الأخبار

المحليّات

الأباتي محفوظ: لا ندع الهمّ يأكلنا... الله سيّد التاريخ

الأباتي محفوظ: لا ندع الهمّ يأكلنا... الله سيّد التاريخ

ترأس الرئيس العام للرهبانية اللبنانية المارونية الأباتي هادي محفوظ، مساء الإثنين 7 أيلول 2026، القداس الإلهي عشية عيد ميلاد أمنا مريم العذراء، في دير سيدة المعونات – جبيل، عاونه أمين السر العام الأب طوني عيد ورئيس الدير الأب جان بول الحاج.

وشارك في القداس المدبّران العامان الأب ميشال أبو طقّة والأب طوني فخري، والأباتي طنوس نعمه، والوكيل العام الأب شربل فياض، وعدد من رؤساء الأديار والكهنة والرهبان والراهبات، إلى جانب نواب وفاعليات بلدية واجتماعية واختيارية وحشد من المؤمنين. وخدمت القداس جوقة الإخوة الدارسين.

وبعد تلاوة الإنجيل المقدس، ألقى الأباتي محفوظ عظة استهلها بالتوقف عند فرح اللقاء مجددًا في دير سيدة المعونات، المطلّ على مدينة جبيل، للاحتفال بعيد الدير وميلاد العذراء مريم، معتبرًا أن المناسبة تشكل دعوة إلى العودة للتأمل في جوهر الإيمان المسيحي.

وأشار إلى أن الإنسان، وسط انشغالات الحياة اليومية، قد ينسى أحيانًا الحقائق الأساسية التي يؤمن بها والتي تمنح حياته معناها، وفي مقدمتها حضور الله، ويسوع المسيح، والروح القدس، وشفاعة القديسين، وعلى رأسهم مريم العذراء.

وقال إن الحياة اليومية تفقد معناها إذا غاب عنها هذا الحضور وهذه العلاقة، داعيًا المؤمن إلى أن يتذكر دائمًا أن «الله هنا».

وانطلق الأباتي محفوظ من إنجيل العيد، متوقفًا عند كلام يسوع عن ضرورة استقبال ملكوت الله مثل الطفل، ومشيرًا إلى أن الهدف الأسمى للإنسان، مهما حقق من نجاحات في حياته، يبقى الوصول إلى ملكوت الله.

وأوضح أن ما يميز الطفل هو اندفاعه نحو أبيه وأمه ونحو من يمنحه الأمان والخير الذي يحتاج إليه، معتبرًا أن هذا هو المعنى الذي يدعو إليه المسيح: أن يسلّم الإنسان ذاته إلى الآب السماوي بثقة.

ومن هنا، دعا في عيد ميلاد العذراء إلى العودة «أطفالًا» أمام الله، وتسليم الذات له، واللجوء إلى شفاعة مريم من خلال الصلاة والمسبحة وإكرامها بشتى الطرق.

وشدد في الوقت نفسه على أن الطفولة الروحية لا تعني الهروب من المسؤولية، بل على العكس، تتطلب نضجًا كبيرًا وقدرة على حمل أعباء الحياة.

وقال إن يسوع، عندما يدعو المؤمن إلى أن يكون كالطفل، يدعوه في الوقت نفسه إلى أن يكون «كبيرًا» في تحمّل مسؤولياته، وأن يعيش في قلب واقعه لا بعيدًا عنه.

وأكد الأباتي محفوظ أن المسيحية لا تدعو الإنسان إلى تجاهل همومه أو الانسحاب من واقعه، بل إلى الاهتمام بحياته اليومية والعمل على جعلها أفضل، له ولأفراد عائلته ولمحيطه.

واستعاد في هذا السياق صلاة يسوع إلى الآب عشية آلامه: «لست أسألك أن ترفعهم من العالم، بل أن تحفظهم من الشرير»، مشددًا على أن الحياة المسيحية تُعاش في قلب العالم، مع الحفاظ على الوعي الدائم بحضور الله.

وأوضح أن المطلوب هو أن يتحمل الإنسان مسؤولياته في العائلة والمجتمع والعمل والوطن، وفي الوقت نفسه يبقى قادرًا على القول: «ربنا هنا»، ويسلّم نفسه إليه بثقة الطفل.

وقال إن هذه المعادلة تحتاج إلى «كبر ونضج ومسؤولية»، بحيث يحمل الإنسان هموم حياته، من دون أن يسمح لها بأن تلتهمه.

وأضاف: «نحمل الهمّ، لكن لا ندع الهمّ يأكلنا، لأننا نعرف أن الله هنا».

وتوقف الرئيس العام عند الخوف الذي يمكن أن يواجه الإنسان أمام الأحداث والتحولات، مؤكدًا أن مسيرة التاريخ تستمر، وأن الإيمان الحقيقي يقوم على الثقة بأن الله هو سيد التاريخ وأن كل شيء يجري تحت نظره.

وأشار إلى أن الخوف شعور طبيعي لأن الإنسان بشر، لكن المطلوب ألا يتحول الخوف إلى إحباط أو استسلام.

وقال إن المؤمن مدعو إلى السير قدمًا بثقة، لأنه يؤمن بأن الله إلى جانبه، وأنه «سيّد التاريخ».

وانتقل من هذا البعد الروحي إلى الواقع اللبناني، مؤكدًا أن المطلوب في الظروف التي يمر بها لبنان هو التمسك بالرجاء.

ووصف الرجاء بأنه في آن واحد «موقف طفولة وموقف نضج وموقف مسؤولية»، لأن المؤمن يضع نفسه بين يدي الله بثقة، من دون أن يتخلى عن التزاماته اليومية والعائلية والاجتماعية والوطنية.

وأضاف أن المسيحي الحقيقي هو من يجمع في قلبه بين بساطة الطفل ونضج الإنسان المسؤول، فيبقى متشبثًا بالله وفي الوقت نفسه ملتزمًا بخدمة مجتمعه ووطنه والسير بهما إلى الأمام.

وفي عيد ميلاد العذراء، دعا الأباتي محفوظ المؤمنين إلى طلب شفاعتها لكي يستطيعوا عيش هذين البعدين معًا: الثقة البنوية بالله والمسؤولية الناضجة في الحياة.

وقال إن المؤمن مدعو إلى مواصلة مسيرته كما يريدها الرب، من دون خوف، واضعًا حياته بين يديه ومتكلًا على عناية مريم وشفاعتها.

وفي ختام عظته، توجّه الأباتي محفوظ بالمعايدة والشكر إلى رئيس الدير الأب جان بول الحاج وجماعة الرهبان، مثنيًا على تعبهم وشهادتهم وحضورهم في دير سيدة المعونات.

وأشاد بتفاني الأب الحاج في خدمة الدير وبالرعاية الأبوية والحنونة التي يقدمها، معتبرًا أن ذلك يجسّد دعوته الرهبانية والقيم التي حملها معه في مسيرته.

كما توقف عند تعدد الرسالات التي يؤديها دير سيدة المعونات، من القطاع الاستشفائي إلى القطاعات الزراعية والاجتماعية والرعوية، مشيدًا بما يقوم به رهبان الدير من خدمة وصفها بأنها تُظهر وجه الرهبانية اللبنانية المارونية كما يجب.

وختم معايدًا الجميع بعيد ميلاد العذراء، وداعيًا إلى عيش الإيمان «بكل طفولة وبكل مسؤولية»، سائلًا الرب أن يكون مع الجميع ويمنحهم كل خير.

المصدر: صوت المحبّة