمر الله المياهَ أن تعجَّ عجًّا بالحياة، أي أنّه انتصر على موتِ المحيطات بدفقِ حياة النعمة، والأمر سيّان في الجوّ وجَلَدِ السماء. كلّ خلقِ الله جميلٌ ومبدع، وكلّ حياةٍ هي منه وإليه، وكل ذلك حسنٌ.
القراءة الثانية من الرسالة إلى العبرانيين (13: 18-25) فيها دعوة حثيثة للمؤمنين أنّ يختطّوا لأنفسهم حياة ملائمة لحياة النعمة ومطابقة لحالة القداسة لأنّ الراعي يأخذ الخراف إلى المراعي الخضراء وراعي الخراف العظيم يأخذنا إلى الكمال.
إلاّ أنّ الإنسان، في بُعده عن الله وفي مسيرةٍ تأخذه بعيدًا عن المعنى، تراه لا يصادف إلا الموت، وكلّ ما يعمله لا يعود عليه بالخير، حتى لو سار طوال حياته على هذا المنوال.
تطالعنا القراءة الثالثة من إنجيل يوحنا (21: 1-14)، تعالوا معي نعاين موقف بطرس والتلاميذ معه، بل المواقف المتنوّعة التي يجدون أنفسهم فيها أو في مواجهةٍ معها:
الموقف الأوّل: الرّجوع إلى الحياة القديمة. والأسباب كثيرة، تبدأ من الحاجة اليوميّة، وتمر بالتوقّف عن البحث عن الجديد، مرورًا بالجروحات والآلام الدفينة، وصولًا إلى أزمةٍ إيمانيّة عندما ننسى مَن هو الرّبان، ومَن هو ربّ الحياة ومعطيها.
الموقف الثاني: عدم معرفة يسوع. وخصوصًا إذا ما أردنا معرفته معرفةً بشريّة، قديمة، وتاريخيّة. إنها صدمةٌ كبيرة للإنسان الذي يريد كلّ شيءٍ كما هو، مهما حصل، ظنًّا منه أنّ ذلك يمنحه نوعًا من السلام والطمأنينة. لقد اكتشف التلاميذ في كل اختباراتهم بعد القيامة أنها ليست الطمأنينة التي يريدها يسوع لنا.
الموقف الثالث: تمييزُ حضورِه وتمييزُ عُريِنا في الوقت عينه. وهو موقفٌ صعبٌ وقاسٍ، بل هو أحيانًا اختبارُ موت. نرى بطرس يغطس في البحر ويخرج إلى الحياة، لكنّه في الوقت عينه يترك ذاته لرحمة الله لكي تغمرَه وتملأ كيانه؛ وهو الموقف عينه الذي حدث معه عند غسل الأرجل حين طلب من الرب أن يغسله كلّه.
الموقف الرابع: معرفة الرب والمشاركة في الوليمة. هذه الوليمة هي وسيلةٌ وغاية، هي شوقٌ وحاضر، هي معيارٌ ونتيجة. فلنقلها كما نريد: هذه الحالة النهائيّة هي حالةٌ آنيّة تقويّنا وتشجعنا رغم ضعفنا.
بالحقيقة، تبقى هذه المواقف دائمًا متداخلةً ومتقاربة، وأحيانًا نعيشها في الوقت عينه في مسيرتنا الروحيّة. لذا، ننضمّ إلى كاتب الرسالة إلى العبرانيين لنكِلَ أمرنا إلى "راعي الخراف العظيم" الذي يجعلنا كاملين في كلّ صلاح، فيعمل فينا كلّ ما هو مرضيٌّ في عينيه.
نحمل كلّ أفكارنا اليوم عن الحياة في عالمٍ ممزّق، غريب، ومتخبّط، يتقلّب مثل تقلّب الأخبار وتغيّر المحطّات والقنوات والصفحات. تعالوا نقف عند شطّه، نتذكّر زمنه، ونستذكر في كلّ حين وليمته. عيننا على أن نكون مع كلّ التلاميذ الباقين، نحمل الشبكة ونكون من ضمنها، نجلب له الصيد والوفرة، ونتناول الغذاء من عنده.
فلنصلِّ من أجل الدعوات في عالم اليوم، كلٌّ من عند شطّه ومن مرفئه ومُنْطَلَقِه. أعطنا يا ربّ في هذا اليوم المخصّص للصلاة من أجل الدعوات، أن نرى أنفسنا من خلال عينيك، ونترك ذواتنا بين راحتيك.
لك المجد والقوّة أيها المنتصر على كلّ موت، وصاحب الدعوة للحياة، لملء الحياة؛ مع أبيك صانع كل حق وجمال وخير، وروحك القدوس محرّك الوجود إلى تمامه. آمين.
الخوري جوني شربل