عظة الأحد

التاريخ: 2026-09-20 مرقس (10، 35 - 45) الخوري باسم الراعي الخوري باسم الراعي

الأحد الأوّل بعد عيد الصليب: طلب ابني زبدى - "لِمَنْ أَعَدَّ لَهُمْ!"

هل أخطأ الأخوان بطلبهما، حتى واجههما يسوع بجواب محبط بهذا الشكل، بعدما كان وعدهما قائلًا: "الحق أقول لكم: أنتم الذين تبعوني، متى جلس ابن الإنسان على عرش مجده، عندما يجدد كل شيء، تجلسون أنتم أيضًا على اثني عشر عرشًا، لتدينوا أسباط إسرائيل الاثني عشر" (متى 19، 28). وكان كلامه لهما في إنجيل متى بعدما أعلن لهما للمرة الثانية أنه صاعد إلى أورشليم، حيث سيسلَّم ويموت، ولكنه في اليوم الثالث يقوم.

لقد زرع كلامه هذا في الأخوين توقًا محقًّا، ما دام الوعد صادرًا عن "الرب" القادر على أن يتمّم ما وعد به. وهذا تمامًا ما ذكّرا به يسوع بقولِهما له: "يا معلّم، نريد أن تصنع لنا كل ما نسألك"، وفي النص الأصلي يحتمل النص القول: "نريد أن تحقق لنا كل ما نرغب فيه". لقد ولدت هذه الرغبة عندهما مما سمعاه منه.

لكن الأخوين، بعيشهِما على "الرغبة في"، تجاوزا الواقع، أو بكلام آخر، حرقا المراحل دفعة واحدة، من دون التنبه إلى تفصيل مهم قاله الرب في متى 19، 29، إن من يترك من أجله يرث الحياة الأبدية. لعل الأخوين قد اختلط عليهما الأمر، إذ لم يميّزا بالعمق معنى: "حين يأتي في مجده". فاعتقدا أن "المجد" هو "إكرام" و"جلال" و"بهاء" و"مهابة". هذا ما يصاحب عادةً من يسيرون وراء شخصية مؤسسة وواعدة بهذا الشكل أو شخصية نافذة مليئة بالوعود، فيدخلون في حالة الوهج التي تحيط بهذه الشخصية، فيدخل فيهم هذا الشعور أنهم شركاء حكمًا في هذا المجد أو يستفيدون منه.

يحضر هنا جواب يسوع المحبط، أنهما سيشربان الكأس ويتعمدان بالمعمودية نفسها، لكن الجلوس في المجد محفوظ «للذين أعد لهم!». أربكت الأخوين صيغة المجهول : هل الرب أعلن شيئًا لم يكن قادرًا على تحقيقه: «إنكما لا تعلمان ما تطلبان»؟

لقد كان صريحًا معهما عندما قال للرسل وهما معهم  في متى 19: "متى جلس ابن الإنسان على عرش مجده عند تجديد كل شيء". حتى هنا، ربما فهما بالتجديد ما سيفعله المسيح عند مجيئه، أي يجدّد ملك إسرائيل، لكن كلام يسوع أتى أيضًا بصيغة المجهول: "عندما يجدّد كل شيء".

يدّل المجهول هنا على أن الموعود به ليس في مجال قائله، أي ليس مسألة رغبة وطموح، بل هو استحقاق. وهذا الاستحقاق ليس وليد تحقيق نابع من إرادة، كما نقول اليوم: أريد تحقيق هذا الإنجاز لأحصل على هذه المكافأة. القضية هنا أعمق بكثير، عبّر عنها يسوع بكلام واضح هذه المرة: "أن يبذل نفسه". فالمجد هو وليد بذل النفس، أي الخروج من الذات. المفارق هنا أن عند مرقس وفي متى 20 يأتي مباشرة قبل هذا الإنجيل عن طلب الأخوين يرد الحوار بين يسوع والشاب الغني الذي حزن حزنًا شديدًا عندما كلّمه يسوع عن "الترك". وفي الإنجيلين أيضًا تأتي مباشرة بعد هذا الإنجيل آية شفاء الأعميين وشفاء بارطيما الأعمى. وفي كليهما كان طلب الأعميين: «أن تنفتح أعينهما»، وابن طيما: «أن يستطيع أن ينظر إلى فوق». الأعميان يحتاجان إلى رؤية الواقع من جديد، وابن طيما إلى أن يتمكن من أن ينظر إلى السماء.

