عظة الأحد
أحد يسوع الملك - الدينونة العظمى - عندما تصير الرحمة معيار السَّماء
مع اقتراب نهاية زمن الصليب، تضعنا الكنيسة أمام سؤال جوهري يحسُم مصير الإنسان الأبديّ: على أيّ أساس سنقف أمام الربّ في اليوم الأخير؟ تأتي النصوص الكتابية المُحدَّدة لهذا الأحد السادس والأخير من زمن الصليب، لتجيب بكلمة واحدة: الرحمة.
فالرحمة ليست مجرّد شعور عابر أو عاطفة نبيلة، بل هي تجسيد حيّ للمحبّة الإلهيّة، ومعيار حاسم يتجلّى في سيرة أيّوب البارّ، ورسالة بولس الرسول، وإنجيل متى الذي يصوّر مشهد الدينونة الأخيرة.
أوّلاً: أيوب.. عينٌ للأعمى ورجلٌ للأعرج (أيوب 29: 1-3، 12-16)
أ- الإطار التاريخي واللاهوتي للنصّ
يُصنَّف سفر أيوب ضمن أدب الحكمة في العهد القديم. ورغم صعوبة تحديد التاريخ الدقيق لكتابته (والذي يرجّح المؤرخون والدارسون أنّه كُتب ما بين القرن السادس والقرن الرابع قبل الميلاد، برواية تعود جذورها إلى عصر الآباء الأوائل)، إلاّ أنّ الأهميّة اللاهوتيّة للفصل التاسع والعشرين، تكمن في موقعه من السفر؛ فهو يمثّل بداية خطبة أيوب الدفاعية الأخيرة قبل تدخّل الله. يستعيد أيوب في هذا النصّ ذكريات حياته السابقة للمحنة، حين كان يتمتّع ببركة الله وحمايته وسط مجتمعه، وذلك، ليس استعراضًا وتباهيًا، بل إثباتًا بأنّ برّه ورحمته كانا أسلوب حياة وانعكاسًا لنور الله في حياته.
ب- تأمّل وتعليم
يتحدّث أيوب وهو في ذروة ألمه، متذكّرًا الأيام التي كان سراج الله يضيء فيها فوق رأسه، ويسير في الظلمة بنوره. لم يحتفظ أيوب بهذا النور لنفسه، بل حوّله إلى أفعال رحمة ملموسة: أنقذ المسكين المستغيث، واليتيم، وجعل قلب الأرملة يترنّم.
ويصف نفسه بكلمات عميقة: «كنتُ عينًا للأعمى، ورجلاً للأعرج، وأبًا للمحتاجين». هذا هو سرّ النور الإلهي: النِّعَم التي نتقبّلها من الله لا تُعطى لنكتنزها، بل لتغدو نورًا وسندًا للآخرين. وفي زمن الصليب، يقف أيوب كرمز ومثال مُسبَق للبارّ المتألّم الذي تسنده أعمال الرحمة التي عاشها، لأنّ الرحمة تترك في النفس سلامًا لا تزعزعه المحن.
ثانيًا: المحبّة بلا رياء عند بولس الرسول (رومة 12: 9-21)
أ- الإطار التاريخي واللاهوتي للنصّ
كتب القديس بولس رسالته إلى أهل رومة من مدينة كورنتس في الشتاء الممتدّ بين عامي 57 و 58 م. وتُعَدّ هذه الرسالة الشرح الأعمق للاهوت التبرير بالإيمان. والفصل الثاني عشر يمثّل تحوّلاً عمليًّا، متموضعًا بين الجزء اللاهوتي والجزء التطبيقي؛ فبعد أن شرح بولس غنى نعمة الله ورحمته في الفصول الأولى، يطلب من المؤمنين في رومة (التي كانت عاصمة الإمبراطورية ومركز القوّة والجبروت) أن يقدّموا أجسادهم ذبيحة حيّة، وأن يترجموا هذا الإيمان في سلوكهم الأخلاقي، ومحبّتهم العمليّة، التي تتحدّى منطق العالم القائم على الانتقام والسلطة.
ب- تأمّل وتعليم
إذا كان أيوب يجسّد صورة الرحمة، فإنّ بولس يقدّم لنا الأفعال والمنهج: «لتكن المحبّة بلا رياء». والمحبّة بلا رياء هي المحبّة الصادقة التي لا ترتدي أقنعة، ولا تبتغي المديح أو المقابل.
يصوغ بولس قائمة من التوجيهات الملموسة: النفور من الشّر، التمسّك بالخير، إكرام الآخرين، الحرارة بالروح، الصبر في الضيق، والمواظبة على الصلاة. وفي قلب هذه التوجيهات تبرز الممارسة العملية للرحمة: المشاركة في احتياجات القدّيسين، ممارسة الضيافة، إطعام العدوّ الجائع، وسقي العطشان.
