عظة الأحد
الأحد السادس من زمن العنصرة: إرسال الرسل - "شهود الرجاء وسط أزمات العالم"
في قراءات القداس للاحد السادس لزمن العنصرة، نرى إعلانٌ عن هوية التلميذ الحقيقي. يسوع لا يبيع الأوهام، ولا يعد أتباعه بالراحة أو النجاح السهل، بل يكشف لهم الحقيقة منذ البداية: "ها أنا أرسلكم كالغنم بين الذئاب". وهنا تكمن عظمة المسيحية: أنها لا تُخدِّر الإنسان بالوعود الأرضية، بل تهيئه ليكون شاهدًا للحق وسط عالم مضطرب.
"ها أنا أرسلكم كالغنم بين الذئاب" كم يختلف يسوع عن قادة هذا العالم! فالقادة غالبًا يعدون أتباعهم بالنصر السريع والمكاسب المضمونة. أما يسوع فيقول لتلاميذه منذ البداية: الطريق لن يكون سهلاً.
يقول القديس أوغسطينوس:"لم يَعِد المسيح تلاميذه بالراحة في الطريق، بل بالمجد في النهاية." إنه الصدق الإلهي. فالمسيح لا يخدعنا. هو لا يقول إن الشر غير موجود، بل يقول إن المحبة أقوى منه. لا يقول إن الذئاب اختفت، بل يقول إن الخراف المملوءة من الله تستطيع أن تنتصر عليها.
في عالمنا اللبناني والشرقي، كم نشعر أحيانًا أننا وسط ذئاب: ذئاب الفساد، والانقسامات، والمصالح، والكذب، واليأس. لكن المسيحي لا يُدعى إلى أن يصبح ذئبًا ليواجه الذئاب، بل أن يبقى خروفًا يحمل قوة الراعي الصالح. الحكمة والوداعة: معادلة القيادة المسيحية
يقول الرب: "كونوا حكماء كالحيات وودعاء كالحمام." لم يقل حكماء فقط، لأن الحكمة دون محبة تتحول إلى مكر. ولم يقل ودعاء فقط، لأن الوداعة دون حكمة قد تتحول إلى سذاجة. القائد المسيحي الحقيقي يجمع بين الأمرين:
يعرف الواقع كما هو. يقرأ الأحداث بذكاء. لكنه لا يفقد قلبه الرحوم. كم يحتاج مجتمعنا اليوم إلى هذه القيادة!
نحتاج إلى مسؤولين، ومديرين، وكهنة، ومعلمين، وآباء وأمهات لا يقودون بالخوف، بل بالحكمة والمحبة. قال البابا فرنسيس: "السلطة الحقيقية هي الخدمة، وأعظم قائد هو الذي يجعل الآخرين ينمون." إن القيادة المسيحية ليست السيطرة على الناس، بل مساعدتهم على اكتشاف دعوتهم.
"لستم أنتم المتكلمين" هنا نصل إلى قلب الإنجيل. عندما يواجه التلميذ الرفض والاضطهاد، يقول له يسوع: "لستم أنتم المتكلمين، بل روح أبيكم هو المتكلم فيكم."
وهذا ما نراه أيضًا في حزقيال. النبي لا ينطلق من ذاته. الرسول لا يعتمد على قوته. القائد الروحي لا يستند إلى مهاراته فقط.
يقول النص: "دخل فيَّ الروح وأقامني على قدمي." كم هي جميلة هذه العبارة!
فأول عمل للروح القدس ليس أن يعطينا كلامًا، بل أن يقيمنا عندما نسقط. عندما ينهار الإنسان بسبب تجربة أو فشل أو خيبة، يأتي الروح القدس ويعيده إلى الوقوف. الروح القدس لا يصنع أبطالاً خارقين، بل يصنع شهودًا أمناء. قالت القديسة تريزا الطفل يسوع:
"الله لا يطلب منا النجاح، بل الأمانة." كم من مرة نعتقد أن رسالتنا تقاس بعدد النتائج!
أما الله فيقيسها بمقدار الأمانة.
حزقيال أُرسل إلى شعب "صلاب الوجوه وقساة القلوب". ويسوع أرسل تلاميذه إلى عالم يرفضهم. وبولس واجه الرفض والسجون والاضطهاد. ومع ذلك استمروا.
لماذا؟
لأنهم لم يكونوا يبحثون عن النجاح بل عن الشهادة. الشهادة لا الشعبية نحن نعيش اليوم في عصر الشعبية والصورة والإعجابات. أما الإنجيل فيعلّمنا شيئًا آخر: أن قيمة الإنسان ليست في عدد من يصفق له، بل في أمانته للحق.
يقول الرب: "ويبغضكم جميع الناس من أجل اسمي." ليست الدعوة إلى البحث عن العداوة، بل إلى عدم بيع الحقيقة خوفًا من الرفض. كم من إنسان يصمت أمام الظلم كي لا يخسر موقعه. وكم من مسؤول يساير الخطأ كي يحافظ على شعبيته. وكم من أب أو أم أو معلم يخاف أن يقول الحقيقة. لذلك كن أمينًا للحقيقة ولو بقيت وحدك.
قال القديس يوحنا الذهبي الفم: "لا أخاف شيئًا إلا الخطيئة."
وسط كل هذا، يعطي الرب الوعد العظيم: "من يصبر إلى المنتهى يخلص."
المسيحية ليست سباق سرعة بل مسيرة ثبات. ليس المهم كيف تبدأ فقط،
بل كيف تستمر. كم من أشخاص بدأوا بحماس ثم تعبوا.
أما القديسون فصاروا قديسين لأنهم ثبتوا.
ويقول بولس الرسول:
"حينما أنا ضعيف فحينئذ أنا قوي" (2 كور 12: 10).
لأن القوة الحقيقية ليست قوة العضلات ولا النفوذ، بل قوة الروح القدس الساكن في القلب.
إن هذه القراءات تدعونا اليوم إلى ثلاثة أمور:
- أن نقبل حقيقة الرسالة المسيحية: لسنا مدعوين إلى طريق سهل بل إلى طريق أمين.
- أن نسمح للروح القدس أن يتكلم فينا: فلا نعتمد فقط على قدراتنا بل على نعمة الله.
- أن نكون قادة شهودًا لا باحثين عن الشعبية: نزرع الحق والمحبة والرجاء مهما كانت الظروف.
فإذا كان حزقيال قد وقف أمام شعب متمرد، والرسل قد وقفوا أمام الملوك والسجون، وبولس قد حمل الإنجيل إلى العالم رغم الاضطهاد، فنحن أيضًا مدعوون اليوم أن نقف في مدارسنا ورعايانا وعائلاتنا ومجتمعنا كشهود للرجاء. لأن العالم لا يحتاج إلى مزيد من الأقوياء بحسب الجسد، بل إلى رجال ونساء امتلأوا من الروح القدس حتى صار الله يتكلم من خلالهم. لستم أنتم المتكلمين، بل روح أبيكم هو المتكلم فيكم."
الأب ميشال عبود الكرملي