هكذا أوضح لهما يسوع معنى المجد الحقيقي بالتخلي عن الذات، وذلك بأن ينظرا حقيقة الواقع بأعين السماء. فهذا المجد ليس بيدهما. هنا أهمية صيغة المجهول: إنه لمن أُعدّ لهم، أي للذين يسيرون مؤمنين بأنهم إذا تركوا ذاتهم وساروا وراء التماس الله في واقعهم، وأعينهم تتنبه إلى أن مدينتهم في السماء، يعدّون لذواتهم نصيبًا في المشاركة في المجد. وهذا أمر ليس بسهل؛ إنه يحتاج إلى جهاد قوي: "شرب الكأس" و"الاعتماد بالعمودية". هذا الكلام الذي قاله يسوع يمكن فهمه بطريقة أوضح كما عبّرت عنه الرسالة إلى العبرانيين: «لكن ذاك الذي حُطَّ قليلًا دون الملائكة»، أعني يسوع، «نشاهده مكللًا بالمجد والكرامة لأنه عانى الموت، وهكذا بنعمة الله ذاق الموت من أجل كل إنسان. فذاك الذي من أجله كل شيء وبه كل شيء، وقد أراد أن يقود إلى المجد كثيرًا من الأبناء، كان يحسن به أن يجعل مبدئ خلاصهم مكمّلًا بالآلام» (عب 2، 9-10). آيتان صادمتان أكيد، لكن من دونهما لن نفهم كلام يسوع للأخوين، ولن نفهم صيغة المجهول في النص. حتى يسوع لم يكن ليحصل على المجد لولا  "بذل الذات" أي أن يحقق ما جاء لأجله أي "ليعمل مشيئة من أرسله". صحيح أنه هو الابن من قبل إنشاء العالم، لكن الصحيح أيضًا أنه ابن إرادة الله بالآلام كما يتضح مما عاشه يسوع في بستان الزيتون.

هكذا يدعونا يسوع في هذا الإنجيل إلى التخلي عن "أوهام الرغبة"، ونحن نعيش في عالم اليوم، حيث تحتل الرغبة مكان المحور في حياة البشر. العقل رغبة في مفهوم اليوم، وهي محرّك الإنسان الأول. لذلك نجد إنسان اليوم كثير الخيبات، يعيش في حال من الاكتئاب المتلاحق. والسبب في ذلك أن هذا الإنسان محاصر برغبته، فلا يعيش الواقع الفعلي، بل يتوق إلى واقع متخيّل، يشجعه عليه العالم الافتراضي، وعالم المشاهد السريعة المتنقلة والمتقلبة، وعالم العلاقات المتقطعة، وعالم المجتمع المصطنع. فهو يحلم بـ"الجلال" و"البهاء" و"المهابة"، في حين يصطدم بواقع مخالف. هذا الواقع المخالف هو العالم الحقيقي الذي يدعوه إلى التخلي عن الوهم، بأن يعيش حقيقة ذاته، وأنها لا تكتمل إلا بالخروج منها (ببذل الذات)، حتى يرى الواقع وما يقدّمه له، فيدرك حقيقة أن المجد الحقيقي يسطع في كل شيء عادي حوله، كما قال بولس: «الشمس لها بهاء (أو مجد)، والقمر له بهاء آخر، وللنجم بهاء، وكل نجم يختلف عن الآخر في بهائه» (1 كو 15، 41). كلما اقترب الإنسان من بهاء الواقع البسيط، كلما تخلى عن الأوهام والرغبات المحبطة، فتنفتح عيناه على المجد الحقيقي، وبالتالي يرى السماء حاضرة أمامه. هذا هو الكأس وهذه هي المعمودية الحقيقيتان، أي ذلك الجهاد للخروج من أوهام الذات، وهذا لا يصير من دون الآلام، حتى يبلغ المجد الحقيقي الذي يتجلى في سعادة النفس، كما قال بولس: «نحن الذين لنا باكورة الروح نئن في الباطن، منتظرين التبنّي، أي افتداء أجسادنا» (رو 8، 23). وهذا الفداء لا يكون فعلًا إلا إذا أخذ الإنسان بدعوة يسوع على محمل الجدّ: "من حفظ حياته يفقدها." (مت 10، 39). 

فهم القديس أغسطينوس عمق هذه الدعوة حين فسّرها بقوله: "كيف يكون حبّ الإنسان لنفسه سببًا في هلاكها، وبغضه لها سببًا في ألّا تهلك! إذا أحببتها حبًّا سيئًا، فقد أبغضتها؛ وإذا أبغضتها بغضًا صالحًا، فقد أحببتها. طوبى للذين يبغضونها لكي يحفظوها، فلا يفقدونها بسبب محبتهم لها."