ويختم القديس بولس بقاعدة هي جوهر منطق الصليب: «لا يغلبنّك الشرّ بل اغلب الشرّ بالخير»؛ فالمسيح لم ينتصر على الشرّ بقوّة السلاح، بل بقوّة المحبّة المبذولة.
ثالثًا: إنجيل متى.. الديّان الذي يُشبه الجائع (متى 25: 31-46)
أ- الإطار التاريخي واللاهوتي للنصّ
يُعتبر هذا النصّ جزءًا من الخطاب النهيويّ أو الخطاب النبويّ في إنجيل متّى (ف 24-25)، والذي دُوِّن متوجّهًا في الأساس إلى جماعة مسيحيّة من أصل يهودي في أواخر القرن الأوّل الميلادي (حوالي 80-90 م). يعكس هذا النصّ حقيقة الدينونة الأخيرة ومجيء «ابن الإنسان» في مجده. وهو النصّ الوحيد في الأناجيل الذي يصف مشهد الدينونة العامّة بشكل صريح ومباشر، حيث تظهر المحبّة العملية للفقراء والمهمّشين، كمعيار أساسي ودقيق لخلاص الإنسان.
ب- تأمّل وتعليم
يجلس ابن الإنسان على عرش مجده، وتجتمع أمامه الأمم، فيفصل بينهم كما يفصل الراعي الخراف عن الجداء. ورغم هيبة المشهد، تأتي أسئلة الدينونة بسيطة ومباشرة: أطعمتُموني، سقيتُموني، آويتُموني، كسوتُموني، زرتُموني.
يكشف هذا المشهد عن ثلاث مفاجآت مذهلة:
• جَهلُ الأبرار الإيجابي: الأبرار لم يكونوا يعلمون أنّهم يخدمون المسيح شخصيًا؛ فقد نبعت خدمتهم من محبّة مجرّدة لا تنتظر مكافأة.
• جَهلُ المحكومين السلبي: الخطيئة هنا لم تكن في ارتكاب شرّ مُعلن، بل في التقاعس عن فعل الخير (خطيئة الإهمال والامتناع عن الرحمة).
• تماهي المسيح مع الصغار: «كلّ ما فعلتموه بأحد إخوتي هؤلاء الصغار، فبي فعلتموه». المتألّم والمحتاج ليس مجرّد حالة للتصدّق، بل هو مكان حضور الربّ الحقيقي.
هنا تتلاقى القراءات الثلاث: ما عاشه أيوب بكونه عينًا للأعمى، وما نادى به بولس كضيافة ومشاركة، هو ذاته معيار الدينونة الأبدي.
رابعًا: في ضوء الصليب.. رحمة تتجسّد في واقعنا
لماذا تُقرأ هذه النصوص في زمن الصليب؟ لأنّ الملك الجالس على عرش المجد في نهاية الأزمنة هو نفسه الذي عُلّق على الخشبة. على الصليب، جَسّد المسيح حالة الجائع والعريان «أنا عطشان»، والغريب المطرود خارج أورشليم. فمن يخدم الصغار والمهمّشين يخدم المصلوب ذاته.
في واقعنا اليوم، لا يقف الإنجيل عند حدود الفكرة المجرّدة، بل يتجسّد في وجوه ملموسة: الجار الذي يعجز عن تأمين الدواء. العائلة المهجّرة التي فقدت سقف بيتها. المُسنّ الذي يعاني مرارة الوحدة والنسيان...
إن الكنيسة تدعونا لفحص ضمير ذاتيّ: من هو «الغريب» أو «المريض» القريب منّي الذي همّشتُه أو لم أزره؟ ما هو النّور والنّعمة (سواء كان وقتًا، مهارةً، أو مالاً) التي وهبني إيّاها الله ويمكن أن أضعها في خدمة الآخرين؟ هل محبّتي صافية «بلا رياء»، أم أنّها تحاول استجداء الثناء والمصالح؟
*خاتمة
الدينونة ليست تخويفًا، بل هي تكشفُ حقيقة المحبّة في قلوبنا. فلنتّخذ قرارًا عمليًا واحدًا ومحدّدًا تجاه إنسان محتاج، فالبناء الأبدي يُشيَّد بقطرات الرحمة الصغيرة.
يا ربّ، يا من تأتي في وجه كلّ جائع وغريب ومريض، إفتح أعيننا لنراك، وقلوبنا لنحبّ بلا رياء، وأيدينا لنخدم دون أن ننتظر شكرًا. واجعلنا يوم مجيئك من الذين تقول لهم: "تعالوا يا مباركي أبي". لك المجد إلى الأبد، آمين.
الخوري أنطوان القزي