عظة الأحد
الأحد التاسع من زمن العنصرة: يسوع في مجمع الناصرة - اليوم تمت هذه الكتابة
إخوتي بالمسيح في كل أحد نشارك في القداس نسمع الإنجيل، ونعود إلى بيوتنا. لكن في هذا الأحد، يسوع لا يعطينا فقط مجرد تعليم، بل يعلن برنامج حياته كلّه. الإنجيل اليوم هو بمثابة البيان الأول ليسوع، أو بلغة اليوم، هو "إعلان رسالته". وكل كلمة قالها تخصّ كل واحد منا.
يخبرنا الإنجيلي لوقا أن يسوع "عاد بقوة الروح إلى الجليل." لم يبدأ رسالته بقوة المال، ولا بقوة السلطة، ولا بقوة الشهرة، بل بقوة الروح القدس. وهذا هو أول درس لنا.
اليوم العالم يقيس الإنسان بما يملك، وبعدد متابعيه، وبنجاحه، أما الله فيقيس الإنسان بامتلائه من الروح القدس. لأن الإنسان الذي يحمل روح الله، يستطيع أن يغيّر حياة الآخرين، ولو لم يملك شيئًا.
ثم دخل يسوع إلى مجمع الناصرة، البلدة التي تربّى فيها. دخل "كعادته" يوم السبت. هذه العبارة الصغيرة تعلمنا الكثير. فحتى يسوع، ابن الله، كان أمينًا للصلاة وللجماعة ولعبادة الله. فإذا كان هو لم يهمل بيت الله، فكم بالحري نحن؟
ثم أُعطي سفر أشعيا، وفتح الموضع الذي يقول:
"روح الرب عليّ، لأنه مسحني... "
يسوع لم يقرأ هذا النص بالصدفة. لقد اختاره لأنه يعلن هويته. وكأنه يقول للناس: أنا هو الذي كان الأنبياء ينتظرونه
لكن الجميل أن يسوع لا يعرّف نفسه بأنه ملك أو قائد عسكري، بل بأنه مرسل إلى الإنسان المتألّم. قال: "لأبشّر المساكين"
من هم المساكين؟
ليس فقط الذين لا يملكون المال. المسكين هو كل إنسان يشعر بالعجز قد يكون غنيًا جدًا، لكنه فقير إلى السلام، قد يكون ناجحًا، لكنه محطم من الداخل قد يكون محاطًا بالناس، لكنه يشعر بوحدة قاتلة.
كم من أشخاص يبتسمون أمام الناس، وفي الليل يبكون وحدهم
إلى هؤلاء جاء يسوع ثم قال:" لأنادي بإطلاق الأسرى"
قد نسأل: أين الأسرى اليوم؟
الأسر ليس فقط وراء القضبان. هناك من هو أسير الخطيئة، أسير الغضب، أسير الكراهية، أسير الإدمان، أسير الخوف، أسير كلام الناس، أسير المال...
كم من إنسان يريد أن يتغيّر لكنه يقول:" لا أستطيع". يسوع يقول له: "أنا أستطيع أن أحررك".
ثم يتابع:" وعودة البصر للعميان". ليس المقصود فقط العمى الجسدي.
هناك عمى أخطر: عمى القلب. حين لا أعود أرى نعم الله، حين لا أرى الفقير المحتاج، حين لا أرى أنني خاطئ وأحتاج إلى التوبة، حين أرى أخطاء الجميع، ولا أرى أخطائي. هذا هو العمى الذي يريد يسوع أن يشفيه.
ثم يقول: "وأطلق المقهورين أحرارًا" كم في عالمنا من مقهورين. مقهور بسبب المرض، مقهور بسبب البطالة، مقهور بسبب الحرب، مقهور بسبب خسارة شخص عزيز، مقهور داخل عائلته ومقهور حتى داخل الكنيسة أحيانًا.
يسوع لا يقف بعيدًا عن هؤلاء، بل يقف إلى جانبهم، ويحمل معهم ثقلهم ثم يصل إلى الجملة التي هزّت المجمع كله. طوى الكتاب، جلس وكل العيون كانت شاخصة إليه.
ثم قال: "اليوم تمت هذه الكتابة التي تُليت على مسامعكم" هذه أقوى كلمة في الإنجيل.
لم يقل: "ستتم" بل قال: "اليوم تمت"
يعني الله لا يعمل فقط في الماضي ولا يؤجل خلاصه إلى المستقبل. الله يعمل اليوم. كم مرة نقول: غداً أتوب، غداً أصلّي وغداً أعود إلى الكنيسة.
أما يسوع فيقول: “اليوم". إذا كان في قلبك حقد اليوم هو وقت الغفران،
إذا كنت بعيدًا عن الله اليوم هو وقت العودة إذا كنت تعيش بالخطيئة اليوم هو يوم التوبة إذا كنت يائسًا اليوم هو يوم الرجاء.
الله دائمًا يعمل في حاضر الإنسان لكن المشكلة لم تكن في كلام يسوع بل في قلوب أهل الناصرة. لقد عرفوه منذ طفولته. قالوا في داخلهم:" هذا ابن يوسف أي أنهم رأوا النجار، ولم يروا المخلّص رأوا الإنسان، ولم يكتشفوا حضور الله فيه وهنا تكمن الخطورة قد نعتاد على حضور يسوع نعتاد على القداس وعلى الإنجيل وعلى الصليب حتى نفقد الدهشة تصبح الصلاة عادة والقداس عادة والإنجيل عادة.
لكن المسيح لم يأتِ ليكون عادة، بل ليغيّر حياتنا. فلنسأل أنفسنا اليوم:
هل ما زال الإنجيل يهزّ قلبي؟
هل أؤمن أن يسوع يستطيع أن يغيّر حياتي اليوم؟
هل أسمح له أن يحررني من كل ما يستعبدني؟
وهل أنا مستعد أن أقول له: يا رب، اجعل "اليوم" بداية جديدة في حياتي؟
أحبائي،
يسوع يقف اليوم في وسط كنيسته كما وقف يومًا في مجمع الناصرة. وما زال يعلن الرسالة نفسها: جاء ليبشّر، ويحرّر، ويشفي، ويعزّي، ويمنح الرجاء.
فلا نخرج من هذا القداس كما دخلنا إليه. لنطلب من الرب أن تكون هذه الكلمة قد تحققت في حياتنا، وأن يكون هذا الأحد فعلًا "يومًا مقبولًا لدى الرب"، ويوم خلاص جديد لكل واحد منا.
ولنردّد من أعماق قلوبنا:
يا رب، اجعلني أسمع كلمتك كأنني أسمعها للمرة الأولى، وافتح عينيّ لأراك حاضرًا في حياتي، وحرّرني من كل ما يبعدني عنك، حتى أعيش كل يومٍ معك، وأشهد لك بفرحٍ ورجاء. آمين.
الأب أمين سمعان المرسل اللبناني