عظة الأحد
الأحد الرابع بعد عيد الصليب - مثل العبد الأمين الحكيم - الربّ آتٍ… "ونحن أبناء النهار"
في إحدى البيوت، نجد أمّ تترك ضوء الشرفة مُضاءً كلّ ليلة. ابنها مسافر، ولا تعرف متى يعود لكنّها لا تُطفئ الضوء. وإذا سألتها: "لماذا؟"، تجيبك: "وإذا أتى؟" هذه الأمّ لا تعرف الساعة، لكنّها تعرف ما هو أهمّ: أنّه آتٍ. وهذا اليقين وحده يغيّر حياتها كلّها. هذا هو إنجيل اليوم. سيّدٌ سيعود، ولا أحد يعرف متى. وفي البيت عبدان: واحد ترك الضوء مُضاءً، والآخر أطفأه. والفرق بينهما كلمة واحدة: "الربّ آتٍ"، أحدهما صدّقها، والآخر أجّلها.
إذا نظرنا إلى واقعنا، نحن نعي أنّنا نعيش في ليل طويل، ونعرفه جيّداً في بلدنا: ليل الحروب والأزمات والهجرة والتعب. وفي هذا الليل نسأل: إلى متى؟ وجواب كلمة الله اليوم: الربّ آتٍ. وهو لا يعدنا بكلمة تعزية تصلنا من بعيد. إنّما تعزية الله ليست كلاماً، بل حضورًا. هو لا يرسل إلينا رسالة، بل يأتي بنفسه، أي الذي ننتظره ليس حدثاً، بل وجهاً وحضورًا يغيّر كلّ شيء. ومَن يصدّق أنّه آتٍ، يعيش منذ الآن بطريقة مختلفة.
من الملفت أنّ العبد الأمين لم يحتج إلى أوامر جديدة كلّ صباح. كان يكفيه أن يعرف أنّ سيّده عائد، فاستمرّ يعطي أهل البيت الطعام في حينه. ولهذا العبد الأمين وجهٌ نعرفه في قراءة العهد القديم: يوسف.
يوسف هو الذي جعله الله يعطي الطعام في حينه. في سنوات الخير، خزّن القمح، وحين جاءت المجاعة، فتح المخازن وأطعم شعب مصر والشعوب المجاورة. حكمته لم تكن ذكاءً بشريّاً فقط، بل كانت قدرة على قراءة الزمن بنور الله: أن يرى في السنوات الحاضرة ما يُعِدّه الله للآتي. لكنّ يوسف لم يصل إلى هذا المجد بسهولة. قبل أن يُقام على كلّ أرض مصر، رُمي في البئر، بيع عبداً، ثمّ وُضِعَ في السجن ظلماً. ومع ذلك بقي أميناً، في بيت سيّده وفي السجن، حين لم يكن يراه أحد ولم يكن ينتظر منه أحد شيئاً. كان يعرف أنّ الله حاضر حتّى في الظلمة، وأنّ الليل لن يدوم.
وانظروا كيف ينتهي هذا الليل: فرعون يضعه وكيلاً على بيته، ويضع خاتمه في يده، ويلبسه ثياب الكتّان. هذا ما يعد به يسوع العبد الأمين: «طوبى لذلك العبد الذي إذا جاء سيّده وجده يفعل هكذا. الحقّ أقول لكم: إنّه يقيمه على جميع أمواله». مَن كان أميناً في الليل، يُقام في النور. والأمانة في الخدمة الصغيرة تصير شركة في مجد السيّد.
أمّا العبد الآخر فلم يقل: «سيّدي لن يأتي». قال فقط في قلبه: «سيّدي يُبطئ». لم يرفض، بل أجّل. ويقول يسوع أنّ السيّد سيأتي «فيقطعه»، والكلمة الأصليّة تعني: يشطره نصفين. وهذا ما صار عليه في الداخل، فأصبح إنساناً منقسماً، يقول «يا ربّ» بشفتيه ويعيش كأنّه لن يأتي. وهذا خطرنا نحن المؤمنين: لا نُنكر الله، لكنّنا نعيش كأنّه بعيد.
لكن كلمة الله اليوم لا تريد أن تخيفنا. القدّيس بولس يقول لنا أنّ الله لم يجعلنا للغضب، بل لإحراز الخلاص بربّنا يسوع المسيح. فالله لا ينتظرنا ليُدينَنا، بل ليخلّصنا. ولذلك يقول لنا أنّنا لسنا في ظلمة، فنحن كلّنا أبناء النور وأبناء النهار. وهذا هو قلب رجائنا! نحن نعيش في الليل، لكنّنا لسنا أبناء الليل. الظلمة حولنا، لكنّها ليست فينا. لقد صرنا أبناء النهار منذ معموديّتنا، ولو لم يطلع الفجر كاملاً بعد. ومن هنا نفهم لماذا استطاع العبد الأمين، ويوسف من قبله، أن يبقيا أمينين: لم يعرفا الساعة، لكنّهما وثقا بمَن يملكها. أن ننتظر مَن لا نعرف ساعة مجيئه، هذا هو الرجاء. والله لم يُخفِ الساعة ليوقعنا في الفخّ، بل ليعلّمنا أن نثق به هو، لا بالمواعيد. حتّى حين يغلبنا النعاس، وحين نتعب وننسى، لسنا متروكين، بل حياتنا محفوظة فيه. وهذا لا يدعونا إلى التراخي، بل يحرّرنا من الخوف لنسهر بفرح لا بقلق.
ومن هذا الرجاء يولد نداء موجّه إلى كلّ واحد منّا: أن نمشي، وأن نسهر، وأن نكتشف حضور الله في كلّ شيء.
أن نمشي أي أن تكون كلمة «طوبى» التي قالها يسوع للعبد الأمين ليست بمكافأة لمَن وصل، بل نداء لمَن يسير بصبر.
أن نسهر أي أن نجعل من قلبنا قلبًا يقِظ. الساهر يلبس، كما يقول بولس، درع الإيمان والمحبّة وخوذة رجاء الخلاص. ويسهر على كلمته فلا تجرح، وعلى نظرته فلا تحتقر، وعلى وقته فلا يضيع منه.
أن نكتشف حضوره في كلّ شيء أي أن نعي أنّ الربّ ليس فقط آتٍ في آخر الأزمنة، لكنّه آتٍ منذ اليوم. والسيّد ائتمن عبده على أهل البيت، أي أنّ الربّ الغائب في الظاهر كان حاضراً في كلّ واحد منهم. وهكذا نحن: الربّ حاضر في الأخ الذي يطرق بابنا، في عائلة تتصالح بعد سنوات، في مريض يجد القوّة ليقوم، في شابّ قرّر أن يبقى ويبني بدل أن ييأس، في الصلاة البسيطة آخر النهار، وحتّى في الألم. هذه علامات بأنّ الفجر بدأ يطلع.
إخوتي، الربّ الذي ننتظره ليس بعيداً. هو يأتي إلينا في كلمته التي قرأناها الآن، ويأتي في كلّ إفخارستيّا، لا بكلام بل بحضور، ويأتي في كلّ ما نعيشه حين تكون قلوبنا يقِظة. فلنطلب منه أن يوقظنا من نعاسنا، لكي نمشي في ليل العالم ساهرين، ونبني بعضنا بعضاً، ونكتشفه في كلّ شيء، إلى أن يأتي في المجد. فإنّنا نؤمن بأنّ الليل لن يدوم، والربّ آتٍ، ونحن، منذ الآن، أبناء النهار، آمين.
الخوري مايك مارون